الجميلة والوحش قصة عرفناها جميعًا من أفلام الرسوم المتحركة التي كانت تُقدمها ديزني في تسعينات القرن الماضي، وتحكي عن أمير شاب تحول لوحشٍ غزير الشعر إثر لعنة أصابته، والسبيل الوحيد ليعود إلى هيئته البشرية مرة أخرى كان الحب؛ وهو الأمر الذي يتحقق في نهاية القصة بعد أن يتمكن بالفعل من أن يوقع الفتاة الجميلة في حبه؛ لتنتهي لعنته، ويعيشان في سعادةٍ أبدية كما يحدث في كل قصص  ديزني الخيالية، لكن هل قصص ديزني خيالية فعلًا؟ وهل الجميلة والوحش لهما تاريخ على أرض الواقع؟

في فيلمٍ وثائقي نُشر منذ أيام بالجزيرة الوثائقية تكتشف قصة تعود إلى الديوان الملكي الفرنسي في القرن 16 عن فتاةٍ جميلة كان مصيرها الزواج بوحش اعتقد الديوان الفرنسي أنه مسخ، وأنجبوا معًا أطفالًا كان لهم مصير آخر مأساوي.

عودة الجميلة والوحش.. وثائقي يؤرخ قصة الوحش الحقيقي

يحكي الفيلم الوثائقي عن الجانب الخفي من التاريخ، هذا الجانب الذي لن تجده في الكتب الضخمة التي تروي تاريخ الدول؛ في سردٍ سلس يروي لنا قصة من قصص المهمشين، هؤلاء الذين استعبدتهم البلاطات الملكية؛ ففي زمن آخر ذي طقوسٍ مختلفة، كان يقاس ثراء ورفاهية الملوك في البلاط الملكي، ليس باقتنائهم الحُلي والمجوهرات فقط، ولكن باقتناء العجائب والعبيد غير التقليديين، وعندما تم تتويج الملك هنري الثاني ملكًا على فرنسا في عام 1547، بدأ الملوك والأمراء من الممالك الأوروبية المحيطة في إرسال الهدايا القيمة والمميزة، وكان من بين الهدايا الكثيرة «بيتروس غونسالفوس»، وهو رجل يكسوه الشعر من وجهه حتى أخمص قدميه، أطلق عليه وقتها «رجل البرية»، حيث كان يُعامل على أنه مسخ غير متحضر كفاية ليكون بشريًا؛ وذلك نظرًا لهيئته، قاموا بالقبض عليه في إحدى جزر الكناري الإسبانية، وتم وضعه في قفص، وتمت معاملته كالحيوانات البرية، وكانوا يطعمونه اللحم النيئ والعلف الحيواني، حتى تم شحنه كهدية للملك الفرنسي.

لم ير الملك هنري الثاني في «غونسالفوس» وحشًا يجب أن يتم تقييده في قفص، بل لمح فيه الهدوء والملامح الإنسانية؛ فقرر أن يخوض تجربة هي الأولى من نوعها، حيث بدأ في تعليم رجل البرية وتثقيفه، في محاولة لجعله رجلًا نبيلًا.

وقتها تم التعامل مع غونسالفوس كآدمي لأول مرة في حياته، فتم إعطاؤه ملابس نظيفة، ووجباتٍ مطهوة، إلى جانب دروس القراءة والكتابة، حتى أنه أتقن ثلاث لغات؛ فأعجبت به المحكمة الملكية وارتفع وضعه الاجتماعي في البلاط، ولكن وعلى الرغم من ذلك كان الجميع لايزالون ينظرون إليه على أنه رجل البرية، بشريًا بدرجة أقل.

لم تكن التجارب التي أجريت على «الوحش» وقتها تجارب حياتية فقط، بل تم عرضه على أطباء الملك وعلماء البلاط، والذين وجدوا فيه ضالتهم في محاولة منهم لمعرفة ما الذي جعل الوحش وحشًا؟ فقد كانوا ينتظرون منه أن يتحول في الليل إلى مستذئب، ووحش حقيقي، إلا أنه قد خيب ظنهم، حتى وقتما كان حبيسًا ومقيدًا، فقد كان أليفًا هادئًا، وربما خائفًا أيضًا.

هل تزوجت الجميلة من الوحش بدافع الحب؟

في رواية ديزني وقعت الجميلة في حب الوحش؛ مما دفعها لأن تُقبله قبلة الحياة، تلك القبلة التي حولته من مستذئب إلى بشري مرةً أخرى، ولكن الحقيقة لم تكن بمثل هذه الصورة الرومانسية؛ ففي الفيلم الوثائقي نعرف أن «غونسالفوس» والذي كان مملوكًا للملك الفرنسي قد آل مُلكه للملكة كاترين دي ميديشي زوجة الملك عقب وفاة هنري الثاني في مبارزة عام 1559، والتي أرادت بدورها أن تجري تجربتها الخاصة على «رجل البرية».

فكرت كاترين في تزويج غونسالفوس من أجل نسلٍ من الوحوش، تجمعهم إلى متحف عجائبها، واختارت له امرأة جميلة وقوية، تستطيع أن تتحمل صدمة مواجهة زوجها المستقبلي.

والحقيقة أن الرواية الأصلية التي صُنعت منها نسخة ديزني وهوليود من القصة تعود إلى عام 1740 للكاتبة «غابرييل سوزان دي فيلينيوف» والتي أرادت أن تصنع رواية تناهض اضطهاد النساء في القرن الـ18، وكيف يتم تزويجهن دون رغبتهن، هي الأقرب من القصة الحقيقية؛ حيث تزوج جونسالفوس من الجميلة كاثرين التي اختيرت له بعناية من الملكة شخصيًا، وكانت ليلة زواجهم مفاجأة للعروس التي لم تكن تعرف من ستتزوجه، تحملت كاثرين – العروس – الصدمة بصمت لا يخلو من الخوف ظنًا منها أنها تزوجت وحشًا حقيقيًا، وأدى نفورها منه ليلة الزواج إلى عكس ما هو متوقع منه كوحش، فقد ابتعد عنها تاركًا إياها في سلام، في حين جلس هو وحيدًا متأثرًا بما جناه عليه مظهره الخارجي. وهو الأمر الذي رقق قلب زوجته عليه، وجعلها تكتشف حقيقة زوجها.

قد يكون الحب سببًا جعل الزوجة تقبل بمصيرها حقًا، ولكنه حب من نوعٍ آخر بعيدًا عن قصص الروايات؛ فأنجبوا بالفعل سبعة أطفال، كان منهم أربعة أشبه بحالة والدهم؛ مما أسعد أرملة الملك التي نجحت في تكوين عائلة من «المسوخ» في بلاطها الملكي.

في الفيلم الوثائقي سنرى كيف كانت نهاية «عائلة المسوخ» المأساوية؛ فبعد ذلك بسنوات امتلك الدوق الإيطالي «رانوتشيو فارنيز» عائلة «غونسالفوس»، وعندما مات رجل البرية لم يتم تسجيله في السجلات، ربما لأنهم وعلى الرغم من مكانته النبيلة، إلا أنهم كانوا يتعاملون معه كحيوانٍ أليف مدلل. أمر الدوق فيما بعد برسمهم وأطفالهم المصابين فقط، لتصبح لوحاتهم من البقايا الشهيرة لبلاط الملوك، وحفظت اللوحات حتى الآن في المتاحف الأوروبية، أما الأطفال فتم إرسالهم بعد ذلك كهدايا للملوك؛ ليصبحوا في النهاية «حيواناتٍ أليفة» لأفراد الطبقة العليا.

هل هناك «وحوش» في زمننا الحالي؟

في زمن «غونسالفوس» لم يكن معروف بعد للأطباء والعلماء مرضًا مثل فرط نمو الشعر، أو كما يُطلق عليه « متلازمة المستذئبين» وهي أحد الظواهر الوراثية النادرة، والتي يزداد فيها نمو الشعر في أنحاء الجسم المُشعرة بالأساس، مثل الوجه والأنف والأذن ومناطق الكتفين، وهي حالة تصاحب المريض منذ الولادة.

ونظرًا لأن المتلازمة هي في الأساس مرض نادر لم يُصب به سوى خمسين شخصًا في العالم كله منذ العصور الوسطى وحتى الآن، اعتقد العلماء وقتها أن الشخص المصاب وحشًا أو مسخًا، وتعاملوا معه وكأنه حيوان أليف تم استئناسه من البرية، والحقيقة أننا وعلى الرغم من مرور الزمن ومن الاكتشافات العلمية التي جعلتنا ندرك الخلل الجيني لمرض مثل فرط الشعر، مازلنا نتعامل مع المصابين وكأنهم مسوخ.

في الفيلم الوثائقي يروي «لاري غوميز» وهو الوجه الحديث لرجل البرية، أحد المصابين بالمتلازمة، والذي استطاع أن يشق طريقه ناحية هوليوود ليصبح مستذئب السينما، أنه وعلى الرغم من تصالحه الآن مع مظهره وسعادته به، إلا أن طفولته لم تكن كذلك؛ حيث ولد في المكسيك لعائلة يعاني أغلب أطفالها من المتلازمة، ولكن معاناتهم الحقيقية بدأت مع ذهابهم إلى المدرسة؛ فالسخرية من مظهرهم كانت أقل شئ تعرضوا إليه.

انضم لاري بعدها هو وشقيقه إلى السيرك الجوال، حيث كانت بداية مرحلة جديدة من حياته، فيحكي أن بدايته في السيرك كانت فقط من أجل الوقوف على خشبة المسرح أمام الجمهور ليروه أو ليلتقطوا معه الصور، وكان يتقاضى أجرًا فقط على ذلك، هذا قبل أن يتم تعليمهم الأكروبات وضمهم للعروض المرحة، فقضى هناك سبعة عشر عامًا كانوا هم الأكثر إثارة في طفولته، ولكن السيرك كان بالنسبة إليه، بالرغم من ذلك، سجنًا، فلم يسمحوا لهم بالخروج منه؛ مما كان يضطرهم لقضاء كامل اليوم في المقطورة، وذلك لأنهم من أهم عوامل الجذب بالسيرك.

والحقيقة أنه على الرغم من تغير الزمن، إلا أن السيرك أصبح كالبلاط الملكي، فلطالما كانت وظيفته اقتناء الأشخاص غريبي الهيئة، كعوامل جذبٍ وترفيه من أجل مزيدٍ من الزوار، فكان السيرك في العصور القديمة سجنًا حقيقيًا لهؤلاء الأشخاص، يمتلكهم لإهانتهم مقابل الطعام، إلا أنه الآن يدفع لهم المال لفرض هيمنته عليهم.

وعلى الرغم من أن «غوميز» يبدو متصالحًا مع مظهره، ويعتقده سببًا رئيسًا في شهرته، مُشيرًا إلى أن الجميع يشبهون بعضهم بعضًا، لكنه عندما يسير بالشارع يشعر أنه مميز وهذا يكفيه، إلا أنه قد صرح في حوار سابق له قائلًا: إن كان هناك علاج لحالته يزيل به الشعر الزائد، فسيقبل عليه، مُضيفًا: «إن كان بإمكاني القيام بعملية جراحية لعلاج حالتي، سأفعلها غالبًا؛ لأثبت للأشخاص الذين يعانون من نفس الحالة، أنها عملية فعالة».