حفلِتْ حياة السيّاب فيما تميّزتْ به من أحداث بغرابةٍ متفردة لجهة حرمانه العاطفي المُزمِن ، ولتعاطيه المتقلقل والقَلِق مع المرأة التي جحدتهُ مراراً حين حاول الاقتراب منها  .وهذه العلاقة تملَّكتهُ منذ نعومة أظافره يوم رحلتْ أمه كما أسلفنا سابقاً . ولم تكن مرحلة نضوجه في فتوتّهِ أكثر اشراقاً في علاقته بالمرأة . فإذا ما اختطف الموت الأم ثم الجدّة الى حرمانه حنان أبيه ، فها إنَّ الدَّربَ يمتد به متصعداً بمأساته العاطفية ، حاجباً عنه مطلقَ امرأةٍ حبيبة تُسبِغُ عليه عشقها المأمول ، وجواها الحميم ، هو الباحث الحثيث الدؤوب عن بسمة ما هنا او لفتة هناك  تزرعُ فيه الهوى وتسقيه وتحييه ، وتسكن قلبه الوله الجميل ، قبل أن يستفيق من وهمه ليصطدم بالواقع المرير من حوله : هو يحبُّ ويذوب عشقاً وهي - الحبيبة المنشودة - تكتفي بِسِمَةِ الحبور الداخلي لكونها محطّ اهتمامه الكبير ! . وقد انسحبَ هذا الواقع على مجمل علاقاته العاطفية في حياته ، وليس أدل على ذلك سوى اللواتي وقع بحبالهن وأحبهن حب المجنون ثم اكتفى - بحكم الواقع - بأن يحيا بمعية ذكرياتهن التعيسة بكل ما انتهت إليه . لقد كانت القرية أقصى دُناه المنشودة حتى صباه الوليد ، وما تزال تحاول فيه تحريكاً لعاطفة معيّنة ، أراد سكبها شِعراً يضنُّ بالابداع في بداياته ولكنه يعبّرُ في بواكيره عن دفء المفهوم المتقوقع داخله عن هذه المشاعر المشتعلة التي يريد الجهر بها بقدر ما يحتاجها ، فلا تتوافر لديه بعد وهو المَشُوق إليها ، تماماً كما لم يتوافر عنده ما يُبَلورُ فيه شاعرية الشاعر ، حتى تفتّقَ فيه شيطانه وأسفر عن وجدانية صادقة وشفافية موفورة لما بدأَ يثور فيه من عاطفة الحب التي ساعدت صلة القربى في فورانها . إذ أحبَّ ابنة عمه " وفيقة " وآثرَ الاحتفاظ بجماليتها الخاصة في ذهنه دون إعلان ، كحبيبة عظيمة ربما خوف ضياعها يوماً ما ، لاحساسه بأنَّ الذي فيه سيموت اذا ما افتضّهُ للتي لا تسعفه الثقة بأنها قدْ تحبه وتبادله الغرام . ولذلك فهو لم ينذرها بتباشير هواه الوثيقة بقلبه ، ولم يعلن موقفَ احتراقه بها شوقاً وعشقا ، وصبابةً ودداً ! بل حاورته لوثة الشِّعر وتملكته رؤاه . لكنَّ " وفيقة " تزوجت من آخر ! وهي لما تعلم أن بدراً كان يتعّشقُها ويهيم بها ويسعى لو قُدّرَ له ليكون صنواً لها ، أثيلاً لديها ورائداً لحبِّها تماماً ككونها سيدة موجدته المسكونة بجواها .  غير أن كل ذلك لا يحصل وتبقى حسنةُ " وفيقة " الوحيدة في بَدْر أنها أخرجته عن صمته لتجعل منه شاعراً بدأَ يُؤَطِّرُ مشاعره الفياضة في سبيل الشعر ودربه الطويل ، أيضاً دون أن تعلمَ هِيَ بولادته الشعرية على يديها كمُلهِمة ، وبحلاوة شعره المجبول بأحساسيه الجديدة . وكان ان انتظمت أبياته الصَّدُوقة عام 1941 في قصيدته " على الشاطىء " التي لا عجبَ أنْ يصوغها في الحبِّ وتباريحه والتي دبَّجَ فيها خسارته الاولى والأشد تأثيرا فيه ، وهي خسارةٌ مُستأنَسَة في مثل وضعية "  بدر"  المأزومةِ عاطفياً والتي من عوارضِ الصحة فيها أن يبحث عن منفس آخر لمشاعره الحبيسة عقبَ فُقدانه فعلاً لكل ما يتعلق بمفهوم الأمّ في الواقع . ولن تتباين آخرته مع " وفيقة " عما اعتراه في كل النهايات التالية لعلاقاته العاطفية على قلّتها ، مهيض الجناح ، كسير القلب ، مقرراً أنه هُزِم  : " جلستُ على الشاطىء أترقّب عودتكِ ولكن هيهات "  وناظماً :             

