تزوجت " كريمة " شاكراً السيّاب عام 1925 وهي احدى بنات  عمه . ارتبطت به في ربيع العمر وأنجبت له بدراً عام 1926 الى أن توفاها الباري عام 1932 وهي أيضاً ما تزال في قمة شبابها وذروة عطائها الأمومي لأمثال بدر الطفل الصغير ، اذ لم تكن قد تجاوزت الخامسة والعشرين من سنيها المتألقات ، فطاولَ الحزنُ بدراً واختزل فيه مسافةً كبيرةً من رضاه وارتياحه في ظل الام التي رحلت ، وازاء وجودها الذي كان يملؤه بالهناءة كأيِّ طفلٍ من أترابه الهائجين المائجين في منزل جده ووالده من بعده في " بقيع "  - وهي حارة من جيكور – والذين بدأ بالابتعاد عنهم للتفاوت الحاصل في خصوصية النشأة واختلافها بينهم والتي بدأت تطغى عليه ، إذ أصبح فقيد أمه على عكسهم ، فانطوى وآثر اللّوذ بجدته بعد مصابه المعتمل فيه قلباً وعقلاً بفقدانها ، محوّلاً حياته الى مسلك مختلف ومخالف لطبيعة الدنيا من حوله التي يعيشها بقية رفاقه ، ولم يكن هو ولصغره قد نطق بالشعر ليرثيها بما يعادل حزنه ، بَيدَ أن صورتها التي عاشت معه دائماً فيما بعد  برزت وبقوة عندما استشعر في قصائد عديدة ، أطّرت خاصّية التواصل القائم بينه وبين تلك الأم في أروع وشائجها الحميمة التي ربطته بها ، فعبّر بمرارة بالغة عن حقيقة فقدها ومدى ما أثّر فيه ذلك الفقد وعن الضرورة المُلحة في تركيبته وكيانه للعيش مع أمٍّ رحيمة أصبح يضمها الآن ثرى " جيكور " الطاهر ، والتي تمَرحَلَ حنينه اليها يوماً بعد يوم واقعاً وشِعراً كلما تردَّد الى قريته لائذاً او مشتاقاً ، في تصرف طبيعي لمن فاتته نعمى الحياة بين جناحي أمه . لنسمعه يقول : 

هي روح أمي هزّها الحب العميق 

حب الأمومة فهي تبكي 

آه يا ولدي البعيد عن الديار 

ويلاه ... كيف تعود وحدك ، لا دليل ولا رفيق ؟!

أمّاهُ ... ليتكِ لم تغيبي خلف سور من حجار

لا باب فيه لكي أدُقّ ولا نوافذ في الجدار 

كيف انطلقتِ على طريقٍ لا يعودُ السائرون

من ظلمة صفراء فيه كأنما غسق البحار ؟ 

أمّاهُ ليتك ترجعين 

... أين أنتِ ؟ أتسمعين ؟ ....

إنه الابن الوحيد في دربه ، تخاطبه أمه وتحمل بِلُغَتِها النبيلة ثقْل جزعها عليه ومقدار تعلُّقها به . هو الولد المجرّد من مطلق رفيق أو دليل يعينه ،  وهو الغريب في معاناته بين المحيطِين به ، غربةً قاسية ، والمحترق لابتعادها – أمُّه – وغيابها خلف القبْر ، وهو المشتاق لكل ما من شأنه أن يؤوب بها ولو طيفاً من ظلمته الغاشمة وحجارته الخرساء التي تنزع عن اعطاء الأمل او مجرّد اذّكار لها. إنه يرِثُ حسرةً ولوعةً متلازمتين جرّاء موتها الذي أفقده أيضاً جدَّته الأثيرة لديه عقب ذلك ، فكان حاضراً دائماً في قوافيه ومتن أبياته المحفورة سوداويةً بارزة ، ارتبطت بشعره لاحقاً بمراحله المختلفة . هذا الإرث من اليُتْم هو تَرِكَةُ القَدَر التي أثقلتْ شاعرنا منذ صغره بشجون وشؤون الانفصال العائلي نفسياً وعضوياً في كل حدثٍ أو أمرٍ كريه تعرضُ له لاحقاً ، الى اواخر أيامه  - مريضاً بائساً - التي لم يضعف فيها حبُّهُ لتلك الأم فجاءت قريحته ملتفعةً بنيران فقدها وبقوة الخواء العاطفي الأمومي الذي أضاعه قسْراً : 

نسيمُ الليلِ كالآهاتِ من جيكور يأتيني 

فيُبْكِينـــــــــــــــــي 

بما نفثتهُ أمّي فيه منْ وجْدٍ وأشواقِ

هُوَ المرضُ تفكّكَ منه جسمي وانحنتْ ساقي 

فما أمشي ولم أهجرْكِ إني أعشقُ الموتا

لأنكِ بعضٌ منه .....

أمَا حملتْ اليكِ الريحُ عبرَ سكينةِ الليل 

بكاء حفيدتيك من الطوى وحفيدك الجوعان ؟ ! 

أفي الوطن الذي آواكِ جوع ؟!

هناك لكل ميّت منزلٌ بالصمتِ مستور

ولكنَّا هنا عصَفتْ بنا الاقدار من ظل الى ظلِ

ومن شمس الى شمس يغيب النُّور .

إنها معاناته التي كبرت معه حرماناً  ينسحبُ على نواحي حياته القصيرة التي تدثّرَ بها بشدة تعلقه بتلك الوالدة وبحنينه الدائم الجارف اليها ، لتبقى قصائده – سيما اواخر أيامه ومحنته المرضية – تعبيراً صادقاً عما تركت ذكراها في شخصيته من صفات ليس أقلها الوفاء لصورتها الوضيئة في عميق وجدانه وخضم مشاعره كما في حواره هذا بين الأم وابنتها : 

... ويا مصباح قلبي ، يا عزائي في المُلِمَّات 

منى روحي : ابنتي ... عودي إليّ فها هو الزاد 

وهذا الماء ... جوعى ؟ هاكِ من لحمي طعاماً

آه عطشى أنت يا أمي ؟ 

فعُبِّي من دمي ماءً وعودي .... كلهم عادوا ...

كلُّ الامهات لدى السيّاب " كريمة " وكلُّ الابناء " بدر " ، لكنه لا يخرج من دائرة الحرمان المتواصل من مُطْلقِ اعتمالٍ عاطفي تجاهه في صدر فتاةٍ ما حبيبةً كانت او صديقة ، اللَّهُمَّ ما أسبغَهُ عليه زواجُهُ من حنانٍ ومودةٍ مما سيدور البحث عليه لاحقاً .

وما كان على "بدر" بعد رحيل أمه وهو ابن السادسة الا أن يتجه لائذاً وبعفوية صادقة الى حضن جدته لأبيه " أمينة" فكانت الأم البديلة والمَعِين الدافق بالحنان الذي تمناه في جملة أيامه إلى حد ما . واذ تعوجُ عليه غيرُ مشكلة ، ويعبُرُ دهرَهُ بمحطاتٍ هامة فإنه يكتفي بعاطفة جدته تلك : من دراسته في " باب سليمان " المجاورة لقريته ثمَّ في " أبي الخصيب " وحتى اتمامه مرحلة تعليمه الثانوي في " البصرة " حين توفّت تلك الجدَّة ، وما كان تخلّلَ كل ذلك من زواجِ والده بأُخرى أرادها أن تكون أمّاً جديدة لولده ولكنها فشِلتْ في تلك المهمة مع شاعرنا الذي لم يكن يذهب الى بيت أبيه الا لِماماً بسبب امرأته الجديدة . عام 1942 دهَتْه الدنيا بوفاة جدته التي رحلت وتركته منفرداً ، متوحداً ، مستوحشاً " فحُرِمْتُ بذلك آخرَ قلب يخفقُ بحبي ويحنو عليّ ... أنا أشقى من ضمّتِ الأرض " فرثاها على عظيم حزنه المتفجر ، معبراً عن اهتزاز كيانه لهذا المسلسل المتتابع في اختفاء ذويه : أمه ماتت ، وأبوه رحل مع احداهن ، وجدته الآن تموت مع بدء ابتداعه الشعر وقتذاك ! فكان لِوَعيِه الشعري أنْ يبدأَ بالتشكل متزامناً مع تلك السلسلة الدرامية من علاقته بالمرأة ، كما أرادت ذلك مشيئة السماء . يرثي جدته :

.... وهيَ كلُّ ما خلَّفَ الدهرُ       منَ الحبِّ والمنى والظنونِ

ورجاءً بدا فألهمني الصَّفْوَ          وخفَّتْ أنوارُهُ لحنيني 

جدتي منْ أَبُثُّ بعدكِ شكوايَ        طواني الأسى وقلَّ معيني

أنتِ يا من فتحْتِ قلبكِ بالأمسِ      لحُبِّي  ، أوصدتِ قبركِ دوني 

آهٍ لوْ لمْ  تُعَوّديني على العطفِ      وآهٍ لوْ لمْ أكُنْ أوْ تكوني !


وهي القصيدة التي اعتبرها الدكتور  "إحسان عباس " صبيانيةً ومع ذلك يعود فيقول " "واذا كان فقْدُ جدتهِ لم يُنجبْ شِعراً رثائياً صالحاً فإنه عمّقَ لديه منابعَ الحزنِ وأشعَرَهُ من جديد بحاجته المُلِّحَةِ الى الحب والحنان " . وكانَ رحيلُ جدّتهِ خاتمةَ الأمَل بِأمٍّ ما ، أو بثمّة حُضْنٍ دافيءٍ يلتجي إليه ، وعليه الآن أن يعتمدَ على نفسه المفْجُوعةِ ، بعد أن قام بما أسعفهُ بهِ شيطانُ شِعرهِ في الرِّثَاء الذي لا يملكُ غيره إزاءَ مصابهِ الكبير .

لقد توتَّرَ وتواتَرَ مفهومُ المرأةِ الأمّ في خاطرِ " السيّاب" ووجدانه ، فظلَّتْ صورتها مبتورةً لا تكتمل، وظلَّ فقدانها لصيقاً بحدْسهِ الشِّعري المتشائم لاحقاً ، فكانت جميع مواقفه من المرأة فيما بعد تحكمها نهاياتٌ فاشلة متنوعة الأَشكال وإن كانت تصبُّ في مفاهيم ورؤى واحدة ترفعُ السياب الشاعر الى قمة الابداع الأدبي شاعراً ، وتهبطُ  بهِ إنساناً الى قاع الانهزامية والإنكسار . وهي نهاياتٌ اتسّمتْ بعلاقة وثوقية بمنحىً جديد في شِعره هو هاجسُ الموت . فالموت سببُ رحيلِ الأمّ ثمَّ الجّدّة  ، وهو الفكرةُ الباديةُ دوماً في سطورِ قصائدهِ ، والموسومُ بها حسّهُ الابداعي الفائضِ بالصِّدْق ،  والجيَّاش باللهفة الدائمة الى الأمومة الفقيدة . ولن يعود لبدر بعد كل ذلك سوى ضفاف " بُوَيب" وأفياء النخيل ومجدداً قريته  " جيكور " البديعة التي سيجعلها أمه يوماً ما حين لا يفوز بِسَكْبةِ العطفِ الذي طالما تمناه :   

       تلكَ أمي ، وإنْ أَجِئْها كسيحا 

       لاثماً أزهارها والماء فيها والترابا 

       ونافضاً بمقلتي أعشاشها والغابا ...


وعلى صِغَرِهِ حين ماتتْ أُمُّه ، فلا أحسبُني قرأتُ أوِ اتَّصلْتُ بشِعرِ شاعرٍ كبدْر شاكر السيّاب تشبّعَ اتصالاً وحزناً واذّكارا لذكراها ثيمةً حاضرةً بين ثنايا ذلك الشِّعر حين نبغَ به بعد غيابها بسنوات طويلة  ، متمنياً بأن ترجعَ ولو شبحاً ، وهي الذكرى التي ألهمته على الدوام شعراً من اروع ما يكون وهو ما يستوجب بحثاً منفرداً خاصاً على غير المركبِ الذي ركبناهُ هنا بناءً وموضوعاً .