مقدِّمة: ماهية التاريخ
 
               في محاولتنا هذه للبدء بالتعرّف على "شخصية" التاريخ، إذا صحّ التعبير، نجد أن التاريخ ليس مجرّد شبح مجهول من الماضي يلاحقنا باستمرار، ونرتاح جدا حين نلقي عليه الملامة لكل مصائبنا بسبب حاضرنا المأساوي والحزين. إنما هو نحن، اليوم وغدا، وكل الذين سبقونا في الزمن الماضي على هذه الأرض. إنه نحن (بالفكر والعاطفة والإرادة والأقوال والأعمال)، فردا فردا، وعائلات ومجتمعات وطوائف وشعوبا وأوطانا وحضارات. إنه ذاكرتنا الإنسانية الحيّة، ذاكرة اللحم والدم، المؤرَّخَة والمحفوظة في المخطوطات والكتب وفي التقاليد المُتَوارَثَة من جيل إلى جيل. أن نتعرّف على "شخصية" التاريخ، هو، بكل بساطة، أن نتعرّف على أنفسنا وذاتنا الإنسانية الواحدة.

               صحيح أننا نتكلّم عن التاريخ بضمير الغائب: "هو". ولكن لا ينبغي أن نعتبره كائنًا حيًّا، مستقلًّا عن كياننا الإنساني، وكأنه مُجرّدُ مجموعة أحداث مُهمّة من الماضي البعيد ("مهمة"، نسبيا، بنظر من يؤرِّخون) نستعرضها ونتفرّج عليها، ونفرح ونفتخر ببعضها القليل، ونحزن لمعظمها. إن تلك الأحداث الماضية هي، في الحقيقة، خارجة عن إرادتنا، ولكننا نعيش نتائجها وارتداداتها على حياتنا، سلبا و/أو إيجابا. لذلك، ينبغي ألّا يغيب عن بالنا أبدا بأنه من واجبنا نحن، في حاضرنا، ألّا نتهرّب من محاولة منع تاريخنا التعيس من إعادة نفسه، ومن محاولة صنع تاريخ جديد لنا ولأولادنا وأحفادنا، يكون أفضل ممّا ورثناه عمّن سبقونا. بإمكاننا أن نحقّق هذا العمل الجبار، بقوة أرادتنا ووعينا، ككائنات تاريخية عاقلة ومسؤولة ومتطوّرة، تعيش على أرضٍ لها حدودُها المُعتَرَفُ بها، مبدئيا، من الدول، نسمّيها "وطنا"، وخاضعة لدورة زمن لا تتوقّف، ولتأثيرات بيئة إنسانية عالمية مُراوِغَة، هجومية، معادية، دموية، قد جَعَلَتْ من الكرة الأرضية مسرحًا دائما لإرهابها وعنفها.

 تداول كلمة "تاريخ" ومفاهيمها المتعددة  

                التاريخ كلمة كبيرة، رنّانة، سحريّة، تتردّد كثيرا على ألسنة بعض السياسيين والإعلاميين اللبنانيين (ويردّدها، بعدهم، بعض المناصرين والمُعجَبين)، بشكل عابر، ودون فهم عميق لمعنى الكلمة وأبعادها الإنسانية والأخلاقية والروحية. إنها كلمة يعشقون ذكرها والإستشهاد بها، في أي حديث أو تصريح عن السياسة. لعلّها تُشعرهم بأهميتهم الذاتية لدى التلفّظ بها. ولعلّهم أيضا يتوخَّون خلق انطباع لدى سامعيهم وقارئيهم بأنهم ذوو ثقافة واسعة ووعي كبير لسرّ الوجود والحياة، وأنهم، لذلك، يستحقون ثقةَ المواطنين وثناءهم. 
\
               نودّ أن نذكر، هنا، بعض الأقوال الشائعة، المُرَدَّدَة على ألسنة ببغاوات السياسة، بشكل قوالب جامدة، فاقدة لمعناها الحقيقي ولحيويّتها الطبيعية:

               "التاريخ لا يرحم"، "لعنة التاريخ"، "مزبلة التاريخ"، "دخول التاريخ من بابه العريض"، "عِبَرِ التاريخ"، "التاريخ يعيد نفسه"، أخبار أو أحداث هي "ملك التاريخ"، "منطق التاريخ"، "حتميّة التاريخ"، يوم أو شخص أو حدث "تاريخي".