                  على الشاطىءِ أحلامي        طواها الموجُ يا حبُّ

                 وفـــــي حلْكــة أيـــامي        غدا نجمُ الهوى يخبو 

                                   عزاءً قلبيَ الدامي              

يُجلِّلهُ الانكسار بالسوداوية ، وتغطي ملابساتها مجمل مقاطع القصيدة . فالحب ينطفىء في أيامه الحالكات وبدر يبقى واهماً بأنَّ الفجر سيقهر الليل ليستيقظ من بين آلامه ويعلن البكاءَ عنواناً لمصابه متعلقاً بأدنى فاصلةٍ لأي لقاء مع " وفيقة " التي فقدها ، لكنه خائب جريح القلب حتى يعترف نهاية الامر أنه بعد أن أضاعها أضاع عمره وباقة أحلامه : 

                 سدًى قضيتُ أعوامي 

                  على شطآن أوهامي

                 ولا صفْوٌ ولا قُرْبٌ

                 فرُدّي بعض أحلامي . 

يقفُ " السيّاب" هذا الموقف في أول حبّ يعرضُ لهُ ، ليخرج بهذه الابيات التي تعبّرُ عن خيبته العاطفية التي لحقت به ، بعد أن تزوجت " وفيقة " من شاب آخر قبل أن تعلم بحبِّ بدر لها . وتبقى " وفيقة " حلماً كبيراً فتَحَ عينيه على الحب ، ولكنه ظل ممتنعاً عليه لتخلد ذكراه في شعره حتى نهاية عمره القصير فينظم لها " شباك وفيقة " في جزئيها و " حدائق وفيقة " وهي قصائد تعود به الى جميل ذكرياته معها كامرأة أحبها دون علمها ، لكنه مخلص لماضيها الساكن في داخله والذي اعتبره هو " المستحيل الذي يذهل " في إشارة الى فشل ما حاول نحوها حباً .

لمْ يتُبْ  "بدر" عن الحبّ فاختتم سنته الاخيرة في مرحلته الثانوية  بعشق " هالة " ، وهي الراعية البدوية التي  صادفها في عطلته الصيفية في الريف الذي تعبره القبائل العربية المنتقلة بين مكا ن وآخر. أحبها جدا فكان يدللها بمناداتها " هويل" وربما استطاع الاتصال بها مليا وهو الأمر الذي اعتبره بعض النقاد أنه محفوف بالغموض ، ولكنه يظل ينبوع شعره الجياش دَداً وفاقَ اتصاله الجديد بهالة مما اضطره لأن يقضي العُطَلَ الصيفية متشاغلا في رعي قطيع جده من الخراف ليظل قريبا من حبيبته الثانية تلك . يقول بدر : 

    لأجلكِ أطوي الرُّبّى شارداً           أُرددُّ أنغامــي الضائعه 

     وأسكبُ في الناي قلبي الكئيب       فتغمره النشوة الخادعه 

وهي من أولى الابيات التي يبرز فيها حبه الكبير لهالة ثم تنفرط السبحة بعد ذلك بقصائده العديدة لها على أن المصادر المتعددة لا توضح العلاقة المفصلة التي قامت بينهما سوى ما قيل عن لقاءات عديدة عقداها معاً . وما جاش في صدره من حميم لوعته وعشقه لها قصائد رائعة : همسكِ  - مزما ر الراعي - مريضة – ذكريات الريف وغيرها من القصائد ذات الدلالات الحسيّة على مدى تعلُّقِهِ بتلك المُلهِمَة ، التي تمكنت منه بعاطفة خاصة جداً انتهت عام 1943 بعدما فرضت عليها الظروف ان يعقد أهلها قرانها على شخص آخر ، وان كانت ما تزال تبوح له بحبها العامر في خافقيها لتأتي قصيدته " تنهدات " إعلاناً منه باستسلامه للقدر ، وللخيبة الصارخة فيه ، وأنه لنْ يرى " هالة " بعد اليوم ، " وليتَهَدَّلَ السَّعْفُ فهي لن تأتي " وليس عليه سوى أن يخاطب ذلك النخيل : 

أشكو إليكَ أذى الفؤادِ وانْ تَكنْ         لا ترجعُ الشكوى لِصَبٍّ مبتلي 

تمضي الحبيبةُ والزمانُ كلاهما         وأظلُّ أندبها وتصغي أنتَ لي . 

خسرَ بدر جولته الثانية ، وظلت " هالة " محفورةً في خاطره الكسير تشتجيه وتستثير شيطان شعره حتى انتقاله الى بغداد في خريف 1943 وبدأت مرحلة جديدة في دار المعلمين العالية ببغداد حيث تختلط جموع الطلاب شباباً وفتيات ، تضمهم مقاعد الدراسة خلافاً للريف مما يجعل التقاءَ بدرٍ بامرأة ما أمراً سهلاً وأمله في محو بصمات بائسة تركها هجر " هالة " ممكناً ومتوقعاً . وقد حدث بالفعل ولكنه بقي مجرد أمل . إلتقى " لبيبة " الطالبة الجامعية في سنتها الاخيرة في الدار فكان يستهويها شِعره الحسن ، غير أنَّ ذلك لم يكنْ يعني أبداً أنها قد تحبه ، فيما هو تسكنه الرهبة والرغبة في آن معاً ، فهو يستعظم أن يحبها فيما هي ربما لن تفعل ذلك ، وهو ايضاً يتمنى لو تمنحه حنانها هادفاً لأن تكون حبيبته وأمه في الوقت عينه ، سيّما وأنها تكبره بسبع سنوات . يقول في قصيدته الاولى إليها : 

خيالُكِ منْ أهلي الأقربين           أبر وإنْ كانَ لا يعقلُ

أبي منه جرَّدْتني النساءُ            وأمي طواها الردى المعجلُ 

وما لي من الدهر الا رضاكِ    فرحماك فالدهر لا يعدلُ

لكنها محاولة لا تسعفه ليتمادى بها حتى اشباع جوعه العاطفي . الى أن يرمز الى " لبيبة " نفسها في قصيدته " اغرودة " المهداة لذات المنديل الاحمر : 

أضاء حياتي سنا مقلتيك           فأبصرتُ ما لمْ أَكُنْ مُبْصِرا 

فَرُدِّي على القلب أوهامَهُ         وخَلِّيهِ فيمـــــا ادعى وافترى 

إنه موهوم دائما او ربما هكذا يحلو له دائما ان يكون حتى يصطدم بواقعه فيثوب راشدا ولتهوم حوله افكار مقنعة بأن التي عشقها محكوم عليه بالفشل معها . 

في موازاة ذلك كانت " الاقحوانة " او " ديزي " زميلته الاثيرة لديه قد بدأت ترتسم في موجدتهِ حبيبةً شاءَ القدرُ أن تنافس " لبيبة " في قلبه ، فكان أنِ اشتقَّ من دلالها الذي تبديه الكثير من الاوهام الممزوجة بسعادته التي لا توصف بأنها هي الاخرى قد تحتله قلبا وعقلا ، لكنها كلبيبة لم تكن تعلم بحبه لها ، بل اكتفت بأن تدللت عليه ما فيه الكفاية فتلَوَّحَ بأشعةِ شمسِ الحبيبةِ الجديدة  حتى قطفتهُ أناملُ العشقِ يانعاً يكادُ الحبُّ يصنع منه مقياساً لطبيعة العلاقات الفاشلة بين الجنسين ، وحقلاً جديباً من انكساراته العاطفية القاحلة المتتالية رغم صدقه وعفويته  ، ورغم استعارتها لديوانه الاول الذي ودعه قائلا " الى مستعيرات ديوان شعري " : 

ديوان شعر ملؤه غزلُ         بين العذارى باتَ ينتقلُ

أنفاسيَ الحرَّى تهيمُ على      صفحاته والحب والأملُ

وستلتقي انفاسهن بها          وترف في جنباته القبلُ 

... ديوان شعري رب عذراء    أذكرتها بحبيبها النائي 

يا ليتني أصبحتُ ديواني       لأفرَّ منْ صدرٍ إلى ثانِ

قَدْ بِتُّ منْ حسَدٍ أقولُ لهُ :      يا ليت من تهواكَ تهواني !

لقد سحرتهُ " ديزي " تلك ففجرت لديه حبوره الواسع بما استعارت منه ، وولدت لديه ثورة من الظنون بتأويل اعجابها بشعره ، الى أن يكتفي ا، يتحسد ذلك الديوان العتيد وهو يتقلب بين يدي وشفاه العذارى ريثما يعود اليه بعد رحلة تمنى بدر لو تطول : 

ديوان شعري يعود من سفره         ما ضرني لو يظل في وطره 

بين العذارى يبيت منتقلا           يا ليتني سائر على أثره  

لكنه في غمرة التشظي بين " لبيبة " و" ديزي " ينتصر للبيبة من جديد مستودعا 

" الاقحوانة " ( الترجمة العربية لديزي ) التي نظمَ فيها الكثير والجاهلة بحبه : 

وأي خير في الهوى كله         ان كنتما بالحب لا تعلمان

يا زهرتي قد مت يا زهرتي     آهٍ على من يعشقِ الأقحوان 

انه يخسر مرة اخرى مع " ديزي " وتبقى لبيبة المفضلة لديه ولو الى حيث يتوقع منه أن يصل . فها ان العام الدراسي الاول سينقضي وستنسحب لبيبة من حياته ، ولا ذنب لها بذلك فهي – ربما حتى اللحظة – لم تعلم بحبه لها ، ولو علمت فليس عليها كبيرَ لوم أو أو وِزْرَ تقصير ، فهي لم تحبه في الواقع والعام الدراسي انتهى وهو صامت البوحِ "  بدر" ! 

بعد الانتقال من القسم العربي الى الانكليزي في دار المعلمين نتيجة قراءاته الشعرية الانكليزية ، يلتقي  بزميلته الجديدة " لميعة عباس عمارة " المثقفة الماركسية التي استهوتهُ لميلهِ الشيوعي الجديد أولاً ، وثانياً لأنها بدأتْ تبادلهُ الاعجاب بإعجاب كعاشقين مثقفين يساريَيْن متناغمين فكرا وإحساسا ، فضلاً عن حبها الكبير للشعر والادب فكانا يلتقيان ويتحاوران ويتناقشان أمامَ الجميع في الدار فسماها " الامبراطورة " . ويتوغل " بدر " أكثر فأكثر في طبيعة علاقته الجديدة ، وكيف لا والمرأة هذه المرة تحبه أيضا وتمنحه العطف والحنان ، الى ان فصل من الدار لمواقفه السياسية عائدا الى الريف ، فيما " لميعة " لم تتركه بل ظلت حبيبته الاثيرة تراسله ويراسلها عبر احدى الزميلات ، فاحتل حبُّها ديوانه " أساطير" الذي ملأه بالقصائد حولها ، بعد أن أسلفه بديوانه " أزهار ذابلة " المشبع بإمارات واقعه المرير بعد فصله من الجامعة وفقره وعوزه في حياته الريفية الحالية . يقول في هذه المرحلة الكئيبة : 

    ماذا جنيتُ من الزمانِ سوى الكآبة والنحول

.... وأعيش محروم الفؤاد من الهوى عيش الذليل 

    ضاقت بي الدنيا وضقت بها كأني في رحيل 

يسكن السياب في ذاكرة الأسى ويستلين لأفكار غير مأنوسة ولا مرغوبة في انهيار أوضاعه الداعية الى قليل من التفاؤل ولو كلاماً ولا ترعوي هذه الذاكرة حتى تسحب أذيالها فوق جل شوارد ذهنه فلا أمل لديه في كثير أو قليل من الحب ، ولا نضارة في منى قلبه المحروم الذليل ، ولا مسايرة في تعامله مع الدنيا التي فقد منها الراشدون وغاب عنها الأفاضل الهادون . كل ذلك يفعله بعده عن " لميعة " الحبيبة فضلا عن عوامل الفقر والضيق التي جعلته يغدق من قريحته الشعرية غزارة الابداع . لينقضي عام ثالث في دار المعلمين العالية ببغداد ولا يتمخض عنه أي لقاء ولا وصال بينهما مما زاده لوعة وشوقا واندفاعا في خطوة متهورة نحو اشتهاء الجنس مقابل المال مع بنات الهوى في بغداد معللا ذلك بأنه ربما يجد الحبيبة في صورة هذه المرأة التي يشتريها بالدراهم ولوقت قليل ، ولكنه لا يقتنع بتلك الخطوة الحمقاء مع أنه أثبتها في شعره :  

وغدا سألقاها 

ويهيم ثغري وهو منخطف 

أعمى تلمس دربه ....

سأذوب فيها حين ألقاها ...

وصولاً الى عامه الرابع في الدار 1947 – 1948 حيث رحلت " لميعة " عنه بسبب اختلاف المذاهب فهي صابئية يريدُ أهلُها تزويجها تقليدياً ويرفضون لقاءها بهِ ولو أرادَ الزواج بها وهكذا كان . افترقا بعد أن لعبت في حياته أهم الادوار العاطفية على الاطلاق : 

فيم الفراق؟ أليس يجمعنا      حبٌّ نظلُّ عليه نعتنــــقُ ؟ 

حبٌّ ترقرق في الوعود سنا    منه ورف على الخطى عبق

......

سأمضي فلا تحلمي بالإياب    علــى وقع أقدامي النائيــه

ولا تتبعيني اذا ما التفتُّ        ورائي الى الشمعة الخابيه

يرنحها في يديك النحيب        فتهتــزُّ من خلفكِ الرَّابيــه 

الى أن يقرر :  تلفت من غير قصد هناك      فأبصرت بالانتحار الخيال

                حروفا من النار ماذا تقول ؟  لقد مر ركب السنين الثقال

            وقد باح تقويمهن الحزين          بأن اللقاء المرجى ... محال 

تنتهي علاقته بلميعة  ليجد أنه أضاعَ دربه الطويل سدى في تجاربه الغرامية بعد سنين طويلة من الخيبات التي تركها للتاريخ : 

وما من عادتي نكرانُ ماضيَّ الذي كـانــا

ولكن ... كل من أحببتُ قبلك ما أحبوني !

ولا عطفوا علي ، عشقتُ سبعاً كُنَّ أحيانـا

ترفُّ شعُورُهُنَّ علَيَّ ، تحملني الى الصين ....

.... متابعاً في فكرةِ اختزال جميعِ هزائمه تلكَ في أبياتٍ جريحة معترفاً بأنَّهُ كانَ مخدوعاَ لم يُخلق للحبِّ قطّ ، وحيّاً في ظلِ عاطفةٍ مزيفة لقاء لا شيء : 

فألتقط ُالمحار بينَ أكوام المحارِ ، لعلَّ لؤلؤةً ستبزُغُ منه كالنجمة

واذ تدمى يداي وتنزع الاظفار عنها لا ينزُّ هناك غير الماء

وغيرَ الطّينِ من صدفِ المحـــارِ فتقطُـــــرُ البسمـــة 

على ثغري دموعاً من قرارِ القلبِ تنبثقُ

لأن جميع من أحببتُ قَبْلَكِ ما أحبُّوني !

هي قصيدة " أحبيني " التي ضمَّت هذه الابيات والتي تشكِّلُ موجزاً صادقاً وتوثيقاً قيِّماً لمجمل التفاصيل التي اعترتْ علاقاته العاطفية المنكسرة في سنينِ طويلةٍ مع نهايات تعيساتٍ مُمِضَّات . لقد صارتْ من بديهيات شؤونه في الحياة أن فألَهُ شئيمٌ مع امرأةِ الحُبّ التي أرادها بديلاً مضيئاً للأم الفقيدة منذ طفولته فلا تحققت تلك ولا هذه وبقيَت لبدرٍ عقدةُ النساء وإنْ مرَّتْ عليه لاحقاً بعضُ ابتساماتهن هنا او هناك دونما أثرٍ لهُنَّ في شعره الذي كتبَ به حياته العاطفية كالعادة كـ " مادلين اليهودية " التي كانت رفيقته اثناء شيوعيته محاولاً الزواج منها بنزعةٍ طائشة على اعترافه هُوَ نفسهُ بذلك ولكنها اختفت فجأةً وبسرعة ،  إلى " أليس " التي اختارت الثراءَ على الشِّعر كما يقول " بدر " أو " لميا " التي كانت علاقتها به علاقةَ بورجوازيةٍ تُريدُ أن تتسلى بشاعرٍ مسحوق ! شاعرٍ سلبتهُ الدنيا أصيلَ توقهِ إلى امرأة يصيبُهَا وتُصِيبُهُ حباً وعاطفة ، وروعةَ آمالهِ وأحلامهِ بامرأةِ الحُبِّ قبلَ فواتِ العمرِ القصير .