كان ثمّة دائما اهتمام دولي خاص بلبنان، منذ نال استقلاله حتى اليوم. كان الشعب اللبناني بريئا في نظرته إلى هذا الإهتمام، وفي محبته لكل الشعوب، دون استثناء، وانفتاحه عليها، والتفاعل معها ثقافيا وإقتصاديا، خاصة في خمسينات وستينات القرن الماضي. وكان هذا التفاعل مصدرا لسرور وافتخار اللبنانيين بأنهم محبوبون ومُقَدَّرون ومُحْتَرَمون، خاصة من الشعوب الأوروبية والأمريكية ومن العرب، لأسباب شتّى، سنحاول إلقاء نظرة سريعة عليها.
 
               من الأسباب الرئيسية لهذا الإهتمام، كما هو معلوم ومتداوَل، وجود لبنان، البلد الصغير جدا بحجمه وبعدد سكانه، في بقعة أرض فريدة، مُمَيَّزة بجبالها العالية وثلوجها، وسهولها الخصيبة الواسعة، ووديانها العميقة، وبغاباتها ومزروعاتها ومياه ينابيعها وأنهارها، وبمناخها المعتدل في كل الفصول، على شاطىء البحر الأبيض المتوسط، بين الشرق والغرب. إنها بقعة أرض مهمّة جدا بموقعها الجغرافيّ، تُعتبر جسرا سهل العبور في الإتجاهَيْن، ومقرّا حرّا للتبادل التجاري والمالي لوفرة المصارف وقوانين سرّيتها، وللسياحة والإصطياف لوفرة المناظر الطبيعية الساحرة، ولوفرة الفنادق والمطاعم وعلب الليل والمسابح ومراكز التزلّج ونوادي اللياقة البدنية، ممّا يوفّر للسائحين كل أسباب الراحة والإستجمام والمتعة والترفيه. واللبنانيّ، بطبعه المعروف، مضياف يفتح ذراعيه وقلبه وبيته للضيوف، ويسحرهم بحسن ضيافته، وبلباقته، ولياقته، ولطفه. بفضل هذا الطبع الأنيس، وبالإضافة الى تنوّع ونوعيّة المطبخ اللبناني الممتاز، ينجذب الناس انجذابا الى زيارة لبنان والإستمتاع به، وحتى إلى سكناه.

               هذا اهتمام جميل، بحدّ ذاته، يثلج القلب لفوائده الجمّة من ناحية التواصل الإنساني والإجتماعي المسالم، والتبادل الثقافي والتجاري، والإزدهار الإقتصادي للبنان. وقد نَعِمَ لبنان بفترات من هذا النوع، كما ذكرنا في المقدمة، في خمسينات وستينات القرن الماضي. ولكنها فتراتٌ لم تَدُمْ طويلا، لأنه كان دائما، وما يزال، حتى الساعة، ثمة من يريد تعكير صفو عيش اللبنانيين والدول المحيطة بها. 

               منذ قرون، كان لبنان مجموعة طوائف غير متّحدة، وغير متآلفة معظم الأوقات، تخضع لحكم الغزاة والمحتلين وزارعي الفتن في تربة التعصب الديني الشديدة الخصوبة. بعد أن أصبح لبنان دولة مستقلة بحدوده الحالية سنة 1943، وُلِدَ معكّرٌ جديدٌ لصفو عيش الشعب اللبناني. إسم هذا المُعكِّر الدائم "إسرائيل"، الكيان العنصري الإرهابي المزروع في أرض فلسطين منذ 70 عاما ونيّف، والمدعوم والمحميّ من الدول التي زرعته، ومن مؤسسة "الأمم المتحدة" بالذات، الخاضعة لنفوذ هذه الدول. هذا الكيان الغريب لا يستمرّ ولا يزدهر إلا بممارسة العنف، وإضعاف كل الدول والشعوب من حوله.