               إن مفهوم التاريخ النظريّ هو التحديد المُعطى له من قبل عدّة مفكرين في أزمنة مختلفة، والذي يعكس طبيعة مسارّه ووجهته في الواقع الإنساني، في مجرى نهر الزمان الجارف، وفي جغرافية المكان الثابتة. ويمكن تحديده بمجموعة الأحداث المتتالية، المتراكمة، التي تمرّ بها الشعوب منذ فجر التاريخ وفجر وعي الإنسان، المحفوظة في الذاكرة الشعبية، أو المحفورة على صخور الكهوف بشكل رموز بشرية ولغوية وحيوانية وأدوات صيد وغيرها، أو المدوّنة-المُؤرَّخَة في المخطوطات والكتب. يتمّ التركيز، عادة، في كتابة التاريخ، على الأشخاص "المهمّين" في صنع الأحداث وتحريكها. إنها أحداث لها معناها الإنساني، الوجوديّ، الروحيّ، لا مجرّد كميات من التراكمات المادية.

               نورد، هنا، بعض الأقوال المقتضبة لبعض المفكرين، في محاولاتهم لتحديد حقيقة الوجود والتاريخ، والصراع الدائم من أجل البقاء والتقدّم: "إرادة الحياة"، "إرادة القوة"، "صراع الأضداد"، "صراع الطبقات"، "الجدليّة المادّية" (تحقيق الإنسانية لذاتها بدون الله)، "الجدلية الروحية" (تحقيق الإنسانية لذاتها وتحقيق أو تجسيد للروح الكبرى أو الله من خلالها)، "تنازع البقاء"، "بقاء الأقوى"، "الوجود هو بُنْيَة لا واعية". كلها عناوين ومفاهيم وحقائق تساهم، مجتمعة، في تفسير معنى وحركة الحياة البشرية والتاريخ البشري.

تدوين وصُنع التاريخ ومسارّه

               إن التاريخ الحديث والمعاصر، بأخباره وأحداثه السريعة اليومية وتفسيراته، هو مسؤولية الباحثين والإعلام المرئيّ والمسموع والمقروء. إننا نرى، على مسرح التاريخ، الممثلين واللاعبين الأساسيين الذين تدور في فلكهم مجرّات الأحداث، وهم قادة السياسة والعسكر والدين والمال والفكر. 

               أما مسارّ التاريخ، بحسب بعض المفكّرين، فهو دائري، كونه يعيد نفسه باستمرار. وبحسب بعضهم الآخر، هو خطّ مستقيم لا عودة فيه إلى الوراء إلا للتحفز من أجل الوثوب مجدّدا إلى الأمام، كون التطوّر والتقدّم والإرتقاء أشياء متلازمة دائما، وبشكل جَدَلِيّ حتميّ، مع حركة التاريخ التي لا تعرف التوقّف. ويستمدّ الإنسان نظرته الفلسفية للوجود من تاريخه، لأن التاريخ هو تجسيد ومرآة لوجود البشرية وحضورها على الأرض، المتوجِّهة، ببطء شديد، صوب تحقيق كمالها، أو ذاتها الكبرى.

مكانة الشعب اللبناني وصنع التاريخ

               إذا كان للتاريخ معنى، وفلسفة، ومنطق، وضوابط، ومسارّ، فأين نحن، في لبنان، من كل ذلك؟

               لسنا، هنا، في معرِض سرد ومناقشة كل النظريات حول مفاهيم التاريخ ومساراته، وغاياته، ودور العقل فيه والغرائز، والمنطق واللامنطق، والوعي واللاوعي، والروح والمادّة، ومدى صوابية وواقعية هذه النظريات، ونسبة نجاح أو فشل تطبيقاتها في تاريخ الشعوب والدول. ولسنا في معرض تحديد لكل المفردات التي تدور في فلك التاريخ. 

