1 – توصيف :

" كما الاعمدة" ديوان شعر نشره سعيد عقل عام 1974 ، تخضرمت فيه القصائد بين مناسبات عامة وخاصة في الوطنيات  والبطولة  والتأبين والذكرى  لشخصيات مختلفة تاريخية : سياسية وادبية وتربوية ودينية واجتماعية رسمها  بريشة المودة والمحبة والتعظيم ، وان تخللتها بعض هذه القصائد أبيات في الحب والغزل. الى قصيدتين في المرأة الحبيبــة المثالية التي يحلم بهـا ( نهر الذهب ) والعروس الجميلــة ( اجمل الاعراس) . وقصيدتــان ذاتيتــان : ( الهنيهة ) و ( على شاطىء الذات ) ، ولم يتأخر عقل في ادراج القصيدة الملحمية في قصيدته ( فخر الدين الثاني) التي بلغت 95 بيتا" من الشعر والتي يصف بها بطولات هذا الامير في مواجهة الاتراك ، ثم تراجعه وسقوط  قلاعه واحدةً تلو الاخرى : لقد اصبح كسير السيف . انه الديوان الصرح الذي يتسع للجميع مدناً وابطالاً ، تأكيداً لعروبة ووطنية هذا الشاعر في تلك الفترة من حياته . 

وقد تظن الكثرة أن هذا الديوان انما هو اجتماع قصائد متعددة الاغراض هي على اهميتها لا ترقى الى مثيلاتها في دواوينه الاخرى،وهو ما ينفيه التجول  بين أعمدة الابداع الفارهة مبنى ومعنى . ذلك أن للديوان سمات ابداعية أخرى تجلت في قصائده الذاتية  متهادياً بين حضوره في الغزل الرفيع والنرجسية المعهودة التي عرف بها ، وبين اغترابه في موقفه الوجودي من العالم من حوله . وهي سمات الشاعر المبدع المبحر في تليين وتوليف تلاوين خلجات النفس وتماهي احوالها من الاقصى الى الاقصى .

2- البناء الايقاعي: 

فكما سعيد عقل كانت أعمدته . التي أصر فيها على الوزن العروضي في الشكل فاستعمل  الخفيف والرمل والبسيط والطويل والسريع والكامل والمتقارب  فإلى المديد ومجزوئه . مدركاً أن اتكاء ديوانه على  الشكل المقفى العروضي الواحد بين القصيدة  واختها لا يفسد في ود المعاني قضية ! وقد جاءت هذه الاوزان لتخدم رؤيته كشاعر متمكن ولَد ايقاعه الموسيقي داخلياً وخارجياً لكل قصيدة على حدة بالاستناد الى أساليب اللغة البلاغية ، بما يسهل على المتلقي تتبع تفاصيلها وفهم مغزاها . فالوزن العروضي في الشكل هو اساس الموسيقى الخارجيةللقصيدة ، وهو شكل لا سهولة فيه لمن اراد انتقاءه ليتناسب مع ما يريد قوله ، الى أن تأخذ القصيدة مجراها في التأثير والقبول لدى الذوق العام .  ان اهم البحور التي مال عقل اليها هي :  الطويل والبسيط  لاحتمالهما الفكرة الجادة الرصينة في النص الشعري وتأكيد الاتساع التعبيري الذي يؤمنه عدد التفعيلات في كل منهما الى حد كبير : انظر قصائده: " من شاعر " في ذكرى الاخطل الصغير( البسيط ) وقصيدته " كلامي على رب الكلام " في  احتفال عاشوراء في بعلبك (الطويل) وقصيدة " تكسرت الاسياف " في يوم امين تقي الدين ( الطويل) كذلــــك " ملك لك العصر" في خليل مطران ( البسيط) . كما احسن اختيار الخفيف التي يخدم النفس الثوري العالي النبرة في القصيدة ومنها : قصيدة فخر الدين الثاني ( الخفيف)  والرمل الذي هو من اسهل البحورواسرعها في النطق والحفظ  حيث كتب عليه قصائده في دمشق الشام :سائليني \ نسمت من صوب سوريا الجنوب \ شام يا ذا السيف \ مر بي \  قاصداً خدمة الايقاع التأثيري للدخول في ذاكرة المتلقي بما يسهل حفظه فلا ينسى .

أما الموسيقى الداخلية فهي الايقاع الفطري اي النغم الخفي المستور الذي يكرس علاقة الانفعال المحمودة والمطلوبة بين الشاعر وجمهوره : فنغم يثير الحزن وآخر يبعث الفرح وثالث يوقظ الحنان ورابع وخامس وهكذا في تنوع الجرس الموسيقي بين القصيدة والاخرى . وهي موسيقى لا تتأتى من عدم ، انما تتولد من شطارة احتيار الكلمات التي تنساب في تآلفها وتتسق في غناها الصوتي القائم على كل حرف فيها : فللسين همس :السهل حبيب – سائليني – نسمت -  سكرى - وللالف مد : حارت – ببالي – أمرا – تترى - وللجيم الصوت الجهوري : شجي – يجبه السيف -  وللدال الحكمة والتروي : واعداً وعدا – بددا – شذاً وندى – انغمدا -  وللراء العمق : سطرا – شعرا- السحرا -  وغيرها من الاحرف التي تلاءمت اسرارها مع صفاء مشاعر صاحب الديوان مما لا مجال هنا في ادراجه كله . 

الذي اريد ان اقوله ان سعيد عقل لم يصدر في اختيار ابحره العروضية عن عشوائية متفلتة انما عن مناقبية شعرية تنطلق من ملاءمة البحر العروضي للغرض او للتيمة المراد اطلاقها ايقاعاً فطرياً يتسلل الى كنه الذ1ات الانسانية للمتلقي عبر الكلمات والتراكيب التي طوعها هذا الشاعر في احايين عدة متلافياً تكرارها الخشبي كما هي خلال قرون خلت مع التمسك بأصالته كشاعر عربي .  

3 - اللغة الشعرية : تتوهج اللغة لدى سعيد عقل توهج السنا في كبد السماء المظلمة ، فهي عفوية  المنشأ في صناعته الشعر ، وملكة تجدد ذاتها بذاتها . فكلما اغترف منها زادت تفجراً وألقاً ، مانحةً اياه القدرة على ابراز جوانيته النفسية من جهة ، وبثها الى من حوله لغةً ثرى بالالفاظ والتراكيب من جهة اخرى .  

فهو وان التزم أوزان الخليل ، لقد تزعم المدرسة الجمالية في شعره  فمن فرح الى حزن الى نشيد وغناء ومن طفولة وطهر الى بطولة وكبرياء ،راصفاً في كل ذلك ألفاظه المنتقاة في انساق دلالية أعطت لكل ذي حق حقه من ألق الابداع السعقلي : فالمرأةفي مفرداته  هي قرينة الكرامة الانسانية التي ترتفع بها عن درك الاسفاف والابتذال الى الاحترام الملائكي : 

             ملاكه هي ، ان دسّت اناملها     بين الورود استحى لها وارفض (قصيدة اجمل الاعراس) 

كما انها الشقراء كالشعاع ، والتي يود لو يحبسها في قلبه، والتي تذكره بوالدته في عرسها يلف خصرها زند أبيه . 

هو حقل دلالي خاص بامرأة عفيفة ، مدللة ، سامية ، سمو تفكيره بالنساء ، ربما وفاءً لوالدته التي أحب وتأثر بها منذ صغره ، وهو الذي لم يعرف عنه عشقاً لامرأة بعينها . الى حقول دلالية اخرى في ديوانه 

 فالبطل هو الانسان المؤمن بوطنه ، المضحي والمخلص لأمته والعظيم في عنفوانه :

           اهلي ويغلون يغدو الموت لعبتهم        اذا تطلع صوب السفح عدوان ( لي صخرة)  

والصديق الوفي : 

           سيبقى لك النسج الذي انت ربه      وللشمس نسج كل ما دونه بال ( اللون الآخر \ في عمر فاخوري)

والمعلم :

          قرأت كتاب الكون سطرا محا سطرا    معلم عد فاكتبه أجمل ما يقرا ( المعلم )

والمدينة التي أحبها : دمشق ومكة . وان كانت حصة الاولى أكبر في ديوانه  فلقد مزج في لغته الجميلة بين حبيبته والشام . فقام  باسقاط مفهوم الحبيبة عشقاً وجمالاً على دمشق الشام في قصائده الاربعة في الديوان ( نسمت – سائليني – شام يا ذا السيف – مر بي ) لتصبح هذه الاخيرة هي الحبيبة التي غنتها فيروزبصوتها السماوي ، وليختلط علينا مشهد الحب فلا ندرك من هي الحبيبة الحقيقية ! 

انها حقول دلالية كثيفة الصور  اندرجت كشخصيات أثيرة في الديوان أبدعها في جمله الشعرية المنسابة في عفوية المقتدر الذي تمرس في أساليب البلاغة ناسجاً من معينها تراكيب مبدعة لطالما عرف بها عبر تجربته الشعرية الغنية ليصل الى قلب وعقل المتلقي بيسر وسلاسة . فكل عبارة لديه تطمح الى طلب المستغرب العجيب المحبّب من منحوتات الجذور اللغوية الاصيلة التي اتقنها دون غيره مما طبع شعره بخصوصية فنية في معجمه البلاغي : 

فمن الاستعارة : وجعت صفصافة -  ظمىء الشرق – تفتحت السماء جوداً

والتشابيه : الشمس لنا كرة – الارض وردة – المجد غلام – 

والكناية:   سماح الكف –صرت انا الندى -

والمجاز: ذكرهم وسام – الليل تعبان – الليل يشقى -

والطباق : القبل الى البعد / القول – الفعل / يشرّق – تغرّب .

والجناس: الغرد – الفرد ( جناس غير تام ) /  كالهند سر الهند /( جناس تام)

وتقديم النعت على المنعوت : الخرَد الفكر -

وغيرها من  اساليب البلاغة التي لا غنى للشاعر عنها في تقديم ابداعه الشعري للناس ، وهي وان كانت مهمةً صعبة الا انها مما تمرس فيه شاعرنا بتجربته الشعرية الدالة على عمق ثقافته اللغوية ونضجه الفكري معاً ، وهو ما بان في كثافة صوره الشعرية التي تعد ابرز وسيلة فنية لنقل تلك التجربة اعلاه . فلقد مرت الصورة لديه بانواع عديدة من التطور في الشكل والمفهوم : بطولة وحب ووفاء ونرجسية وغير ذلك من ما يساير مختلف الذواق لمختلف طبقات الجمهور. انها الصورة التي جسدت  وحدات متفرعة متعددة الاوجه في القصيدة معتمدةً البلاغة ومندرجاتها التي ذكرنا آنفاً للوصول الى الوحدة العضوية الكاملة المنشودة في النص الشعري العام.                 

4-عناصر الحداثة:

لقدعاصرسعيد عقل الشعراء الحداثويين وصادفهم في بعض سمات الحداثة الا انه لم يتحدث مثلهم بل لقد قاومهم شعرياً فتأثروا به ولم يتأثر بهم واعترفوا بذلك في غير مقام ومقال ، ولكن ذلك لا يمنع وجوب وضع أعمال في مكانها الصحيح كإبداعات شهدت تحولات القصيدة الشعرية نحو الحداثة وينظر اليها الجميع على انها من اروع الشعر العربي الحديث  ، بعيداً من المواقف السياسية والايديولوجية للشاعر، تماما" كما أنصف الغربيون شعراءهم ومبدعيهم في نتاجاتهم الادبية بعيداً من مواقفهم السياسية . ( انظر كتاب " شعرية سعيد عقل" للدكتورة هند اديب دار الفارابـــــــي عـــــــــــــــام 2010 – الصفحة 11). وهذا الديوان الذي بين ايدينا لم يكن بعيداً عن تلك الظاهرة الادبية وان ثابرالشاعر فيه على اعتماد الوزن العروضي الكلاسيكي في قصائده . يتأكد ذلك  بالتفاتةً منا موضوعية الى تلك القصائد في موضوعاتها التي شغلت المجتمع وقتذاك . 

# التجريد : في كل ما ابدع سعيد عقل كان هو الشاعر الرمزي الاول كما وصفه كثيرون ممن عاصروه غير أنه في هذا الديوان تجاوز الرمز الى التجريد الكامل الذي لا يكتفي بالرمز كإيحاء يعتمد الدال والمدلول وانما يعتمد على ذهنه وافكاره الخلاقة التي يستمدها من الفلسفة والاسطورة مستنداً الى اساليب البيان والبديع التي ذكرناها اعلاه وكل ذلك كي يتناول الكائنات  والاشياء والاحاسيس التي تؤلف الكون من حولنا والشواهد كثيرة لو عرضناها في ديوانه . فلا اروع من وصف يد الله بالخضراء في اشارة الى مدلول العطاء والكرم والخصب الدائم ( قصيدة المعلم ) وكلامك السيف : الكلام الذي يفصل ويقطع وينهي كل اختلاف ( في يوم عزيز اباظة ) الى غير ذلك من الشواهد التي تدعم هذا المفهوم الذي تبنته جمهرة معتبرة من شعراء الحداثة .

# النفي وغربة الذات  : تجلت في قصيدته ( على شاطىء الذات ) التي أظهرت غربة الشاعر وابتعاده عن الواقع المعاش بخرابه واهواله ومشاكله للوصول وحيداً الى تخوم الوجود العفوي البريء في مهده الاول . 

                    انا ثروة كالكآبــــــة عمقــــــاً وكالغيهــــــــب 

                   غني أحس الوجود معي غباراً على ملعبـــــــي

                      قـــل الفتــح غمســك في الذات كفّــــاً من الصّلّـب    

هي ذاتية تنتصر لعذاب النفس الى درجة الصلب الذي هو انفتاح منارة النور في الشاعر مقترباً بذلك من السيد المسيح في افتداء العالم بجسده .

أما قصيدته ( الهنيهة) فهي الغربة المطلقة التي لم تعد تقتنع بجدوى الوجود الصاخب المتقلب منذ ( القبل ) الى الابـــد ( البعد ) والذي نقطعه بعمر متهم في كل شيء : في الخير والشر ، في الطموح والسكون ، في الايمان والتجديف ، في الغنى والبؤس ، في كل تلك الثنائيات الضدية التي تسجننا على مر هذا العمر ما يجعله عمراً مريباً في كل حين وفي كل حال حتى النهايات: 

                  عالــم طــي نغـــم    يتحـــداه العـــــدم 

                  ضمّة القبـــل الـــى البعـــد بعمر متهـم 

                  واذا نحــن الــى الله شــراع في خضــم 

انه نفي الذات في ذلك القلق الانساني الذي لا ثابت فيه سوى انه الروح الآدمي الذي ينازع الوجود من حوله :خيراً وشراً ، سعادةً وبؤساً، علواً وانهياراً ريثما تدرك سفينته الضفة الاخرى الغامضة من الكون .

# استحضارالشخصيات من التراث العربي والانساني :  فالامام علي والامير فخر الدين وزينون الفيلسوف الفينيقي  وشيشرون وغيرها من الشخصيات التاريخية والاسطورية شكلت مادةً ثرةً لهذا المبدع لاعادة انتاج تجربة شعرية متجددة تعتمد  اسقاط مآثر واخلاق وبطولات هؤلاء على الواقع من حوله في محاولة لهزه وتطويره وانتشاله من جموده ما امكن ذلك وهو ما حاوله شعراء الحداثة  بصورة مختلفة في شكل القصيدة ليس إلا .  

# النرجسية: هي خاصية معهودة لدى سعيد عقل برزت في غير قصيدة في ديوانه  : 

          انا بعلبك لي ولي هند الملا          أغرودتا بال اذا الوتر اشتهى ( اغنية الحجر في نهرو)     

# الوحدة العضوية في قصائده : من وصف الابطال وامجادهم الى تأبين اصدقائه الى مديح المدن التي احبها ، في كل ذلك لم يخرج سعيد عقل عن التيمة الواحدة في نصه الشعري في كل قصيدة على حدة ، في ترتيب فكري صوري متكامل أدى الى نجاح الفكرة التي بنى رؤيته عليها دونما تشتت .

# المدينة : هي المكان الذي يتمتع بخصوصية لدى سعيد عقل تنبع من محبته لها وليس من صورتها التي تداولها شعراء الحداثة كرمز للضياع والقهر .انها الفضاء الابداعي للشاعرالذي وسمها بطابعه الخاص الذي يسقط حبه لامرأته على حبه لمدينته فلا تدري ايهما الحبيبة وايهما المدينة . انه التشابه بين عقل وشعراء الحداثة في الموضوع ولكنه اختلاف بينهما في الرؤيا .