               إذاً، فَرَضَ هذا الكيان التلمودي العنصري نفسه فرضا، سنة 1948، بتأييد عارم من الدول القوية المنتصرة في  الحرب العالمية الثانية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميريكية وروسيا وبريطانيا وفرنسا. لقد احتلّ بقوة السلاح أرض فلسطين، وطرد وشرّد معظم شعبها من أرضه. إنه كيان هجين، يحاول، منذ نشأته حتى اليوم، وبدعم مطلق، غير محدود وغير مشروط، من دول الغرب والشرق كافة، ومن بعض الدول والممالك والإمارات العربية الغنية أو القوية المُرَوَّضَة، أن يُثبِّتَ ويفرضَ وجوده بالعنف والقوة، وبإغراء وشراء وتشغيل عملاء له، افرادا واحزابا وحكومات، على الدول العربية، لشلّ إرادة شعوبها وقتل حضارتها وسرقة مواردها الطبيعية. 
               
               إن لبنان، الوطن الغنيّ بعائلاته الروحية والتعدّدية الدينية والطائفية، وبالشراكة بينها في الحكم، كان وطنا مسالما. لم يبنِ جيشا قويا. كان يتكل دائما على حماية غربية له، خاصة "الأم الحنون"، "بنت الكنيسة البكر"، فرنسا. ولبنان، بتكوينه الطائفي، ونظام حكمه الطائفي المبني على التوازن والشراكة والتفاهم، هو نقيض الكيان العِرقيّ العنصري اليهودي، المدجَّج بأحدث أنواع الأسلحة وأشدّها فتكا، والمستعدّ دائما للهجوم والتعدي والحرب والقتل والتدمير ضدّ محيطٍ بشريٍّ يرفض وجوده الغريب، وذات الأطماع ببناء دولة "إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات، على حساب الشعوب العربية. لذلك يُريد العدوّ الصهيوني الشرس للبنان، حامل رسالة المحبة والسلام والحضارة، والذي لا يملك جيشا قويا بسلاح متطور، والذي يملك تاريخا مؤلما من الصراعات بين طوائفه، أن يُحَطَّمَ كليا، أو بالأحرى أن يُحطِّمَ نفسه بنفسه، لكي يجد العدوّ التبرير المقنع تجاه العالم بأسره، لوجودها العنصريّ، ولبقائها واستمرارها، من خلال إظهار طوائف لبنان المتعددة بأنها في حال تناحر دائم، ولإثبات بأن الإختبار اللبناني فاشل.

               وثمة سبب آخر لتزايد الإهتمام الدولي بلبنان في السنوات الأخيرة. إنه سبب مقلق جدا لإسرائيل وداعميها. إنه، مهما كابر المكابرون من جماعات عبدة المال وأصحاب منطق "عنزة ولو طارت"، وجود مقاومة قوية قد أتبتَتْ جدارتها في مواجهة تعدِّيات إسرائيل على لبنان، وهي باتت تشكل رادعا قويا لأي تفكير من قبل الكيان العنصري بمعاودة تعدّياته. والهمّ الأوحد لهذا الإهتمام الدولي هو خلق الفتنة بين اللبنانيين، وتأليب فريق على آخر. وقد تُرْجِمَ هذا الإهتمام بخلق ودعم وتمويل بعض الزعماء للطعن الدائم بشرعية المقاومة، مثلا، والتمنّع عن تسليح الجيش اللبناني كما ينبغي (تحت أعذار وحجج واهية، منها، مثلا، عدم توفر المال الكافي في خزينة الدولة المسروقة والمنهوبة نهبا من حماتها بالذات)، للوصول الى تدجين الشعب اللبناني وعقد معاهدة صلح مع اشرس عدو للإنسانية جمعاء. ليس من أسرار الآلهة أنه قد دخلت لبنان، في دورتَيْ الإنتخابات الأخيرتين، أموال طائلة من مصادر خارجية معروفة، من أجل أن يربح هؤلاء الأفرقاء الإنتخابات النيابية، فيضمنون بذلك الأكثرية التي تتحكم بمصير لبنان، من خلال المجلس النيابي والحكومة ورئاسة الجمهورية، وتنفِّذ سياسة دول القرار في إراحة إسرائيل قبل كل شيء، وفي إنهاك الشعب اللبناني إقتصاديا ونفسيا بثقل ما يُسَمَّى ب"الدين العام"،  وبثقل الفوائد والضرائب، وتيئيسه، وإجباره على الإستسلام، أو الهجرة، أو الموت فقعًا، الى أن يتمّ بالقوة فرض تطبيع العلاقات مع الكيان العنصري، أي باحتلال إرادة الشعب اللبناني، وشلّها، وقتل روح المقاومة في نفسه.
 
               وهل ننسى، بالإضافة الى كل هذا الإهتمام، الحركات التكفيرية الإرهابية التي خلقها وسلّحها ودرّبها ودعمها وموّلها وأدار عملياتها الإرهابية المنظمة، حتى الساعة، من أجل خلق جحيم "الربيع العربي" في شمال أفريقيا، وتدمير اليمن والعراق وسوريا ولبنان، هذا الكيان العنصري عينه، بدعم من الحكومات الغربية القوية، وبتواطؤ بعض ممالك النفط والمال العربية معها، ومساهماتها المالية الجبارة والعسكرية؟ 

               لا، لن ننسى هذه الدول التي يهمّها، قبل كل شيء (إلى جانب السيطرة الدائمة على الشعوب العربية ومنابع النفط والغاز، وخلق، على بحور من الدماء، "شرق أوسط جديد"، مُهَشَّم، ضعيف، تعيس، يخضع لسلطتها) تحقيق وتأمين وحمايةَ أمن وراحة وإزدهار وقوة وتفوّق وسعادة الكيان العنصري التلمودي، قاعدة الغرب العسكرية في المنطقة، إسرائيل.

               أخيرا، ثمّة سبب بسيط جدا ومخفيّ، لا يُحكى عنه كثيرا، وكأنه أمر طبيعيّ لم يعد يستحق الذكر، لعلّه من أهم الأسباب وأصل البلاء كله. وهو أن معظم السياسيين اللبنانيين، في الحقيقة، بسبب من شهوتهم الجامحة للمال والإثراء السريع، وبحثهم الدائم في الخارج عن تمويل ودعم سياسي ومعنوي لحماية وجودهم المهدّد، في ظنِّهم وأوهامهم المُختَلَقَة، من قبل شركائهم في الوطن، وابتلائهم العجيب الغريب، وبدرجة عالية جدا، بداء العظمة والزعامة والقوة والسلطة وامتلاك القصور والعقارات والرجال والسلاح، هم السبب الرئيسيّ لإهتمام وتدخل حكومات الدول المعروفة بين شرق وغرب في شؤون لبنان، وخلق الفتنة بين أبناء الشعب الواحد، وتقوية وتغليب فريق على فريق، وسلب الوطن كل ما يحاول أن يبنيه من وحدته وحريته واستقلاله وسيادته وكرامته وأمنه وسلامه وازدهاره. ولا بدّ، هنا، ان نذكر امرا مهما جدا كاد ان يفوت انتباهنا. إنه امر طبيعي ليس بالسرّ الخافي على أحد، وهو الوجود المُكَثَّف لكل مخابرات دول العالم في لبنان، هذا البلد الحرّ والمنفتح و"المِضياف" إلى حدّ الفلتان، المُشرَّع الأبواب للجميع برّا وبحرا وجوّا، ووجود "عفوية" وسلاسة في التواصل، وسهولة في التزاور ل"التشاور" الدائم، بين زعماء الطوائف اللبنانيين وسفارات ما يُسَمَّى ب"دول القرار"، سفارات محصَّنة كالقلاع، هي وكر مريح جدا ومركز "عمليات" للمخابرات في لبنان والشرق، يقصده، موسميا، سياسيو لبنان، من أجل "الحجّ" وأخذ "البركة".
 
               نودّ أن نكرّر، هنا والآن، السؤال عينه الذي يشغل بالنا: لماذا تهتمّ دول العالم بلبنان، أو بالأحرى بزعماء لبنان، لا بشعب لبنان؟

               فقط لتدميره، أي تدمير شعبه لا زعمائه، وإخضاعه، وإبطال دوره كمثال حضاريّ لتفاعل الأديان والحضارات، وبدعوة خاصة من بعض السياسيين اللبنانيين واستضافتهم، بشكل متواصل ومتوارَث. التاريخ القديم والحديث هو شاهد على ذلك. إنه لتاريخٌ محيّرٌ، حقا، ومحزنٌ جدا في كيفية إعادة نفسه بحتميته القاسية على الشعب اللبناني وحدَه، لا على الزعماء الذين يجدّدون شبابهم كالنسر، ويجدّدون ولاءهم لحكومات الخارج ومالها، ويورثون أولادَهم هذا الشباب وهذا الولاء، كي يحظوا دائما بالإهتمام المالي والدعم المعنوي لأولياء أمرهم في الخارج، وكل ذلك من أجل مصلحة الشعب اللبناني "العليا"، وبإسمه، ذلك الشعب المخدوع، والذي انتخبهم ليخدموه ويُخلصوا له، لا ليجلدوه ويسلخوا جلده ويخونوه.

               تجاه هذا الواقع الأليم، أين تقف، يا ترى، قوى النُّخَب اللبنانية المستقلّة، الشريفة، الحرّة، غير المستعبدة لمال الخارج وسلطته وسطوته، نخب التربية والفكر والروح والإعلام والسياسة والمال؟ هل هي موجودة؟

               ليس مستغربا أن تكون هذه النُّخَبَ الجيدة موجودة، فعلا، في لبنان. غير أنها غير فاعلة. فهي لا تُسْمِعُ صوتا واحدا قويا، بل عدة أصوات متقطعة، خجولة، من أجل تنوير وتوعية الشعب اللبناني والدفاع عن حقوقه في وجه ساسته الظالمين. إنها تعيش في الظلّ. وهي مبعثرة، متفرّدة برأيها ومواقفها وصوتها، غير مُوَحَّدة. فلتتواضعْ هذه النُّخَب، ولتوحِّد نفسها قبل كل شيء، ولتلتفّ حول قيادة واحدة، لتستطيع، معا، أن تقف إلى جانب الشعب المغلوب على أمره، والمُصَاب بدوخة الحيرة والقرف واليأس، والمُشَتَّت بلا راع صالح مستعدٍّ أن يبذل نفسه من أجل رعيته، رغم وجود فائض كبير جدا في لبنان من الرعاة والزعماء والقادة يكفي لحكم الكرة الأرضيّة بأسرها والمجرات السماوية.

               إن دور النُّخب الكبير، والمصيريّ، والفاعل، يتطلب منها أن تملك رؤية سليمة واضحة لمستقبل الوطن اللبناني، وأن تتوجّه دائما الى الشعب وتخاطبه وتتفاعل معه، بمحبة وتواضع وصدق وإخلاص وشجاعة، لتوعيته على قدراته الهائلة للتحرّر من سجن ذاته أولا، سجن التعصب والجهل والخوف، ثم من سجن الأوضاع الشاذة المتحكِّمة به، والضاغطة عليه، وإقناعه بأنه، حقا، مصدر السلطات، وأن صوته، حقا، من صوت الله، وأنه هو وحده، لا حكومات الخارج الخبيثة، ولا أتباعها في الداخل، أي رعاته الكثر غير الصالحين، صاحب القرارات في كل ما يختصّ بحياته ووحدته وازدهاره ومصيره، وأنه ينبغي عليه أن يأخذ زمام الأمور بيده.

               كيف؟

               بتوجيه الشعب نحو ممارسة واجباته والمطالبة بحقوقه في الحياة الكريمة الآمنة، بكل بساطة، فيبدأ بالتفكير مليًّا بالتصرّفات الخاطئة للذين انتخبهم، تصرّفات أوصلته الى ما وصل اليه من حالة إقتصادية وإجتماعية ونفسية مأساوية، وألّا يتردّد أو يستحي أو يخاف من أن يستعدّ لرذلهم هم ومالهم ومال حكومات الخارج، في الإنتخابات النيابية القادمة. وأيضا، على الشعب، بتوعية من النخب، أن يطالب بحقّه في اختيار نظام علماني يحرّره من قيود الطائفية المُذِلة، وفي إنتخاب رئيس للجمهورية رأسا من الشعب، يمثل الشعب اللبنانيّ لا دول الخارج، ممّا يساهم في وضع حدّ لتدخل هذه الدول الوقحة في إدارة شؤون الوطن وفرض إرادتها (في مراحل الإنتخاب لمجلس نيابي ورئيسه، ولرئيس جمهورية، وإختيار رئيس حكومة، وتأليف حكومة)، فلا نعود نردِّد ونسمع تعابير ومفردات مذلّة تدلّ على واقع التدخل، ويستسيغها ويردّدها معظم اللبنانيين من شعب وإعلاميين وسياسيّين، لتصبح خبزهم اليومي، مثل: "كلمة السر"، او قرار "الربع الساعة الأخير"، أو "حكومة وفاقية"، أو "حكومة وحدة وطنية" أو "رئيس وفاقي"، أو "رئيس توافقي" أو "رئيس وسَطيّ"، يرضى عنه كل الأطراف (أي دول الوصاية والمال والقرار)، إلى آخر المعزوفة السَّمِجة.

               ومن حق الشعب، بقيادة النُّخَب الحكيمة والمخلِصة، أن يطالب بقضاء عادل، حرّ، نزيه، متحرّر من سطوة مال السياسيين وحلفائهم رجال الأعمال والتجارة والمال والمصارف، وأن يطالب ببناء جيش قوي يملك سلاحا متطوّرا فعالا ضدّ أي اعتداء (وقد مُنِعَ عنه عمدا حتى الآن هذا السلاح والأسباب أصبحت معروفة)، وأن يطالب بحماية ظهر المقاومة، وبمحاسبة كل من يشكِّكُ بنواياها ووجودها وجدواها، ويحتقر شهداءها وجرحاها وتضحياتها، بإسم حرية الرأي في ديمقراطيتنا الكاذبة، وإرضاءًا لأولياء النعمة في الخارج، المعروفين بتعاطفهم القوي مع كيان العدوّ العنصري. وأمّا الباقي، من حياة كريمة وآمنة ومزدهرة وسعيدة (بحسب "شرعة حقوق الإنسان")، فسوف يأتي ويُعطى ويُزاد، بشكل طبيعي، إذا توفَّرَتْ وتأمَّنَتْ للشعب شروطُ وظروف الأمن، والحماية، في ظلّ حكم سليم، غير فاسد، وغير متآمر على الشعب.

               إن النُّخَب المُوحَّدَة، مع اقتناعها العميق باستحالة تحقيق رؤيتها المثالية الكاملة للبنان الغد، في الظروف الراهنة الصعبة، عليها أن تطمح، على الأقل في الوقت الحاضر، بالإتكال على قوة شباب لبنان ووعيه، الى استرجاع الهوية اللبنانية المسروقة والسيادة اللبنانية المنتَهَكَة، وهذا يعني التحرّر الكامل من التأثير المالي والسياسي لحكومات الخارج والسياسيين. ولعلّها، في الوقت المناسب، مستقبَلا، تحاول أن تدعوَ إلى تحييد لبنان، في المبدأ، عن كل الصراعات المِحْوَرِيّة السياسية والعسكرية من حوله، إذا أمكن تحقيق ذلك في جوّ العنف العالمي الطاغي والضاغط والخطير، والذي لا تبدو نهايته قريبة. وفي الوقت عينه، لا بدّ للنُّخَب أن تصرّ وتحرص على أن يكون للبنان علاقات ممتازة ومميّزة مع محيطه العربي ومع جميع الدول، وان يكون رمزا للوفاق والوئام بين أبنائه، وان يتسنّى له لعب دور الوسيط المصلح المسالم بين الأفرقاء المتخاصمين، لا طرفا في أي نزاع، إذا سمح له "الكبار" المتكبرون، الطمّاعون، ذئاب حكومات الدول الكاسرة، النَّهِمَة، صُنّاع العنف والحروب والدمار، وصُنَّاع التاريخ الدمويّ لكل الشعوب، بأن يلعب هذا الدور البريء، ولم يحتقروه، ويستخفوا به، ويقرّروا، في لحظة من لحظات الجنون، أن يبتلعوه، بشعبه المُشتَّت، المُسْتَضْعَف، وزعمائه "العظماء"، المتكبرين، المغرروين، الأنانيّين، بلقمة واحدة دون أي غَصَصٍ أو شَرَق. 

               في كل الأحوال، على الشعب اللبناني، إن أراد حقًّا البقاء والحياة الكريمة، أن يكون قويا جدا ومنيعا بوحدته وبجيشه ومقاومته وتراثه الروحي والحضاري، ودائم الإستعداد لكل الإحتمالات والمفاجآت غير السارّة في هذا العالم الشرير، أسُمِح له بأن يحقّق ذاته ورسالته كما يحبّ ويتمنّى، أم لا.

               إن البداية الصحيحة تكون بأخذ المبادرة السريعة من أجل فتح باب حوار صادق، شجاع، في المدارس والجامعات والنوادي الثقافية والإعلام، بين النُّخَب الموَحَّدَة والشعب، لطرح أفكارها التحرّرية أمام بصره وبصيرته، وإفساح المجال له للنقاش، وبينها وبين من يرغب من جميع الأطراف اللبنانية الأخرى، من أحزاب وساسة وزعماء عتاق وجدد. وليكن حوارٌ يؤدي الى مصالحة دائمة، لا ظرفيّة (كمصالحة الزعماء)، بين أبناء الوطن الواحد، وإلى بناء جيش قويّ (بتمويل شعبي) دونَ إستئذان دول الخارج واستعطاء مالها وعطفها وشفقتها ورضاها، وإلى خلق مناعة للوطن لا تُخرَقُ، لأنّ الأخطار كثيرة وتهدّد وجود كل اللبنانيين، وسوف تدفنهم تحت التراب (شعبا وسياسيين) هم وصراعاتهم التافهة حول جنس الملائكة والأبالسة، أي حول الصلاحيات وتفسير الدستور والقوانين، وحول الأحجام والأوزان الشعبية والتاريخية وعراقة العِرق والأصل والفصل، وحصص الأسود في عروش وتيجان وصولجانات الحكم، إنْ ظلّوا مُصرّين على ممارسة عملية إنتحار جماعيّة لوطن بكامله، عملية بطيئة ومؤلمة، من خلال سلوكهم المتكبر، الأنانيّ، السيّء، الطائش والغبيّ، في إدارة شؤون الشعب، وفي تكرار خلقهم لأزمات سياسية وإقتصادية وفراغات في الحكم عبثية، تحرم الشعب وحده، بكل أعماره، من الصحة والإبتسامة والأمان والإزدهار والكرامة والسعادة.

               إنها خطوات تمهيديّة ضروريّة ومفيدة للتحضير لنقاشات مستقبلية في المدى المنظور (حين يستعيد الشعب اللبناني أنفاسه ويرتاح من خلافات الساسة التافهة، وحملات فضحهم لفساد بعضهم البعض، وعجزهم عن العمل معا كفريق واحد من أجل خدمته، ومن أجل وقف هدر ماله، ومن أجل محاربة الفاسدين "الكبار" قبل "الصغار" بالفعل لا بالكلام)، حول موضوع إعادة تكوين النظام السياسي والسلطة السياسية بكل تفاصيلهما وجزئياتهما، إنطلاقا من ميثاق الطائف بالذات، الذي فُرِضَ فرضا على اللبنانيين كشرّ لا بدّ منه، تماما كوثيقة الإستقلال، من قبل الدول عينها التي فرَضَت الحرب الأهلية فرضا عليهم، وأوقعتهم في فخاخها، طيلة 15 عاما، ثم أمَرَتْ بإنهائها، بعد أن فرّقتهم وأنهكَتْهم ودمّرت وطنهم. هذا الميثاق قد غلّب فريق على آخر، وقد أثبتت تجربة ثلاثة عقود تقريبا، أنه يفتقر الى آليّة سليمة تضمن حسن تطبيقه، وأنه يحتاج إلى إعادة نظر وتجديد، في جلسات حوار تجمع كل زعماء وساسة ونُخَب لبنان وحدهم، حول طاولة مستديرة، مع الإتفاق والحرص الشديد على إبقاء الخارج الخبيث خارجا، بكل حكوماته وسفاراته ومخابراته وماله. إن الحوار، بإدارة النخب الجيدة، هو المخرج الوحيد للبنانيين من أزماتهم كلها. 

               في نهاية المطاف، إن أزمة النظام الطائفي الهشّ والقوانين الإنتخابية الهجينة بكل إفرازاتها، بالإضافة إلى إساءة إستعمال هذا النظام من السياسيين المتعاقبين على الحكم، كانت دائما نقمة كبيرة على الشعب اللبناني منذ نال استقلاله حتى اليوم. إن تجربة النظام الطائفي قد شكلت حلًّا مؤقتا كان لا بدّ منه في حينه، لتتشارك طوائف لبنان المتنافرة عبر تاريخها الطويل، في حكم دولة لبنان ذات الكيان المستقل لأول مرة.  وظن اللبنانيون، في ذلك الوقت، بأن هذه التجربة كانت من أفضل الممكن، ونعمة كبيرة. غير أنها سرعان ما أثبتت فشلها خلال سبعين عاما ونيّف من الممارسة الخاطئة. إنها مشكلة لا تُحَلّ حلًّا نهائيا إلا بإختيار وتبنّي وممارسة النظام العلماني ممارسة أخلاقية واعية، مهما طال الزمن. يحسن بالنخب أن تسرع بتوحيد نفسها وبدء حواراتها وحسم أولويات الشعب اللبناني وخياراتها.
 
               فهل تتّحِدُ نُخَبُ لبنان الجيدة، وتبدأ بالعمل، معا، على إنقاذ الشعب اللبنانيّ من سطوة نظامه الطائفي البائد، ومن سطوة وفساد جلّاديه وسجّانيه في الداخل والخارج، ومن سطوة التعصّب وعبادة صنم الطائفة والزعيم والمال، ومن تشتته وتمزّقه ومآسيه الدائمة؟

               فلتتّحِد النخب الجيدة، اليوم. ولتحاول أن تعي وتفهم، وأن تنقل هذا الفهم وهذا الوعي إلى اللبنانيين، شعبا وساسة، بأن أكبر عدوّ لنا إنما يقبع في نفوسنا، لا على حدودنا ولا وراءها. نحن نختلف ونتقاتل كل فترة، منذ قرون، ونلوم الغرباء والغزاة والمحتلين على زرع الفتن فيما بيننا وتفريقنا، ونلوم زعماءنا لأنهم يلتجئون دائما إلى الخارج، طلبا للحماية ضدّ طائفة أخرى. نحن نرفض، بعناد غير مفهوم، أن نتعلم من دروس وعبر التاريخ القاسية. وكأننا نعشق أن يعيد التاريخ نفسه. وكأننا نتلذّذ بتعذيب أنفسنا وبتوريث أبنائنا هذا العذاب، وفي الوقت عينه، نتلذّذ بالإفتخار والتباهي بقوتنا وبفتات أمجاد عظمة باطلة، عبثية، من ماض تعيس، كله فتن وحروب ومجازر وخوف ورعب ومجاعات وموت وتهجير وهجرة. نحن نرفض أن نغيّر ما بأنفسنا وأن نتّحد ضدّ من يضمر لنا الشرّ، لأننا، قبل كل شيء، متكبّرون وأنانيون بالوراثة، وبالطبع، وبالتطبّع، في سجن شرنقة العائلة والطائفة والمذهب والزعيم والمال. إنه سجن مُحكَم الإقفال، بلا شبابيك وبلا أبواب. لذلك، نحن نعجز عن ممارسة فعل المحبة الذي يفترض التواضع، والتحرّر من الجهل والتعصب.

               فهل تملك نخب لبنان الجيدة الجرأة الكافية للإقرار بأنها غير متواضعة، وتوقف، في تبعثرها المعيب، بحثها اللاهث وراء أمجاد شخصية ومحاولات التقرب من بعض أباطرة السياسة والمال والدين؟ هل تبدأ بالتعلّم على ممارسة فضيلة التواضع، وتباشر، دون خوف، بالتبشير بها لكل الشعب اللبناني، لعلّ الخلاص يأتي من هذا الشعب الطيب الذي لا يدرك بأنه المصدر الأول لسلطات الساسة في الحكم، والذي ينقصه، بكل بساطة، رعاة صالحون، صادقون، رحماء، عادلون، متواضعون، حكماء؟

               على هذا الأمل، نصمت. على هذا الأمل، نحيا، ونعمل، ونصلّي، ونتجدّد بالروح كلَّ لحظة، وكلُّ لحظة هي، لنا، جمرُ انتظارٍ لنور الخلاص.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه