منذ بدايات الوعي البشري في أبعاد عتمات الزمن القديم حتى اليوم، كانت فكرة "الحقيقة" (حقيقة الكون المرئيّ وغير المرئيّ، وحقيقة وجود الإنسان بكيانه الجسديّ والروحيّ) في مراحل تطوّرها ونموّها البطيئة (من حالات اللّاوعي والغريزة والجهل ولغة الأصوات والصرخات، إلى حالات نشوء اللغات والعقل والوعي والمعرفة)، مثارَ تساؤلات وتصوّرات وتعجّب ودهشة وخوف للإنسان، ومحوَرَ بحث عقلي وجدل واختلاف بين المفكّرين، حين بلغت الإنسانية مستوى مُعيّنا من النضوج. 

               إنه أمر معروف بأن لكل إنسان مزاج خاص مختلف عن مزاج إنسان آخر، ولكل شعب ثقافته وحضارته المميزَتَيْن. ومعروف أيضا عن المزاج الشخصيّ بأنه عرضة للتقلّب. حتى المفكرون أنفسهم الذين يبنون تفكيرهم على العقل، يختارون طريقة تفكير معينة، ومبادىء في الأخلاق والتربية والفلسفة والدين تعكس ما يُسَمَّى بروح زمانهم، يبنونها ويتبنَّونَها بحسب مزاجهم الشخصيّ، ومن ثمّ يحاولون عقلنة خياراتهم وتبريرها. لذلك تَقلَّبَ مفهومُ الحقيقة وتطوَّرَ باستمرار، من الأزمنة الغابرة حتى اليوم. غير أنه، ورغم هذا التنوع والتناقض في وجهات النظر، ثمة، في نظر العقل السليم، وجود حقائق ثابتة، تتخطى نسبيّة الزمان والمكان والأمزجة، في عالم الأخلاق والقيم والمثل العليا، مثلا، كالمحبة والإخلاص والصدق وروح الخدمة والتواضع والوداعة والشجاعة. 
 
               في علاقات الناس عامة، وتعاملهم اليوميّ في كل المجالات والحقول، في لبنان، يتمّ ذكر ولفظ كلمة "الحقيقة" بكثرة، في بداية الكلام ونهايته. وترى وتسمع الناس، يتّهمون بعضهم بعضا بالجهل، أو بقلة الصدق، أو بعدم قول الحقيقة دائما (في السياسة والإعلام بنوع خاص)، ويدّعي كل إنسان بأنه يملكها وحده. لذلك يشوب العلاقات والتعاطي بين أبناء الوطن الواحد الكثير من الباطنية والريبة والشك وسوء النية والحذر والتذاكي وعدم الإرتياح والتنافر.

               ولكنْ، ماذا نعني ب"الحقيقة"؟

               هناك مجموعة حقائق كثيرة يسعى الإنسان لاكتشافها ومعرفتها، عن نفسه، جسدا وروحا، وعن مجتمعه، وعن الكون الواسع من حوله، وعن عالم آخر بعد الموت يخافه ويتوق إليه، ولا يعرف شيئا عنه، إلا بالخيال، أو بالوحي، أو بالإيمان.

               إنّ اكتشاف الحقيقة، بحدّ ذاته، شيءٌ جميلٌ ومريح ومفرح. يفرح الفيلسوف والعالِم، مثلا، حين يكتشفان، بعقلهم وحدسهم، أفكارا وحقائقَ جديدةً عن ذات الإنسان والمجتمع والطبيعة والكون. ويفرح الروحانيّ والقدّيس والمتصوّف حين يحقّقون العشق الإلهي (أو المشاهدة لحقيقة النور الإلهي التي يعجزون عن وصفها) في نفوسهم، والمحبّة في تعاملهم مع الناس.
 
               إن العالِم الإغريقي "أرخميدوس"، حين لَمَعَتْ في رأسه، وهو يسبح في البحر، حقيقة قوة دفع المياه للأجسام (الطَّفْوُ) بعكس جاذبية الأرض، وبحسب كثافة ووزن وحجم كل جسم، أخذ يركض على رمل الشاطىء عاريا لشدّة فرحه، وهو يصرخ: وَجَدتُها!