               ما يهمنا، في الحقيقة، هو أن نحاول إلقاء بعض الأضواء على موضوع مهمّ وخطير، وهو إعادة التاريخ السيّء التعيس لنفسه في حياتنا الوطنية. ينبغي أن يستوقفنا هذا الموضوع، نحن اللبنانيين، نخبا سياسية وعسكرية وروحية وفكرية وتربوية وإعلامية ومالية وعمّالية، لنتعلم، من الآن فصاعدا، ما دمنا على قيد الحياة، أخذَ الأمور، أمور حياتنا ومصيرنا، بجدّية أكثر، وبروح مسؤولية أكبر، ومحاولة كسر حتمية الحياة التعيسة للشعب اللبناني (نفور وحذر وحقد وتنافس على السلطة بين زعماء الطوائف واقتتال بين أبنائها، تدخلات عسكرية ومالية وسياسة بدعوة من الزعماء المتكبرين والأثرياء دائما، تكاذب، باطنية، بطالة، فقر، هجرة، إلخ...)، التي ورثناها عمّن سبقونا والتي، بوعي أو بلا وعي، نكمل، نحن أنفسنا، إحياء دورة لعنتها على بعضنا البعض. 
 
                فلنبدأ بطرح الأسئلة التالية على أنفسنا، كبداية لاشتعال شرارة الوعي واليقظة في نفوسنا: 

               -إلى أين نحن ذاهبون؟ إلى جحيم الهاوية؟ إلى جناتٍ تجري من تحتها الأنهار؟

               -هل نحن نصنع تاريخنا أم يصنعه لنا الآخرون؟ هل نحن متواطئون مع صناع التعاسة لنا، ضد أنفسنا؟

               -إلى أين يقودنا الآخرون، أي الحكومات المستقوية علينا لأننا منقسمون على بعضنا البعض، ضعفاء، ولأن زعماءنا يسمحون بذلك طمعا بالمال والمجد والعظمة، ولأننا، بدورنا، وبإسم العائلة والمذهب والمصلحة الشخصية، نسمح لزعمائنا بكل شيء، ولا نلومهم على شيء، ونرفض الإعتراف بأنهم يخطئون، أو أننا، نحن أيضا، نخطىء؟ 
              
               -هل نملك الشجاعة الكافية لكي نُقِرَّ بنقصنا الفكري والروحي والأخلاقي، وبتقصيرنا في مفهومنا للتاريخ، أي لأنفسنا، وفي صنعه؟

               -هل نقرّر، نتيجة هذا الوعي، بفعل إرادة جبارة، أن نوحِّد صفوفنا المبعثرة، ونمسك، نحن أنفسنا، بزمام أمور حياتنا وتاريخنا، ونزيل عنا، مرة واحدة وإلى الأبد، لعنة التاريخ التي تلاحقنا دائما؟

مقاومة قوى الشر والإعتبار من أمثولات التاريخ 
    
               إن وحدتنا وسلامنا وازدهارنا وكرامتنا وسعادتنا ووجودنا كشعب واحد (غير موَحَّد)، يسكن وطنا واحدا (هو مجموعة أوطان لعدة طوائف)، كانت، دائما، وما زالت، أشياء معرّضة لخطر الفتن والزوال، بسبب تشرذمنا وإستلشاقنا بفهم ووعي تاريخنا الماضي والحاضر، وعدم امتلاكنا لرؤية واضحة لمستقبلنا، وبسبب تسليمنا المطلق بأمر واقع، وكأنه قَدَر لا يُقاوَم، وهو إدارة الآخرين لشؤوننا وحياتنا (إدارة سيئة ومضرّة ومذِلَّة جدا لنا) من خلال بعض السياسيين المتكبرين، المغرورين، المتخاذلين، الجبناء، الجهلة، غير الأوفياء لواجباتهم تجاه الشعب، الباحثين، بنشاط فائق وذكاء حادّ، ولهم وحدهم، طبعا، لا للشعب، عن المال والقوة والمغامرات، وعن كنوز الذهب والماس واللؤلؤ المرصودة في كهوف الجنّ والسحرة ومصّاصي دماء الشعوب الإقليميين والعالميين المعروفين. وهذه ظاهرة فريدة، غريبة، عجيبة، غير مسبوقة في تاريخ الشعوب قاطبة، أن يستمرّ ويزدهر "تقليد" من هذا النوع، دون مقاومة، في مجتمعنا، بالوراثة والتربية أبا عن جدّ، ومن جيل إلى جيل، ليصبح تقليدا "تاريخيا" في بيع وطن، أرضا وشعبا، آلاف المرات، مقابل فتات بريق من الكنوز المرصودة وعروش المجد الباطل. 

