لا تفتئِت  "ضُحى المل " في التنويع الفسيفسائي للكتابة النقدية ،  ففي ذروة التجريب الحديث المُمَنهَج وفاقَ تقنيات المعالجة النظرية ومجموعة النظُم الفنية التي تشكل المناخ الدلالي لِهُويّات الفكر والادب والسياسة ،  تُرابِطُ على ثغورِ الذائقة المجتمعية التي تَشِي بأنَّ هاجسَ الكتابة هو منتج رؤيوي جاءَ عفوَ السجية ، وفيضَ الصفاء الجِيني الذي يتولى قيادة تلك المحبة الكبيرة للكتابة  الى ما لا نهايات جمالية الروح الانساني . في ماية واربعين نصاً إبداعياً بين الرواية والشعر والقصة والرسم وحتى النقد ذاته فضلاً عن السياسة ، تتسلسل حيَوات الفكرة النقدية بين التأويل والتفكيك والوصف والسرد البياني لجوهر البِنى الموضوعية للنصوص المُعَالجَة فكرياً عبر تلاوين متمردة على المألوف والمعتاد والمكرر والنمطي ، ومسكونة بثيمة البحث عن المطلق في سدرة منتهى تلك النصوص . هي معالجات استباقية لاصدارات أدبية قد لا تغنينا عن قراءتها بالكلية والى حد ما ، غير أنها لا شك تأسِر المتلقي في جدلية جديدة حول طبيعة العلاقة بين القارىء والقضايا المُثارة بقلم الكاتبة تتكىء على مستويين من التفاعل الذاتي والموضوعي في آنٍ معاً بين طرفي تلك العلاقة : الأول هو ذهاب القارىء  مباشرةً الى المعنى والتناسل معه بأريحية منطلقة من ذاكرة معرفية وُثُوقية ونبضٍ ثقافي متألق ، والثاني هو التماس وتلمُّس القارىء بإلهامٍ أحادي وأبعادٍ ملمَحِيَّة جدران العمل الفني رويداً رويداً للدخول الى المعنى كالأول ، وهو فعلٌ يقيني  ينجحُ عادةً في مهمة تكريس التفاعل اعلاه . وفي كلتا الحالتين نجاحٌ بإيصال الموقف الادبي الانساني الذي تريدُ الكاتبة رسمَهُ في ذاكرتنا الجمْعية لمروحة الانواع الفنية المتآلفة والمتسقة : ففي الرواية " تجعلنا نتذوق المفاهيم البنائية التي يجب أن ترفع من مستوى الانسان " ، وفي الشعر " عمقٌ داخلي مؤثر تنطوي عناوينه على الحالات الفلسفية المرافقة لشاعرية المعنى " ، وفي نَقد النَّقد تقرِرُ " التحاورَ مع القارىء بوعيٍ نقدي تختلف فيه المواقع بأشكالها المتعلقة بصراعات ذات اوجه ديناميكية حركية " ، وفي الموسيقى " تتجاوز اللغة الموسيقية ببلاغتها الهرطقات التي تقتصر على الايقاع غير المتوازن لتبلغ حدود الهرمينيوطيقا وتلتحم مع قيمة الوجود الإنساني " . الى آراء بِنيوية في محاولاتِ تأصيلِ صراع الثقافات ومفاهيم السياسات المتضادة وأشكال الحروب . وعلى أي حال فإن ظلال المادة الفنية في أدب المقالة لدى " ضحى عبد الرؤوف المل " تنزع نحو هدم كل ترسيمات اللاجدوى والتحديدات العبثية للمفاهيم النقدية  المتوارثة ، لتنحوَ نحوَ التجديد المنشود ، فلا تبقى الفكرة النقدية لوناً أدبياً  " طريَ العود " ولا تعبيراً عن السائد الكلاسيكي بما هو اختصار لصيغة الانتصار للخير والحق والجمال على الشر والباطل والتشوُّه فحسب ، وانما تصبحُ تجاوزاً لفكرة التعبير أي التكرار ،  الى فكرة الخلق  أي الابداع ، في سبيل الابتعاد عن ظاهرة تشييء الانسان التي هو معضلة العصر ، والاقتراب من احترام روعة كينونته . وأحسبُ بل أزعمُ أن شذراتِ الملَكة الادبية للكاتبة في حضورها المكثَّف المتلائمِ وأصناف الادب والفكر على امتداد  " رحلة يراع " لهو ذروة الابداع الفردي الثقافي الجادّ والمثمر والذي لا أعلمُ في المشهد الثقافي المهيمن - وطنياً محلياً على الاقل – بتكَوُّنِ أو تبَلوُرِ حالةٍ موازية تتسوَّرُ بشجاعة رؤيوية قلاعَ أنواع الاجناس الفكرية  كافةً ، وتدخل اليها لتجسيد قيم المكوّن الآدمي نصاً وروحاً .