لمْ تكُنْ عاطفةُ السيَاب لِتهْدَأَ بعيداً عن تهويماتِ المرأةِ في ذهنهِ إذِ اتّخَذَتْ منحًى وطنياً خلال هذه الفترة بعد تخرجه من دار المعلمين وتعيينه مدرساً في إحدى المدارس الوطنية . لكنه لم يلبث أن فُصِلَ بسببِ مواقفه الشيوعية ثم تبدلت به أحواله من عملٍ الى آخر،  يلازمهُ في تنقُّلِه المهني القسري جوعُهُ العاطفي المكنون فيه منذُ صغره حتى تزوج عام 1955 زيجةً تقليدية لتعود مشاعره الى مسيرتها الاولى ولكن بمفهومها المستقيم والأمين هذه المرة . والزوجة هي " إقبال " ريفيّةٌ من " أبي الخصيب " لا تمتّ إليه بصلة القربى وإنما كانت أختها زوجاً لعمه " عبد القادرالسيّاب ". وإقبال خرّيجة دار المعلّمات الابتدائية ، وتمارسُ مهنة التدريس . ارتضتهُ لنفسها زوجاً وعشيرَ عُمْر ، لكنها حاولتْ أن تنهض به من واقعه البائس لتجعل منه ومن بيتها انموذجاً اجتماعياً أفضل تتمنّاه كل زوجة حالمة بمستقبل جيد الى جانب زوجها ولم يكن بدر أقل تحفّزاً منها لهكذا  طموحات غير أنَّ ضائقته المادية كانت تحدُّ من تطلعاتهما وآمالهما. فالمنزل مُستأجَر في بغداد وراتبه ضئيل لا يكاد يقوم بقُوتِه وإقبال . أما حالته الشِّعرية فقد اتسمت بوفرة القصائد التي أظهرت عن قدرة وغزارة تفوق سنواته السابقة عطاءً وابداعاً وهو أمر ليس بغريب فالابداع تولّدُهُ المحنة والأزمات في أحايين كثيرة ، فضلاً عن امكانية أن يكون للاستقرار العاطفي الذي يعيشه مع إقبال دوراً كبيراً في نظم  قصائده . فهي المرأة البديلة لجميع ما افتقده من حنان ومودّة النساء اللواتي عرفهن ابتداءً بوالدته الفقيدة وحتى معرفته بها ، لا سيّما وأنها أَنْسَنَتْ فيه الكثير من عاداته المستكرهة فحدّتْ من تعاطيه الشراب ، الذي حدَّ بدوره من تبذيره المال لأجله وحاولت أن تنظّم حياته وتوازنها وإنْ لم يكن مسعاها ليروق له ، وهو المعتاد على حياة التشرد والوحدة والتمرحل الصاخب لأيامه مما أشعرَهُ بندرة السعادة الكافية جرّاء زواجه ولكن من يشرب البحر لن يغصَّ بالجدول فتبقى " إقبال " معينته في أيام محنته المرضية من بعده . خلّدَ " بدر " إقبالاً بديوان  كامل وأرّخَ لتعايشه معها حتى وفاته بأشعاره الخالدة فهي الزوجة الوفية والصّابرة على مرضه الذي أصابه واضطر بسببه الى التنقّل بين عدة عواصم من بيروت الى لندن فالكويت للعلاج ، لكن كفَّ القدر كانت أقوى لترمي به في خضّم اليأس من علاجٍس فاشلٍ دوماً لا يجد إزاءه غير شِعره الباكي والمناجي لإقبال الطاهرة يوم لا أحد من حوله يفيه حقّه من عناية أو أقل اهتمام في فترة حساسة جداً من حياته : 

غداً تأتين يا إقبال ، يا بعثي من العدم 

ويا موتي ولا موتٌ

ويا مرسى سفينتي التي عادتْ ولا بوح على لوح

ويا قلبي الذي إن متُّ أتركهُ على الدنيا ليبكيني

ويجأرُ بالرثاء على ضريحي وهو لا دمع ولا صوت

أحبيني اذا ما أدرجت في كفني ... أحبيني

ستبقى حينَ يبلى كل وجهي ، كلُّ أضلاعي

قصائدَ كنتُ أكتبها لأجلك في دواويني 

إنها قصائده التي تفرد بمنحها لإقبال جائزة اهتمامها به ، وحنوِّها عليه وإن كانت تأخذه وساوسُ الشيطان فترده عن دماثته وتعقُّلِه فيتهمها بالتسبب في تدهور صحته لاصرارها على عودته الى العراق : 

ولولا زوجتي ومزاجها الفوّار لم تنهدّ أعصابي

ولم ترتدّ مثل الخيط رجلي دونما قوّه

ولم يرتح ظهري فهو يسحبني الى هوّه

ولا فارقتُ أحبابي .

ولو تجنّى " بدر " بسبب تشاؤمه ويأسه من الشفاء على مشاعر " إقبال " فإنه يجزم في قصائده الأخرى بأنها أمُّ ولديه " غيلان" و " غيداء " اللذّين يضيئان فيه الأمل فيبثهما أشواقه طيلة رحلته المرضية مذكّراً إقبال دوماً بأمومتها الحانية وحقها في دفعه للخير وحب الفقير واليتيم : 

إقبال يا زوجتي الحبيبة

لا تعذليني ما المنايا بيدي

ولستُ وإن نجوتُ بالمخلّد

كُوني لغيلان رضًى وطيبه

كُوني لهُ أمّاً وارحمي نحيبه 

وعلّميه أن يُذيلَ القلبَ لليتيم والفقير .

لقد أصبحت إقبال أملَهُ الاخير ومصدر عاطفته الكافي ليواجه الموت الآتي لا محالة قريباً وقريباً جداً . كيفَ لا وهي التي قرّ قراره عليها فكان هواها أسمى بكثير  ممّا ترك به الدهرُ من عذابات النساء السابقات : 

أوصدي البابَ فدُنيا لست فيها

ليس تستأهلُ من عينيّ نظره 

آه لو تعلمين ما معنى ثواني في سرير من دم 

ميّت الساقين محموم الجبين 

ربَّما أبصرتِ بعض الحقدِ ، بعضَ السَّأم 

خصلةً من شَعرِ أُخرى أو بقايا نغم 

زرَعَتها في حياتي شاعره

لستُ اهواها كما أهواكِ يا أغلى دم ساقى دمي . 

ذيّلَ السيّاب هذه الوجدانية بإهدائها الى زوجته الوفية ، ولم تكن آخر الابيات بل نسمعه قبل موته يناجيها وغيلان والعراق الحبيب وكأنه يسمع دبيبَ الموتِ في جسده وهو يقتربُ بقوة ، طالباً منها المزيد من الحبّ والحنان علّها تضمّدُ جراحه وإن كان ما يبغيه محالاً وعلى سبيل الأمل الضئيل ، ومرتجًى بعد فوات الأوان . يقول في آخر ما كتب لإقبال وللشِّعر العربي : 

يا أمّ غيلان الحبيبة صوّبي في الليل نظره

نحوَ الخليجِ ، تصَوَّريني أقطعُ الظلماءَ وحدي

لولاكِ ما رُمْتُ الحياةَ ولا حنَنْتُ الى الديار

حبّبْتِ لي سدَفَ الحياة  مسحتُها بسنا النهار

يا ليتني طفلٌ يجوعُ ، يئنُّ في ليل العراق

... إقبالُ مُدّي لي يديكِ من الدّجى ومن الفلاه

جسّي جراحي وامسحيها بالمحبّة والحنان

بكِ ما أفكّرُ لا بنفسي : ماتَ حُبُّكِ في ضحاه ! 

وطوى الزمان بساطَ عُرسكِ والصبّى في العنفوان .


المفارقةُ أنَّ المرأةَ التي فجّرَتْ فيه الابداع هي التي كتبَ أولى قصائده وآخرها فيها .

لَعبَ الثالوثُ النسائي لعبتَهُ في حياة شاعرنا : أُمّاً ، وحبيبة ،  ثمَّ زوجة . الأمُّ الفقيدة ، والحبيبةُ المُعرِضَة ، وأخيراً الزوجةُ التّي دمّرَ المرضُ والعوزُ آمالهُ المشرقة معها نحو تحقيق غدٍ أفضل فافتقدته في قمّة عطائه وشبابه . 

ماتَ " بدر شاكر السيّاب " عام 1964 ولم تكنْ نساؤهُ الحبيباتُ غيرَ ذكرياتٍ منسية ، باستثناء " إقبال " الوحيدة التي سارتْ بوفاءٍ خلفَ نعشهِ مع قلّةٍ من الأوفياء لتواريه الثَّرى الذي طالما تمناهُ في محنة مرضه، ليختتمَ دربَ آلامه وآمالهِ  قَيْدَ وَهْمِ الحَرِيم .