               في الحقيقة، إنّ مجرّد وعينا، الضروري بحدّ ذاته، لمفهوم التاريخ ولأنفسنا، لا يكفي وحده. بناء الوعي دون بناء الأخلاق، لا يؤدي إلى نتيجة مفيدة. إنها مسألة جوهرية بالنسبة لكل شعب، وخاصة لكل قائد واع وصاحب أخلاق حميدة، ومسؤول عن مصير شعبه، أن يتعلّم شيئا من أمثولات التاريخ الكثيرة، لتجنّب إرتكاب أخطاء الماضي المميتة عينها، ومعاناة المآسي عينها، ولتجنب إعادة التاريخ لنفسه بكل بشاعاته. وهذا أمر نادر الحدوث، أي أخذ العبر من دروس التاريخ، من أجل صنع تاريخ جديد أفضل. فقط القادة الكبار، النادرون، يستطيعون صنع معجزة خلق تاريخ جديد (باستمرار لا بشكل مؤقت)، لشعوبهم.

               إنّ أي إنسان رصين، عاقل، مفكّر، يستطيع، بالخبرة والمراقبة للأحداث اليومية ومع شيء من المعرفة، ولو عامة وغير معمّقة، لتاريخ وطنه، أن يُكوّنَ فهمًا خاصًا ووعيًا مقبولا للتاريخ، دون الحاجة إلى دراسة أحداث التاريخ بكل حذافيرها، وفلسفة التاريخ بكل نظرياتها. تساعد الثقافة كثيرا، لا شك، على تكوين الرأي وتنمية الوعي (خاصة دراسة التاريخ وفلسفة التاريخ وعلم الأخلاق والنفس)، ولكنها لا تخلق دائما، وبالتأكيد، ذوقا سليما، وفهما موضوعيا، وصوابية، في رؤية الأشياء والحكم عليها، والسلوك الحكيم، أي الإعتبار بخبرة الآخرين أو الذات، واتخاذ قرار حاسم بعدم تكرار أخطاء الماضي ومآسيه.

 جدليّة العلاقة بين الشعب والزعماء

               في لبنان، لا حاجة لعناء شديد من أجل اكتشاف جهل معظم السياسيين لمفهوم التاريخ، ورفضهم أخذ العبر منه، لشدّة غرقهم في بحور أنانياتهم وغرورهم ومالهم. ونرى، من ناحية أخرى، نخبا المثقّفة قليلة (خاصة في مجال الإعلام والتربية والتدريس) من أبناء الشعب البسيط غير المحظوظين بإرث ماليّ وعائلي وسياسيّ، وغير المُعْتَرَفٍ بهم في عالم السياسة، تبحث، برصانة ومسؤولية، في مسائل تختصّ بمعنى التاريخ، وبموضوعية كتابته، وبفضح وتصحيح ما زُوِّرَ وشُوِّهَ وطُمِسَ فيه من حقائق عن الأرض والشعب لغايات خبيثة، وبضرورة منع التاريخ من إعادة نفسه بكل ويلاته وأكاذيبه. هذه النخب (التي تستحق بأن تكون في مراكز حكومية) تخاطب كل ذي عقل من الشعب والساسة، بلغة المنطق والصدق، وتساهم، قدر الإمكان، بتنوير وتحرير من له أذنان سامعتان من قبضة قوى الإستغلال والسيطرة في الوطن وفي العالم، من أجل تغيير مجرى الأحداث والفعل فيها، لا تلقّيها والإنفعال معها، والضعف تجاهها، والهرب من مواجهتها.

               أجل، إن معظم سياسيينا لا يملكون لا المعرفة الكافية، ولا الرؤيا الواضحة، ولا الإرادة الحسنة. ما يملكونه هو حبّ المال وعروش العظمة، فقط. وهم يكتفون بترداد الجمل المعروفة عن التاريخ، تردادا ببغائيا وحسب، لإيهام الناس، ولإيهام أنفسهم بأنهم عظماء، وسوف يدخلون التاريخ، وحدهم، من أبوابه العريضة، بعد رميِ أخصامهم في مزابله. في الحقيقة، إنه لَمِن واجب مَن يدّعون لعب دور النخبة والقيادة في المجتمع اللبناني، وفي أي مجتمع آخر، ويستميتون في سبيل الوصول إلى مراكز الحكم، ويفرضون أنفسهم على الشعب قادةً-أصناما للعبادة مدى العمر، بقوة المال والحيلة، وبإسم العائلة والطائفة والمذهب والدين والوطن (أو الأصح مجموعة أوطانهم الخاصة)، من واجب هؤلاء أن يعرفوا التاريخ القديم والحديث، وأن يمتلكوا رؤيا واضحة للماضي، والحاضر، والمستقبل، يتصرّفون بموجبها وبوحي منها، وأن يأخذوا العِبَرَ من أمثولاته، وأن يحسّنوا أداءهم السياسي والقيادي باستمرار، برفض التبعية للخارج وخيانة الشعب رفضا قاطعا، وأن يملكوا الإرادة الحسنة والأخلاق الحميدة والتواضع لخدمة واحترام الشعب الذي وثق بهم وانتخبهم، وأن يؤمّنوا له رفاهيته وازدهاره وراحته واستقلاله وحريته وكرامته وأمنه وسلامه وسعادته في جوّ يسوده احترام الجميع للنظام والقانون، وأن يخلقوا له تاريخا جديدا مشرِّفا، مُشْرِقا، حرّا، سعيدا، خاليا من الفوضى وكل أنواع وأصناف الشرور والمآسي والقلق والأحزان والإذلال وأوهام العظمة والمجد.

               نجد انفسنا، هنا، أمام حائط مسدود، من الصعب خرقه: من جهة، عندنا شعب يحبُّ أن يكون له زعماء ثابتون من جيل إلى جيل، لا يحاسبهم مهما أخطأوا ومهما ظلموه وأنزلوا على رأسه لعنات وصواعق التاريخ، ولا يحاسب نفسه على اختيارهم الدائم ليحكموه. وعندنا، من جهة أخرى، زعماء (قدامى وجدد) يحبون التنعّم بأمجاد المراكز والمال إلى الأبد، وبحرّية التصرّف والتلاعب بمال وعواطف ومصير الشعب، دون أن يحاسبهم أحد. وها نحن نخاطب هؤلاء وأولئك بلغة لن يفهموها، وإذا فهموها، فهم سوف يتجاهلونها، أو يسخرون منها ومِمَّن يخاطبهم بها، وينفثون، من أبواق أشداقهم، سموم الحقد والهجاء والشتم.
الدعوة الصارخة إلى مواجهة قوى التخاذل والشرّ 

               هل نُكمِلُ يا ترى الصراخ باللغة ذاتها، لعلّ صراخنا يفتح ثغرة في جدران نفوسهم السميكة، لينفذ إلى أعماق قلوبهم المقفرة التي أسكتَ نبضَها الحرّ مخدِّرُ المال والمصلحة الأنانية وأوهام عظمة الدين والمذهب والطائفة والعائلة والعِرق؟ 

               أجل، سوف نكمل ونعيد الصراخ.

               صراخنا المدوّي يقول:

               -آتيةٌ، لا محالة، الثورة الأخلاقية والفكرية ضدّ الذات الشعبية المسترخية، وضدّ السياسيين الضعفاء في حقيقتهم، والمستقوين فقط بسبب ضعف أتباعهم ورضوخهم لهم، غير الصادقين، عشاق أنفسهم والمال والجاه والعظمة. 

               -آتيةٌ، لا محالة، الثورة الأخلاقية والفكرية ضدّ نُخَبِ قوى الشر الكونية المتفرِّعة مما يُسَمَّى ب"القوة  الخفية" التلمودية، التي تقبع في ظلمات كهوفها المحروسة والمحصنة جيدا، حيث تخطّط من أجل إخضاع العالم كله، وحكمه، واستعباده، بالمال والترغيب والترهيب والعنف.

               لسنا، في الحقيقة، بحاجة، كما سبق وألمحنا، في سبيل إحداث ثورة من هذا النوع، وخلق تاريخ جديد، إلى عباقرة في فلسفة التاريخ والسياسة والإقتصاد والإجتماع والأخلاق، وفي تاريخ فلسفة كل هذه العلوم. نحن، بكل بساطة، بحاجة إلى شعب موحّد يملك حبًّا صادقا لوطنه وتواضعا وكرامة وشهامة وإباءًا وعزّة نفس، وإلى ساسة-قادة يشبهونه، لينتفض انتفاضة واحدة، غاضبة، عنيفة، ضدّ ذاته الخانعة، المتساهلة، المستلشقة، المُسَلِّمة أمرها لقدريّة أو جبريّة أو حتميّة تاريخيّة قاتلة، مكبِّلة للعقول والأيدي، وضدّ زعماء أبديّين غير أوفياء له، وهو من أرادهم كذلك، وهو من يكرّر منحهم ثقته في كل استحقاق إنتخابي. 

               نريد ونأمل ونتوقّع أن تخرج من رَحِمِ الشعب المُعذَّب نُخَبٌ قيادية قوية في مجال الحكمة والمحبّة والعدل والرحمة والتواضع والإخلاص والنزاهة والصدق والعمل والخدمة. حينئذ، ومن منطلق القوة هذه بالذات، قوة منطق الأخلاق والفكر والروح، نستطيع، لا شك، أن نهزم نخب "القوة الخفية"، القوة الشرّيرة المتغطرسة التي لا تُهْزَمُ، والتي تسخِّر، بمالها ودهائها، رؤساء دول العالم وجيوشها من أجل تنفيذ غاياتها وأهدافها، والتي تملك عقلا عبقريا شيطانيا بكل معنى الكلمة، في مجال التخطيط والتنفيذ لإفساد أخلاق الشعوب وإضعافها وزرع روح الخيانة والفتن فيما بينها، وإخضاعها بالقوّة والإرهاب، واستغلال مواردها، واستعبادها. هذه هي طبيعتها، وهذا هو مفهومها للتاريخ، وهي تنجح في تحقيقه على أكمل وجه، في العصر الحاضر كما نجحت في الماضي في إشعال الفتن والثورات والحروب، مستغلة ضعف وشهوة معظم الحكام تجاه المال والسلطة.

               أجل، من يدري، ربما نستطيع أن نهزم هذه القوى التي لا يمكن التحاور معها في الوقت الحاضر، ولا في أي وقت. من السذاجة التوهّم بأية إمكانية حوار مع قوى من هذا النوع، حوار "عاقل" بين عقلَين متناقضَين في كيفية رؤيتهما للواقع الإنساني ولمفهوم التاريخ والمصالح والأهداف والأساليب، ينتهي بإقناعها بالعدول عن شرّها. إنها قوى لا تحترم أحدا، ولن تغيّر فلسفتها، فلسفة التعالي والطمع والعنف والسيطرة. 

               يمكننا أن نقاوم هذه القوى معنويا وعمليا، باستعمال سلاح الحقيقة، حقيقتها الشريرة، نُشْهِرُه في وجهها بلا خوف، حتى إسقاط القناع عن ذلك الوجه، وسلاح وعينا لأنفسنا ولقدراتنا الذاتية على النموّ والتطوّر بحرّية وكرامة، وعلى الإستعداد الدائم، كل لحظة، للدفاع عن أنفسنا، إذا دعت الحاجة، ببناء شعب مُوَحّد، قويّ، مقاوم، وجيش قويّ عددا وعدّة، وبناء سلاح وحدتنا بالروح والرؤيا المستقبلية والمصير، وسلاح تربيتنا لأجيالنا الطالعة لخلق مناعة وطنية ضدّ الفساد الأخلاقي وضدّ الفتنة والحقد والرشوات والخيانة، وضدّ الغرق في لجّة الإغراءات الثقافية والتكنولوجية الساحرة التي تحملها إلى شواطئنا، كل يوم، أمواج تيار "العولمة" الهادرة العاتية، تيار هو وجه من وجوه هذه القوى وقد دسَّتْ في دسمه سمومها، فنمنع، بوعي كامل، وبإرادة قوية، تَسلّلّها الخبيث في عروق نفوسنا ونفوس أبناء شعبنا وسياسيينا وإعلاميّينا، في بيوتنا ومدارسنا وجامعاتنا وأماكن عملنا ولهونا، وعلى الطرقات وفي الساحات العامة، وفي كل مكان.

الثورة في صندوق الإقتراع والتظاهر والعصيان 

               إن الثورة الكبرى، في نظرنا، بعد ثورة الوعي والمقاومة الروحية للشر العالميّ الزاحف، دون هوادة، نحونا، تكمن، قبل كل شيء، في صندوق الإقتراع. 

               هناك نقرّر مصيرنا، ونمنع تاريخنا من إعادة نفسه، ونخلق تاريخا جديدا، إذا عرفنا أن نختار ممثلينا الحكماء، الأحرار، الأمناء، الشرفاء، الصادقين، الأوفياء، المتواضعين، في الحكم، وإذا راقبنا أداءهم، وحاسبناهم بعدم انتخابهم مرة أخرى، وبالتظاهر ضدّهم في الشارع حتى العصيان، حين يُصرّون على ارتكاب الأخطاء تلوَ الأخطاء في سياساتهم المالية والعمرانية والإنمائية والتربوية والصحية، وعلى تجاهل واحتقار حقوق الشعب، وعلى سرقة ماله، وإرهاقه بالضرائب. 

               هناك، في صندوق الإقتراع (مع الإحتفاظ الدائم بحق التظاهر السلمي والعصيان ورفض دفع الضرائب)، يتحرّر الشعب اللبناني، إذا أراد، حقّا، أن يتحرّر:

               -ممّن سبّبوا له الإنقسام والفرقة والبطالة وغلاء المعيشة وتدنّي الأجور وارتفاع الضرائب والهجرة، وتفشي سموم النفايات والتلوث والأمراض والفقر والعوز والقهر والقرف،

               -ومِمّن يحرصون على إبقاء الوطن ضعيفا بجيشه واقتصاده، وعلى احتكار القوة لهم وحدهم دون إشراك الشعب فيها، قوة المال والإزدهار والعظمة ودعم الخارج مقابل تنفيذ سياسته التطبيعية مع العدوّ الصهيوني العنصري، في نهاية المطاف العسير،

               -ومِمَّن لا يطيقون وجود المقاومة ويشككون، عن جهل أو خبث، بنواياها، ولا يعترفون بانتصاراتها على العدو العنصري وإرهابييه، ولا يقدرون ولا يحترمون تضحياتها وجرحاها وشهداءها، وهي الوحيدة التي استطاعت، حتى الآن (أَوافقَ المكابرون، أو الجهلة، أو الخبثاء، أو الحاقدون، أو الحُسّاد، أو الطائفيون، أو المذهبيون، أو عبدة أصنام الزعماء، أو مالكو المال والأعمال والمصارف، طلاب عيش الثراء والإسترخاء والملذات بالقرب من مصارفهم، في قصورهم على جبال لبنان وتلاله وشواطئه، أو على شواطىء أوروبا وفي فنادقها وعلب ليلها، أم لم يوافقوا)، أن تمنع لعنة تاريخ لبنان من إعادة نفسها، لعنة الوطن المُستضعَف، الذليل، المُمَزَّق، القوي بضعفه وبسياسيّي الدهاء والباطنية، منذ إعطائه إستقلاله الهشّ، سنة 1943،

               -ومِمّن استدانوا المال بإسمه من أجل بناء مشاريع عمرانية وحيوية كثيرة، خاصة تأمين المياه والكهرباء وحماية البيئة وتسليح الجيش وغيرها، فتبخّر المال وتبخّرت المشاريع في جيوبهم وبطونهم وخزنات أقبيتهم ومصارف سويسرا وأوروبا، وحرموه من نعمة الحياة الكريمة، وأثقلوا كاهله بالديون إلى الأبد، وسرقوا وأفرغوا خزينة الدولة، خزينته (التي يطلبون منه، بخشوع وبراءة وجدية، أن يضحّيَ ويملأها من جيبه ومن عرق جبينه)، وزاد فسادهم (ولا من يجرؤ أن يحاسبهم، لا بل هم أنفسهم اليوم قد حملوا راية محاربة الفساد)، وزادت ثرواتهم، وزادت قصورهم وأملاكهم واستثماراتهم (ولا من يجرؤ أن يسألهم "من أين لكم هذا؟"، ويخضعهم لتحقيق القضاء)، وزادت، مع فسادهم وثرواتهم، سعادتهم وعظمتهم بشكل مخيف، غير طبيعيّ، وسرقوا ازدهار الشعب الفقير ووحدته وسعادته، وشوّهوا بالكسارات والمحافر والمعامل، ومكبّات ومحارق النفايات، والأملاك البحرية العشوائية، طبيعة الوطن وإسمَه وسمعتَه بين الشعوب والدول، وقتلوا صحّة المواطنين واغتالوا كرامتهم، 

               -ومِمّن وعدوه بالجنّة وكذبوا عليه وخدعوه واحتقروه، ثم يعودون إليه، كل أربع سنوات، يتملّقونه بالكلام المعسول وصلات الرحم والمال، ويعيدون تكرار وعودهم الكاذبة على مسامعه، ويقبّلون أياديه وأرجله لينتخبهم من جديد،

              -وممّن، بكل بساطة، وبكلمة واحدة، قد فاقَ نِفاقُهُمْ وفاقَتْ وقاحتُهُمْ وكبرياؤهم نفاقَ ووقاحةَ وكبرياءَ كلّ ساسة العالم مجتمعين، في تاريخ البشرية.

خاتمة: أن نكون أو لا نكون، تلك هي المسألة

               أجل، إنها مسألة وجود أو فناء بالنسبة لنا كشعب لبنانيّ قد خدَعَه سياسيوه وخانوه كثيرا، على مرّ التاريخ المليء بالغزوات والعنف والمآسي، وجعلوا حياته جحيما لا تطفأ نارها، ففقد أكثر من نصف الشعب ثقته بهم إلى درجة التمنّع عن ممارسة حقّ وواجب الإقتراع. وبقيَ قسم مواليا لسياسييه كتقليد مقدس، وكرّر خداع نفسه بموازاة خداع سياسييه له، وظلّ يحبّهم حتى العبادة، ويمدحهم ويستر عيوبهم، ويدافع، بشراسة، عن كمالهم وعصمتهم كأنهم آلهة، ضدّ كلّ من يجرؤ على انتقادهم، ويجدّد إنتخابهم، ليتجدّد بذلك تاريخ لبنان التعيس، ويتمجّد الساسة العظام. إنها مسألة لا يجوز المزاح فيها بعد اليوم.

               سوف نكمل الصراخ، إذًا، لعلّ هناك، في محراب صمت الذات وخشوعها، من يتلقّف صراخنا بآذان سامعة، متنصّتة، واعية، ولعلّه يكون لصدى الصراخ هذا تردادٌ وترجيعٌ وفعلٌ في نفوس قلوب اللبنانيين أجمعين. ولعلّه يكون لنا، هذه المرّة، وطنٌ واحدٌ لا عدّة أوطان، وطنٌ حقيقيٌّ، إسمه وطن الشعب الواعي المقاوم وقادته الحكماء، الأقوياء، الصادقين، لا وطن الساسة الضعفاء، المتخاذلين، المراوغين، عبيد المال وأوهام العظمة، ولا وطن الأتباع عابدي أصنام الزعيم والعائلة والمذهب. 

               ولا بدّ أن يكون لنا، هذه المرّة، وتتويجا لجهادنا الروحي المقدس لبناء وعينا وذواتنا ووحدتنا وقوتنا وازدهارنا، تاريخٌ جديدٌ حرٌّ، حقًّا، نفتخر، نحن الأحياء، بإرساء حجر الأساس له، وتفتخر به، وتكمل بناءه الأجيال بعدنا، هو تاريخ خير وصلاح وازدهار وحرية وبركة وسعادة من صنع عقولنا وقلوبنا وأيادينا نحن، لا تاريخ من صنع أبالسة الشرّ وأتباعهم، يعيد نفسه بكل لعناته وبشاعاته إلى الأبد.

المصدر: النهضة نيوز
المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه