العديد من مواقف الشجاعة ظهرت في هذه الليلة الصعبة، ولكن لا شيء أكثر شجاعة من الاستمرار في العزف حتى استقرت السفينة بهدوء في قاع البحر دقيقة بعد دقيقة. *لورانس بيسلي أحد الناجين من غرق تيتانيك

في غضون دقائق من اصطدام سفينة تيتانيك بجبل جليدي في 14 أبريل (نيسان) 1912، طلب والاس هارتلي قائد الفرقة الموسيقية من فرقته أن تجتمع حوله وتبدأ في العزف بينما يغرق نصف السفينة في الماء، ليصعدوا معًا إلى مقدمتها، ومن حولهم الركاب يبحرون بعيدًا بقوارب النجاة، حتى سقطت السفينة كاملة بكل ما عليها في قاع المحيط الأطلنطي، وانقطع العزف.

ظهر العازفون الثمانية في نهاية فيلم تيتانيك الشهير مستمرين في العزف، بينما الموت يأكل السفينة بركابها، ورغم حقهم في قارب نجاة، إلا أنهم لم يستخدموه، واستمروا في العزف دون توقف، حتى مع المشهد الأخير في الفيلم، شعرنا وكأن موسيقاهم تأتي من قاع المحيط المظلم. ولكن هل كان المشهد دراميًّا فقط؟ للأسف لا.

لقي والاس هارتلي وسائر أعضاء فرقته الموسيقية السبعة، وطاقم السفينة مصرعهم مع 1500 راكب، غرقوا مع السفينة في تمام الساعة 2:20 صباح يوم 15 أبريل (نيسان)، دون قصص من حياة هؤلاء الموسيقيين تدفعنا للاعتقاد بأنهم ولدوا شجعانًا، كما هو الحال مع من يؤدون أعمالًا بطولية، ولكن يبدو أنهم لم يتعرفوا على جينات الشجاعة بداخلهم حتى اللحظات الأخيرة في حياتهم

سنعزف الليلة على أفخم سفينة

في الصورة السابقة من الأعلى يمينًا: جون فريدريك بريستون كلارك باسيست 30 عامًا، وبيرسي كورنيليوس تايلور سليست 32 عامًا. الصف الأوسط: جورج ألكسندر كرينز عازف الكمان 23 عامًا، و والاس هارتلي قائد الفرقة وعازف الكمان 21 عامًا، وثيودور رونالد برايلي عازف بيانو 24 عامًا. وفي الصف السفلي: جون لو هيوم عازف الكمان 21 عامًا، وجون ويسلي وودوارد سليست 32 عامًا، ولا يظهر معهم بريكوكس.

انقسم العازفون إلى مجموعتين موسيقيتين، خمسة بقيادة والاس هارتلي، وثلاثة منفردين. وتدرب العازفون على عدد 352 أغنية لعزفها لركاب الدرجة الأولى عند طلب أي منها، وفي حفلات العشاء وعروض ما بعد العشاء. ولم تلفت الفرقة الانتباه -غير موسيقاها- حتى توفيت فرقة العازفين كاملة، عندما عزموا على تهدئة أعصاب الركاب بينما السفينة تغرق تمامًا، وكل من الثمانية استمروا في العزف حتى امتلأت كل قوارب النجاة. وتم العثور على جثث ثلاثة عازفين من الفرقة في حالة سيئة، وهم: (كلارك، هارتلي، هوم) والخمسة الآخرين في عداد المفقودين.

لماذا لا نرحل معهم؟ هذا دورنا

في ليلة 14 أبريل (نيسان) 1912 كانت الفرقة المكونة من ثمانية عازفين بقيادة والاس هارتلي، قد اجتمعت في صالة الدرجة الأولى في محاولة لإبقاء الركاب هادئين، ثم انتقلوا إلى مقدمة السفينة، واستمروا في العزف.

يبدو أن والاس هارتلي كان مهيئًا لأن يكون على متن سفينة تغرق، ويعرف كيف سيستجيب للأمر، فمن التصريحات المثيرة للاهتمام، ما قاله الموسيقي جون كار، والذي عمل مع هارتلي فترة، بأنه لا يعتقد أن هارتلي تلقى أمرًا باستمرار العزف، خاصة بأن الفرقة كان لها الحق في قارب نجاة ما داموا مأجورين وليسوا من طاقم السفينة، ولكن أظن أن هارتلي بمجرد شعوره بخطورة الوضع، دعا فرقته وبدؤوا في العزف، وأضاف كار أن: هارتلي أوضح كثيرًا قناعته بأن الموسيقى أقوى سلاح ضد التخبط والاضطراب، كان يعي قيمة السلاح الذي بين يديه، وربما كان يثبت وجهة نظره.

كتب ستيف تيرنر في كتابه «الفرقة التي استمرت في العزف: قصة غير عادية عن 8 موسيقيين غرقوا مع تيتانيك» أن أكثر الأسئلة شيوعًا كان: لماذا استمر العازفون الثمانية في العزف على سطح السفينة بينما تغرق؟ هل أمرهم كابتن السفينة بذلك؟ هل كان العزف حتى الموت جزءًا من شروط عقد عملهم؟ هل كان أمامهم أمل في النجاة يتوقعونه؟

اعتقد الكاتب أن الفرقة اتخذت قرارها الشجاع بسبب الطابع الأخلاقي لقائدهم، عازف الكمان والاس هارتلي، وهو الموسيقي الذي عزف سابقًا في موريتانيا ولوسيتانيا، وهو من بلدة كولن ببريطانيا، وكان والده يعمل في الكنيسة، وحسب الكثير من الشهود كان هارتلي شخصًا بسيطًا للغاية، ومسيحّيًا متدينًا، على علاقة مع فتاة مسيحية اسمها ماريا روبنسون، وكانا على وشك الزواج بمجرد عودته من رحلة تيتانيك، وقالت عنه روبنسون إنه كان مبتهجًا، بسيطًا، يأتي للكنيسة كل مرة بمجرد أن ينهي رحلته.

إلهي قربني إليك.. إلهي قربني إليك

اختلفت التكهنات حول الأغنية الأخيرة التي عزفتها الفرقة، فقالت السيدة فيرا ديك، وهي كندية، من ركاب الدرجة الأولى، وشاركها الرواية العديد من الناجين، أن المعزوفة الأخيرة للفرقة كانت «إلهي قربني إليك»، ويقوي من هذا التخمين أن هارتلي قال مرة لأحد أصدقائه، والذي عزف معه في موريتانيا، إنه إذا كان على متن سفينة تغرق سيعزف «إلهي قربني إليك».

لكن يخالف هذه الرواية ما ذكره والتر لورد في كتابه «ليلة لا تُنسى» أنه سمع معزوفة «أغنية الخريف» الفالس الشهير آنذاك، قبل أن تغرق السفينة، حيث كان هو والسيد هارولد برايد أقرب شاهدين إلى الفرقة في هذا الوقت، بعدما تسلقوا النصف الغارق من السفينة إلى سطحها حتى غرقت السفينة تمامًا. ويرى الكثير أن الرواية الثانية يمكن الاعتماد عليها أكثر، لأن السيدة فيرا ديك، كانت قد غادرت على أحد قوارب النجاة، قبل ساعة و20 دقيقة من اكتمال الغرق، ولم تشهد اللحظات الأخيرة للفرقة.

صحيح أن كلًّا من الركاب الأمريكيين والبريطانيين قد ذكروا أن آخر أغنية عزفتها الفرقة هي ترنيمة «إلهي قربني إليك»،  ولكن ليس هناك ما يؤكد ذلك غير روايات الناجين، خاصة وأن الترنيمة لم تكن في مجموعة المعزوفات الموسيقية، وأيضًا لحن الترنيمة يختلف بين أمريكا وبريطانيا.

المثير للشك هو أن هناك ثلاثة ألحان مختلفة لترنيمة «إلهي قربني إليك»،  واحدة لحنها جون ديكيس عام 1861 في بريطانيا، والثاني للويل كان ميسون عام ،1856 وكان شائعًا في الولايات المتحدة الأمريكية، واللحن الثالث كتبه آرثر سوليفان، وكان اللحن شعبيًّا في بريطانيا، مما يجعل اتفاق بريطاني وأمريكي على نفس المعزوفة أمر صعب. والأمر الآخر أن اللحن البريطاني للترنيمة يبدو مشابهًا لأغنية «الخريف»،  ولكن التدين الظاهر على أعضاء الفرقة جعل الكثير يميلون أكثر لتصديق قصة الترنيمة.

وكانت أسرة الكولونيل أرشيبالد غراسي، وهو مؤرخ هاوٍ كان على متن السفينة حتى اللحظات الأخيرة، قبل أن يتم إنقاذه من قبل قارب نجاة، ثم الوفاة بعد ثمانية أشهر متأثرًا بجراحه، قد احتفظت أسرته بتصريحاته المفصلة حول الحادث، والتي قال فيها غراسي إن معزوفات الفرقة كانت مبهجة جدًّا، ولكنه لم يتعرف على أي منهم، وإذا لعبت الفرقة ترنيمة «إلهي قربني إليك» كما ادعى البعض، لكان لاحظ ذلك، واعتبره بمثابة إنذار عالٍ بأن الموت لنا جميعًا مؤكد، وهو ما كان ليثير الرعب.

حبيبي للأبد

بعدما تم استرداد جثة قائد الفرقة الموسيقية بعد عشرة أيام، وبعد ما تم جرده مما تم انتشاله من بقايا السفينة لم يجد المسؤولون عن البحث آلة الكمان، وكان تقرير صحافي قد أفاد بأن هارتلي عُثر عليه بكامل ملابسه، وخاتمه في إصبعه، وانتشر تخمين بأن الكمان قد انجرفت مع أمواج المحيط الأطلنطي، أو سرقه شخص ممن وصلوا إلى الجثث قبل فريق الإنقاذ.

طوال هذه الفترة، وحتى عام 2007 كان الكمان مع ماريا روبنسون، خطيبة هارتلي، في بريطانيا، ثم ابنه، الذي حملت به حتى يأتي ويعلنا الزواج بالكنيسة. وكان الكمان بحقيبته الجلدية أهدتهما روبنسون إلى هارتلي عام 1910 قبل حفل شارك فيه بالعزف، وحفرت على قطعة من الفضة الأحرف الأولى من اسمه، وثبتتها على الكمان، وأيضًا نقشت على جلد الحقيبة من أجله، وربما كانت هذه الحقيبة التي حمت الكمان بدرجة كبيرة من الرطوبة، ويُعتقد أن هارتلي وضع كمانه داخل الحقيبة، وهو يواجه الموت.

كتبت روبنسون برقية شكر لسكرتير مقاطعتها بعد الحادث بشهر تعبر فيها عن امتنانها لجميع من لا تعرفهم ممن جعلوا عودة كمان حبيبها ممكنًا، حيث ردوا كمان هارتلي وحقيبته وخاتمه وعلبة السجائر الفضيّة إلى والده، والذي ردهم بدوره إلى روبنسون لعلمه بحبها الشديد لابنه، وهي التي حافظت على كل مقتنيات حبيبها ووضعتها في مزار صغير بمنزلها لخطيبها الراحل، ولم تعلن وجوده معها عند البحث عن متعلقات ضحايا السفينة لفحصها ووضعها في متحف، حتى توفيت بسرطان المعدة عام 1939، وعمرها 59 عامًا، في منزلها ببريدلنجتون.

حتى عام 2006 لم يكن أحد يعرف بوجود كمان هارتلي في بريطانيا، حتى كشف عنه ابنه وكاتب سيرة والاس هارتلي، ما دفع الخبراء لفحص بقاياه جنائيًّا من قبل أعلى الهيئات العلمية ببريطانيا، فحصًا استمر سبع سنوات، بتكلفة عشرات الآلاف من الجنيهات، حتى أثبتوا أن الكمان المقصود هو الكمان الذي عزف عليه هارتلي قائد الفرقة قبل وفاته، وكان خشبه محتفظًا بصلابته بشكل لا يُصدق، على الرغم من مائة عام كاملة مرت عليه، والمدة التي قضاها في قاع المحيط، وربما هذا كله يشرح لنا لماذا اهتمت روبنسون باستعادة كمان حبيبها، ولماذا أخذه هارتلي معه وهو يواجه الموت.