               وكم فرِحَ العالم الإيطاليّ "غاليليو غاليلي" حين اكتشف حقيقةً عظيمة (تبدو لنا، اليوم، عادية جدا)، وهي أن الأرض تدور حول الشمس، وليس العكس بحسب المعتقد الذي كان سائدا في ذلك الوقت (القرون الوسطى) بين الناس ورجال الدين، في أوروبا.
 
               وكم كان يفرح "سقراط"، الفيلسوف الإغريقيّ، حين كان يتنقّل، بشكل مستمرّ، من اكتشاف للحقيقة الجميلة، بنظره، إلى اكتشاف آخر، حول طبيعة النفس البشرية وواقع جهل الإنسان لها، وإمكانية نموّها وحصولها على المعرفة والحكمة بممارسة التفكير العقلاني، المنطقي، وواقع ممارسة أخلاقها وفضائلها، والإيمان بخلودها، من خلال حواراته العلنيّة الرائعة مع الأثينيّين من كل الطبقات، وهو يطرح الأسئلة عليهم، ويستمع إليهم بصبر وتواضع، ويناقشهم، بحزم وجدية ودون مواربة، في مواضيع حول حياتهم الإجتماعية ونشاطاتهم. وقد دفع سقراط حياته ثمنا لحبّه للحقيقة وفرحه لاكتشافه لها، وصدقه وشجاعته في نشرها والتبشير بها، مُجبَرا على فضح جهل الآخرين لها دون احتقارهم، خاصة الناس النافذين في الحكم الذين لا يريدون أن يروا الحقيقة البشعة عن أنفسهم، حقيقة جهلهم للحقيقة، وحقيقة رفضهم الإعتراف بها، لشدة كبريائهم، كما وصفها سقراط.
 
               وكم فرح العالم الفرنسيّ "باستور"، ورجل الأعمال والمخترع الأميريكيّ "أديسون"، باكتشافاتهما الطبية والعلمية. وكم فرح ويفرح كل عالم يكتشف نجما جديدا، أو نباتا جديد، أو حيوانا جديدا، أو علاجا جديدا لمرض مستعصٍ، أو فوائدَ جديدة للأعشاب، أو وسائل إنتاج واتصال وتنقّل سريعة، فعّالة.

               وكم يفرح الشاعر والفنان والموسيقيّ حين يكتشفون مشاعرَ وأفكارا وصورا وألوانا وأنغاما وتعابيرَ جديدة تعكس جمال حقيقة الإنسان الوجودية والنفسية والإجتماعية والروحية والأخلاقية، وحقيقة قدراته الإبداعية غير المحدودة. 

               بالمختصر، وبكلام آخر، كم يفرح أي إنسان لدى أية عملية خلق وإبداع يمارسها، ولدى أي اكتشاف لحقيقة علمية، أو تاريخية، أو فنِّية، أو جمالية، أو تربويّة، أو روحية، أو إجتماعية، أو سياسية، أو لدى أي اختراع يبتكره في مجال كل المِهَن والأشغال اليدوية والألكترونية، والبناء والإقتصاد والعلوم والطبّ وسائر النشاطات الإنسانية، التي تسهّل حياة الإنسان، وتلقي الضوء على وجوده وحضوره في الزمان والمكان على هذه الأرض. إنها تعكس وتجسِّد حقيقةً ما، حقيقة جميلة ومفيدة لتنمية عقل الإنسان وروحه وإرادته وشخصيته، ولحماية جسده من الأمراض، ولتقدُّمِهِ الحضاريّ في كل المجالات، ومنحِهِ شيئا من الأمل والأمان والسعادة.

               يستطيع الناس، إلى حدّ بعيد، وبنِسَب كبيرة، أن يتفقوا، على سبيل المثال لا الحصر، حول جمال حقيقة الفنّ، أو الشِّعر، أو الأدب، أو الإكتشافات العلميّة. حقيقة جمال الطبيعة لا خلاف حولها. ولكن، أي انتقاد يمسّ شخصيّة الإنسان بأخلاقه، أو قدراته العقلية والنفسية، أو جسده، ولو كان صحيحا هذا الإنتقاد، يجعله غير جميل، وغير مقبول في نظر هذا الإنسان. كبرياء كل إنسان لا تسمح له أن يقبل بأن ينتقده أحد، وأن يعترف بصحة هذا الإنتقاد، وأن يبادر، بتواضع، إلى إصلاح نفسه. قول الحقيقة عن بشاعة أخلاق الآخر وسلوكه، وانتقاده، بغية إصلاحه، جميل فقط في عين المنتقِد. هنا، تبرز أمامنا مشكلة النسبية التي هي نتاج طبيعيّ جدا وانعكاس لحقيقة واقع إنسانيّ موروث، لا يمكن تغييره، وعلينا بالقبول به ومعالجته بحكمة، ألا وهو تنوّع وتناقض أمزجة الناس ومصالحهم وأذواقهم، وفروقات راسخة في مستويات قدرة الإرادة والفهم والوعي بينهم، وفي طبيعة ردات الفعل المختلفة والمواقف المُتَّخَذَة تماهيا مع أو نفورا من ظروف الحياة وواقع الناس.

               ما يهمّنا ويشغل بالنا، في الحقيقة، هو الواقع السياسيّ والإجتماعيّ الذي نعيشه في لبنان. ما حقيقته؟

               هل هي حقيقة جميلة ومفرحة، أم حقيقة بشعة ومحزنة؟

               من يملكها؟

               نودّ، بالطبع، أن نحصر تركيزنا على شؤوننا في الواقع اللبنانيّ، واقع وطننا لبنان الذي نحبّ، بشعبه وأرضه. وإذا كان عندنا مشاغل ومشاكل كثيرة نتيجة حقيقة التنوع والإختلاف في المذاهب والأديان والأعراق والألوان والقوميات والأمزجة والطبقية الإجتماعية، فنحن، حين نقرّ بوجود هذا الواقع ونقائصه وعيوبه، لا يسعنا إلا أن نحاول، بدافع الغَيرَة والمحبّة، وصفه كما هو على حقيقته، ووصف الحلول الضرورية، والعمليّة، والممكنة له. علينا، نحن أنفسنا، لا الآخرين من حكومات الوصاية الكثيرة، المُؤهَّل بها وبنصائحها دائما، وبحرارة لا تفتر، في لبنان، من قبل زعماء الطوائف ورجال الأعمال والمال والمصارف والدِّين والإعلام، أن نشخّص الداء بدقة، وبكل تواضع وصدق، وأن نصف الدواء لدائنا، وأن نقبل به ونتابع العلاج، دون خداع أنفسنا، من أجل شفائنا التام من الداء.

               هنا، في نظرنا، يكمن جمال الحقيقة، لا جمال حقيقة واقعنا البشع، بل جمال قول الحقيقة. الحقيقة المرّة في واقعنا التعيس المُزري، حين نُعلنها دون خوف، أو قرف، أو غضب، أو تجنّ على أحد، نشعر بارتياح كبير يصل إلى حدّ الفرح. ويزيد فرحنا حين نحاول وصف العلاج اللازم الصحيح للداء الخبيث المزمن في مجتمعنا. ويزيد فرحنا أكثر فأكثر حين نلقى آذانا صاغية لما نقول، وحين يبادر المسؤولون عن إدارة شؤون الشعب إلى عمل ما تمليه عليهم روح الواجب، من أجل تخليص الشعب من كل المصائب والمشاكل والأزمات والآفات التي صنعوها له، والتي صنعها هو بالذات لنفسه بولائه الدائم لهم.

               إن النقد الصحيح، البنّاء، النادر في لبنان، والذي يُريح ضمير الناقد ويفرحه، لا يروق أبدا للمسؤولين في الحكم، مهما كان النقد صادقا وموضوعيا ومهذّبا، لأنه يعرّيهم من زيفهم، ويلصق بهم تُهَمَ التقصير في مجال خدمة مصالح الشعب، وتُهَمَ الكذب والخداع والمراوغة، وسرقة المال العام، واستغلال مراكزهم في الحكم للإثراء غير المشروع عبر الصفقات المشبوهة والعمولات، ومخالفة القوانين، إلخ... ونادرا جدا ما يحرّك النقد البنّاء ضميرهم وعقولهم وإراداتهم لتصحيح أخطائهم وأطباعهم وسلوكهم. وبعض أهل الحكم يتظاهرون بأنهم يتجاهلون النقد والناقد، أو يردّون على الناقد الصادق الشجاع بإنكار التُّهَم ببلاغة فائقة، وبراءة ملائكية، وبإعلان الحقيقة حسب ما يرونها هم، ولكنهم أحيانا، يَكِلون سرّا إلى أزلامهم خارج الحكم أو داخله، أمر الإنتقام، بشتى الوسائل، ممّن ينتقدونهم بشدة وباستمرار، بالتهديد، أو بالضرب، أو بالإخفاء، أو في أحسن الإحتمالات، بجرّهم إلى المحاكمة، وتخويفهم بالسجن، أو سجنهم. ويبقى الزعيم زعيما إلى الأبد كما هو، لا يحبّ الحقيقة حين تُقال عنه، ولا يراها جميلة أبدا، بل غير صحيحة وغير لائقة به ومهينة لمقامه، ولا يفرح بها بل يغضب منها وعلى قائلها، ولا يعترف بها، ولا تهزّه، ولا يستحي من شيء، ولا يخاف من شيء، ويظلّ يكذب، دون أن يرفّ له جفن، على الشعب، ويظلّ يقصّر، دون أي وخز ضمير، في واجباته تجاه الشعب، ويبقى أتباع الزعيم أتباعا له إلى الأبد، مُعجَبين بذكائه، وبقوة شخصيته، وبحبّه لطائفته، الوطن الحقيقي لأبناء الطائفة. ويبقى الواقع الإنساني السيّء، المأساويّ، في وطننا الحزين، على حاله، لا بل يزداد من سيّء إلى أسوأ. في هذا الجوّ المضحك (ولكن غير المسلّي) والمبكي والمقرف في آن معا، يبقى سرُّ معنى جمال الحقيقة في قلب الناقد المفكّر الصادق الشعور، ويُدفَن معه.

               في الحقيقة، إن الإعلاميين، في وطننا لبنان، يُعانون من مشكلة قول الحقيقة في جوّ الرشوة والتخويف والتهديد والإنتقام. هم، بمعظمهم، يفرحون بالمال الكثير (كأي سياسيّ) مكافأةً لكذبهم ولتزوير الحقائق. يمدحون الحكام الطغاة، ويدافعون عن سياساتهم الظالمة، ويبرّرونهم في كل ما يعملون ويقرّرون. وهم يبنون إتصالات خاصة مع مراكز القوة والقرار والمال في حكومات دول الخارج، ليقدِّموا لها خدماتهم. هذا هو فرحهم الحقيقيّ بجمال حقيقة خيارهم: تسخير الحقيقة في سبيل كسب المال والشهرة والحماية. ولا ضرر، إن ذكرنا هنا، أن بعض الإعلاميين الصادقين، قد اغتيلوا، لأنهم نطقوا بالحق، وأزعجوا بعض مراكز القوى المحلّية والإقليمية. 
  
               إن معظم الناس والنُّخَب في وطننا لبنان، في كل الميادين والحقول والمجالات والطبقات، لا تحبّ الحقيقة، ولا تريد أن ترى جمال الحقيقة، او أن تسمع به، أو أن تعترف به. الكذب هو الغالب في علاقات الناس، والكبرياء والتعالي، وادّعاء المعرفة والكمال، وحبّ المال والقوة، بشكل غير طبيعيّ. وأصبحت الحقيقة في نظر بعض اللبنانيين، باطلا في نظر بعضهم الآخر. بالإضافة إلى تأثير الأمزجة المتناقضة على القرارات والخيارات، فإنه تبقى، في الحقيقة، للمال، ذلك الإله القويّ الساحر، الكلمة الفصل الأخيرة في هذا الجوّ الفاسد نفسيا وأخلاقيا وروحيا، في العالم أجمع، وفي لبنان بنوع خاص، هذا الوطن الصغير الذي تحوّلَ، برضى وتشجيع وتواطؤ بعض زعماء الطوائف الأبديّين، الأغنياء كثيرا، والسعداء كثيرا، والمحبوبين كثيرا وعلى الدوام من أبناء طوائفهم، إلى مكبّ لنفايات الإرهابيين وزارعي الفتن، تسمّم وتشوّه وتقتل روحه وجسمه وأمنه وسلامه وجمال رسالته الإنسانية الحقيقية، رسالة المحبة والسلام.

               هل من علاج لحقيقة مرض مزمن، بَشِع، مستعصٍ، في لبنان، مرض الزعيم المطلق، ومرض الزعامة-الوَثَن، ومرض الأزلام والأتباع العابدين الساجدين للأوثان، ومرض الكبرياء والغرور وعمى البصيرة، ومرض رفض الإعتراف بوجود حقيقة مؤذية، مُضِرّة، قاتلة، في النفوس الضالة المتلذِّذة بضلالها، هي حقيقة تبَعِيَّةٍ مُذِلَّة وعبودية خانقة في جوّ عائليّ، مذهبيّ، طائفيّ، عنصريّ، موبوء، طاغ، مستبِدّ، ومؤنس في الوقت عينه؟ 

               هل من دواء ناجع، شاف؟ هل يقبل المريض بالإقرار بمرضه، أولا، ثم بالعلاج والدواء، أم أنّ المريض لا يرى نفسه مريضا؟ هل من سبيل إلى إقناع المريض بأنه بالفعل مريض، ويحتاج إلى معالجة وشفاء، دون أن يقطع المريضُ رأسَ الطبيب المُداوي؟

               ثمة دواء لعلّة اللبنانيين غير خاف على أحد، يعرفه جيدا، ويتكلم عنه بكثرة وبطلاقة، كل يوم، الشعب والزعماء والإعلاميون والنقابيون ورجال الدين والفكر والأعمال والمال، وكل النُّخَب. الدواء هو الوحدة الوطنية. الدواء أيضا هو المحبة بين اللبنانيين. ويظل الجميع، وقد تحوّلوا إلى أطباء نفس وروح، يردّدون الكلام عينه عن الدواء، ولكن، لا أحد يفعل شيئا من أجل مداواة وتطبيب نفسه أولا، لينتقل، بعد شفائه هو، إلى الإهتمام بشفاء الآخرين.

               إذًا، بعد أن يتمّ وصف دواء المحبة والوحدة الوطنية لعلّة اللبنانيين، ماذا يحصل؟ 

               لا شيء. ويكتفي الأطباء الكثر من رجال السياسة بنوع خاص، بمتابعة ترداد الوصفة عينها كل يوم، ويشعرون بالإرتياح والفرح لمجرد إعلانهم وتشخيصهم لحقيقة العلّة ووصفهم للدواء السحريّ الشافي، وكأن الشفاء قد حصل فعلا، وكأنّهم، أي الزعماء-الأطباء، لا يريدون الشفاء الكامل والدائم لجسم وروح الوطن المريض، بل التخدير الدائم لهذا الوطن، لأنهم يعتاشون ويتغذّون ويستمرون، هم وعائلاتهم وأقرباؤهم وأزلامهم، في مشروع بناء ثرواتهم وزعاماتهم، في جوّ الفرقة والإنقسام. أمّا العلل فهي تتزايد، ومسألة تعافي الوطن وشفائه تزداد، كل يوم، صعوبة لا بل استحالة. 

               حين تحصل الوحدة الوطنية بين اللبنانيين، وحين تعمّ وتغمر وتسكن المحبة كل القلوب، وحين يتخلّى كل المتكبّرين من الزعماء ومن الشعب ومن النّخَب، عن كبريائهم السخيفة وأنانيتهم التافهة، حينئذ فقط، يُشفى الوطن اللبنانيّ من أمراضه المزمنة. إذا حصلت كل هذه المعجزات، يهون كل شيء، وتنحلّ كلّ العقد الناتجة عن نفسيّات مريضة، وينعم الوطن بشيء من طعم سلام لم يذقه أبدا في تاريخه القديم والحديث، ويكون فرح عظيم على الأرض وفي السماء. هذا واقع مثاليّ يحلم به المخلصون، والصادقون، والمساكين بالروح، ومحبو السلام وفاعلوه، ويسعون إلى تحقيقه. إنه حلم مفرح ولو لامس دنيا المستحيل والوهم. إنها حقيقة جميلة مفرحة، حقيقة الأمل الذي لا يموت. 
 
               أجل، إنه حلم جميل إذا تحقّق في ليل وطننا المسكون بالكوابيس والخوف والرعب. إنه سرابٌ رائع إذا تحوّل إلى حقيقة في صحراء الوطن القاحلة، المتوحّشة والموحشة. سوف يكون عرسٌ في لبنان، عرسُ الوحدة الوطنية والمحبة. حينئذ، حين يتحقق الحلم والسراب ويصبحان حقيقة جميلة تضمحلّ لا بل تزول روح الكبرياء والطمع والكيدية، والمشاكلُ والعقدُ الدائمة الناتجة عن هذه الروح:

               -في انتخاب رئيس للجمهورية، مثلا، وملء "الشغور الرئاسيّ"، وفي تأليف الحكومة، وفي خلق فراغات حكم مستمرة، بوجود أو بغياب الساسة، 

               -وفي ابتكار قانون إنتخابيّ يؤمّن التمثيل الصحيح للشعب لا يحدّ من حريته في الإختيار ويدفع معظمه دفعا إلى المقاطعة أو إلى تقديم أوراق بيضاء،

               -وفي تحويل نظام الحكم الطائفي الديمقراطيّ المصطنع إلى نظامٍ علمانيٍّ خالٍ من فساد الطائفية واستغلال الساسة الفاسدين لها، وتقاتلهم المريض على الحصص لا على خدمة الشعب، وإفتخارهم السخيف بالأوزان والأحجام والحيثيات الشعبية للإستقواء على بعضهم البعض، وتبادلهم الشتائم والسخرية والتهكم وقصائد الهجاء والتحدّيات والتهديدات، وجرّ أزلامهم إلى الإقتتال،

               -وفي محاربة الفساد الإداريّ والحكوميّ بشكل كامل، بدءًا ب"الكبار"، لا بشكل مزاجي وإنتقائي وإستنسابي وتجريبي، وفضح ووقف هدر مال الشعب وسرقته على يد المؤتَمَنين عليه، من خلال الإستدانة المتتالية، الكارثية فقط على الشعب لا على الساسة وحلفاء المال المعروفين، ومن خلال الإيجارات الهائلة، غير الضرورية، لمباني حكومية، ومن خلال تكاليف السفرات والمعاشات والتعويضات و"المخصصات" الخيالية لساسة الحكم والسفراء ومستشاري الوزراء، والتبرّعات السخية لمجالس إنمائية وإعمارية وجمعيات دينية وخيرية ووهمية، وفي تحرير القضاء وحمايته من فساد أباطرة السياسة والمال والأعمال، ومحاكمة هؤلاء الأباطرة الفاسدين قبل محاكمة بعض القضاة المتهمين بالفساد، وقبل محاكمة سارقي الرغيف،
 
               -وفي حفظ الأمن والنظام، وخلق دولة المؤسسات والقانون، دولة توحي بالثقة للشعب وتحمي الضعفاء، وتفرض هيبة واحترام القانون على الساسة قبل الشعب،

               -وفي تسليح الجيش تسليحا كاملا بالفعل، لا بالكلام المخادع، وتسليحه بإرادة وتمويل الشعب اللبناني وخاصة الأغنياء، لا حكومات الخارج، وفي حماية لبنان من كل أعدائه الإرهابيين، من حكومات مخطِّطة معروفة ومرتزقة منفِّذَة،

               -وفي احترام وتأييد ودعم المقاومة التي وُلِدَت وبَنَتْ نفسها بشكل سرّي فاجأ العدوّ والصديق، في غياب تام للدولة على الحدود مع الكيان العنصري، وقامت بواجبها خير قيام، وبالتنسيق مع الجيش، في حماية الوطن بأسره لا سكان الحدود فقط، ولجم غرور العدوّ، وإنزال الهزائم به، وإجباره على وقف جنون عربداته ضدّ اللبنانيين، شعبا وساسة وجيشا،

               -وفي التخلص النهائيّ من النفايات ومنع صفقات الإتجار بها وبصحة الشعب وحياته،
 
               -وفي زيادة الأجور لا تخفيضها، وتخفيض غلاء المعيشة بلجم طمع التجار وأصحاب المصارف، وخفض الضرائب، ومحاربة البطالة بخلق فرص عمل للشباب وعدم دفعهم إلى الهجرة أو حياة الذلّ أو الإنتحار، 

               -وفي تأمين الضمانات الصحية الكاملة لكل الأعمار، خاصة للمُسِنّين،
 
               -وفي منع تجارة المخدِّرات وتعاطيها وحماية صحة وأخلاق وتربية شباب لبنان،
 
               -وفي تشجيع الزراعة والصناعة وحماية الإنتاج من المضاربة الأجنبية ومن الكساد، وتأمين تصريفه، 

               -وفي حماية البيئة ومحاكمة مشوّهيها في الحكم وخارجه، وتأمين المياه والكهرباء،

               -وفي إحياء مواسم السياحة الميتة.

               بالمختصر المفيد: غاية المداواة إنما هي رؤية الشعب اللبناني مزدهرا، مرتاحا، سعيدا، غير خائف من شيء أو من أحد على يومه وغده ووجوده ومصيره.

               أجل، ليس بالأمر السهل والمُستَحَبّ أن يُغيّر الناس ما بأنفسهم، في لبنان. هذه حقيقة مُرّة، غير جميلة في عين الإنسان الوفيّ، المخلص، وطالب الكمال الروحيّ والفكريّ والأخلاقيّ لنفسه، وللآخرين. ولكنها حقيقة لا تشكّل أية مشكلة، وأي إحراج للذين يرضون كل الرضى بأنفسهم كما هم، لا يَشْكُونَ من أي نقص فيها، ولا يشعرون بالحاجة لإجراء أي تغيير فيها، ولا يتقبّلون أي إنتقاد أو نصيحة أو دعوة أو نداء من أحد، من أجل تغييرها. 

               ما العمل إذا؟ 

               هل نقطع الأمل نهائيا من وضع نحلم به فقط، ويُعتَبَرُ ميؤوسا منه، فيهتمّ كل إنسان بنفسه، وليذهب الآخرون إلى الجحيم؟ طبعا لا.

               "من أُعْطِيَ الكثير يُطلَبُ منه الكثير"، كما قال السيد المسيح. لقد أُعطِيَت النُّخَبُ على أنواعها في كل الميادين، الكثيرَ من العلم والثقافة والحكمة والفهم والوعي والأخلاق والسلطة والمال وقوة الإرادة. مطلوب منها أن تخرج من عزلتها، وتتّحِد، وتحمل على عاتقها مسؤولية تغيير الواقع الإنسانيّ في لبنان نحو الأفضل. مطلوب منها أن تقود حملة توعية للشعب بكل الوسائل المتاحة في الإعلام، دون توقّف أو تعب أو قرف. مطلوب منها أن تتواضع وتعترف بوجود وقدرات بعضها البعض. مطلوب منها أن ترحم أبناء الشعب الأقلّ حظّا منها في الحياة، والأقل وعيا وعلما ومواهبَ ونِعَمًا وقدرات، وتفعل المستحيل من أجل الدفاع عن حقوقهم بكاملها، كما نصَّتْ عليها "شرعة حقوق الإنسان"، وتذكيرهم بواجباتهم الوطنية من ناحية حسن المعاملة لبعضهم البعض كمواطنين، ومن ناحية مراقبة ومحاسبة وتصحيح أداء زعمائهم.

               تكمن مشكلة التوعية الصعبة على النُّخَب، في محاولة توعية الذين يتعاطون مهنة السياسة. التعامل مع الكبرياء أمر شبه مستحيل. هذه حقيقة لا تقبل الشكّ. إن محاولة التجرّؤ على تعليم وحثّ الساسة على التواضع أمر يضحكهم، ويغيظهم أيضا، كونه، بنظرهم غير ضروريّ، ويشكل إهانة لمقامهم الرفيع ولكبريائهم. الكبرياء، بنظرهم، شيء جيّد، وليست عيبا. إنها تعني كرامة واحترام الذات، وعنفوانا شخصيا وعائليا وطائفيا وقوميّا وتاريخيا مقدّسا، لا يُمَسُّ. وهي حاجة ضرورية أبدية من أجل تثبيت عرش زعامتهم، وبقائهم أقوياء وذوي هيبة إلى الأبد، تجاه مؤيديهم وعابدي أصنامهم، وتجاه منافسيهم. لا الكلام الحسن يؤثِّر فيهم، ولا النقاش المحبّ، البنّاء، ولا حتى المثال الصالح. هم، في عنادهم وفي عَمَى كبريائهم، دائما على حقّ، وهذه حقيقة، بنظرهم، مريحة لغرورهم ورائعة الجمال، وهم غير مستعدين أبدا للتخلّي عنها.

               تجاه هذا الواقع، من السهل على أي إنسان أن يُصابَ بالإحباط، وأن يفقد الأمل بإصلاح من هم بحاجة ماسة إلى إصلاح، خاصة المتكبرين. إنّ أمر تحسين الواقع البشع الذي يسببه دائما تفكير وأداء وسلوك الساسة وحلفائهم من كل الطبقات، متعلِّق بالنُّخَب. هل تقبل النُّخَب بلعب هذا الدور الرائد، القياديّ، وتتجرّأ وتقدم عليه؟ هل تتوحّد؟ هل تباشر العمل معا لهذه الغاية؟ إنه أمل جميل جدا أن تعيَ النخب دورَها الرسوليّ وتقبل بالقيام به. ويزيد هذا الأمل تألّقا وجمالا، حين تبدأ فعلا بمهمّة التنفيذ، وحين تبدأ بتحقيق النجاح في مهمتها.

               إنه صراع مرير، في لبنان، بين واقعَين. من جهة، ثمة واقع بشع، لا يمكن لأحد إنكاره، هو واقع الشعب التعيس الذي لا يتغيّر، وواقع آخر بشع، متصل به، وهو واقع حكّام غير أوفياء وغير مخلصين وغير صادقين، حكّام مستبدّين، متكبرين، مستلشقين. إنه واقع لا يتغيّر أيضا. ومن جهة أخرى، ثمّة واقع جميل، واقع الأمل الحقيقيّ، الحيّ، بإمكانية إصلاح هذا الواقع التعيس، على يد النُّخَب الجيدة، إن هي توحّدَتْ وأرادت ذلك، وتحلّتْ بالصبر والتواضع والشجاعة والحكمة. إنه صراع بين حقيقة الواقع التعيس، المستحكِم، المتجدِّد إلى ما لا نهاية، وبين حقيقة واقع الأمل المتوقِّد حينا، والخامد حينا آخر. 

               إن هذا الأمل، في خموده وتوقّده، لم يَمُت بعد، ولن يموتَ في قلوب النُّخَب الجيدة، المتألمة، الساهرة، في الحكم (وهي نخب قليلة جدا)، وخارج الحكم (وهي نخب كثيرة ولكنْ مبعثرة). إن هذا الأمل هو الحقيقة الوحيدة الجميلة المتبقية لكل أمين ومخلص ووَفيّ لوطن الجمال والرسالة، لبنان، في زمن بشاعة الكذب والدجل والباطنيّة والباطل والأخلاق السيّئة والنوايا الشريرة والمآسي، وهو مصدر الفرح الوحيد للبسطاء والمساكين بالروح، ولأنقياء القلوب وفاعلي السلامة والرحماء، في عالم لا يفرز إلا الكفر بالقيم الروحية والأخلاقية، والغضب والخبث والحقد والحروب والأمراض والدمار والموت وخيبات الأمل والحزن.

               على هذا الأمل الجميل، نختم، ونحن نستشرف فسحات آفاق مشرقة: 

               ليت النُّخَب الصالحة التي تملك عينا بسيطة، ثاقبة، وترى الحقيقة كما هي، ليتها تتَّحِدُ قلبا وفكرا وإرادة، وتتحرّك دون إحباط، ودون قرَف، ودون توقّف، لتخلق الصحّة والعافية والروح والأمل والفرح في جسم الوطن اللبنانيّ المنازع. 

               ليت النُّخَب الصالحة تتحرّك، وهي الخميرة الجيدة، لتخمّر كل عجين الوطن اللبنانيّ، خاصة الأطفال والشباب، تخميرا صحيحا، كاملا، مباركا، وتحميه من نخر دود الفساد. 

               ليت النُّخَب الصالحة تتحرك لتوحِّد الشعب اللبنانيّ حول حقيقة رسالته الإنسانية السامية، الجميلة، وحول حقيقة الثورة على نفسه وعلى زعمائه وحكامه الفاسدين، وتحقيق خلاصه من كل الشرور، بقوة إرادته وروحه وإيمانه بالخير.

               ليت النُّخَب الصالحة تتحرّك وتجتهد لتحقِّقَ، في جولات متلاحقة، إنتصار الصدق على الكذب، والحقّ على الباطل، والخير على الشرّ، والنور على الظلمة، والجمال على البشاعة.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه