يتبع ترامب استراتيجية واحدة مع كوريا الشمالية وايران تستهدف ازالة القدرة والبنية التحتية اللازمتين لانتاج السلاح النووي ، والاستراتيجية هنا تفتح الباب واسعا للخداع الاميركي والتضليل وعدم الوفاء بالتعهدات وعدم احترام التوقيع الرسمي للادارة الاميركية ، فقد نجح ترامب في تدمير مصداقية الولايات المتحدة كليا في هذا المجال ، أي مجال احترام المعاهدات والاتفاقيات الموقعة ، وقام ترامب بسحب هذه الاستراتيجية ضمن منهج يسرع في عملية تدمير المؤسسات التي نجحت خلال العقود الثمانية الماضية في منع وقوع حرب عالمية ثالثة بالشكل الذي نشبت فيه الحرب العالمية الثانية .
فترامب يدمر الأمم المتحدة تدريجيا ليحول العالم مرة اخرى الى غابة تحكمها قوانين الغاب وليست قوانين البشر الحريصين على الاستقرار والسلام والعدل وحق تقرير المصير وعدم استخدام القوة لفرض العبودية من قبل دولة ما ضد شعوب تسعى لتنمية قدراتها لتأمين الأمن الغذائي والصحي والمعيشي لأبنائها ، لكن تكتيكات ترامب في ظل هذه الاستراتيجية تختلف عندما يكون الهدف ايران ، ولاسبب أو مبرر لذلك الا خطط الحركة الصهيونية التي يأتمر ترامب بتعليماتها واملاءاتها ، ولم تعد تلك التكتيكات سرا من الأسرار العسكرية الاميركية فقد أعلن برايان هوك مبعوث البيت الأبيض لايران كافة الأمور دون تحفظ .
لنختصر معا ما قاله برايان هوك ، وما تضمنته اجاباته على أسئلة الصحفيين ( المرتبة من قبل الادارة الاميركية وغير المرتبة ) ، عقد برايان هوك هذا المؤتمر هذا المؤتمر فجر اليوم في CSIS - وبعد أن استكمل بولتون اجراءاته الاستفزازية بنشر الطائرات والسفن الحربية في مياه الخليج ، وأرسل حاملة الطائرات فرانكلين وقام بومبيو بزيارة لدول في المنطقة وقام بزيارة غير معلن عنها مسبقا لبغداد ، برايان هوك أعلن أن البيت الأبيض أعلن من ايران أن توافقا على الجلوس الى طاولة مفاوضات مع واشنطن لبحث بنود اتفاق نووي جديد ، ودعم ترامب قول مبعوثه برايان هوك بقوله : " آمل أن نتمكن من الوصول لاتفاق نووي جديد اذا وافقت ايران على التفاوض " .
برايان هوك أعلن ذلك في لحظة توقيع ترامب قرارات عقابية جديدة تشمل المعادن انتاجا وبيعا وتصديرا ( نحاس – المنيوم – صلب ... الخ ) ، يظن ترامب وهكذا أوحى مبعوثه لايران بأن العقوبات والحصار الخانق والتهديد باستخدام القوة سوف تجبر ايران على الجلوس للتفاوض حول اتفاق نووي جديد .
ماهو جوهر الاتفاق الذي يسعى له ترامب
الشكل : يحاول ترامب وبولتون وابرامز – الثلاثي الصهيوني – أن يظهروا أن هدفهم من الاتفاق الجديد هو منع ايران من امتلاك أسلحة نووية ، وضمن وصفهم لضمان ذلك وردت بنود كثيرة أهمها تحذير وانتقاد روسيا لمساعدة ايران في الميدان النووي " تحديدا التخصيب " الآلية المتبعة الآن للتفتيش والتي اتفق عليها سابقا وتحمل توقيع الولايات المتحدة ، فترامب يريد تفتيشا على معسكرات الحرس الثوري والجيش وأسلحتهما ، وليس المراكز النووية فقط وعلى رأس تلك المؤسسات تلك التي تجري أبحاثا وتنتج الصواريخ الباليستية ، جوهر الاتفاق فالبيت الأبيض يريد من ايران أن تحسن سلوكها في المنطقة .
واذا أردنا أن نختصر تعريف ترامب " تحسين السلوك " ، نجد أنه يعني ( حسبما أوضح برايان هوك ) ، اولا : أن تتوقف ايران عن دعم " الارهاب " في اليمن والصومال وسوريا ولبنان وفلسطين ، وماهو الارهاب حسب تعريف ترامب وبولتون ؟
انه الحركة المناهضة للاحتلال الاستعماري ، والحركة الشعبية المدافعة عن سيادة واستقلال بلادها وهي محور مقاومة خطط وممارسات واعتداءات البيت الأبيض العنصري واسرائيل العنصرية .
انها الحركة الشعبية التي تدافع عن وحدة أراضي دولها وسيادتها واستقلالها وحقها في الخيار ديمقراطيا وسعيها للنمو والتطور من خلال سيطرتها السيادية على ثرواتها الطبيعية ، هذه الثروات التي يسعى الجشع الامبريالي والصهيوني للسيطرة عليها ، يريدون من ايران أن تتخلى عن مبادئها ومواقفها الداعمة لحرية الشعوب وحقها في تقرير مصيرها ، وأن تترك هذه الشعوب لقمة سائغة للصهيونية والامبرياليين ، وأن تخضع الشعوب قهرا للاستعباد ونهب ثرواتها .
يريدون تدمير حلف المقاومة أو المقاومة لمخططات الصهيونية بشكل محدد ، ويريد الثلاثي من ايران أن تحسن سلوكها بالتوقف عن انتاج أسلحة فعالة في دفاع الشعب الايراني عن وطنه وثرواته ، فواشنطن – تل ابيب والرياض تخشى من سرعة تطوير ايران لأسلحتها مما يجعلها غير خاضعة لأي ضغط أو تهديد باستخدام القوة ، وايران ليست السعودية التي يطالبها ترامب بدفع تكاليف حماية العائلة السعودية التي قايضها الاستعمار البريطاني على التخلي عن فلسطين وأولى القبلتين مقابل أن تحكم العائلة الجزيرة بدلا من شريف مكة " ملك العرب " ، الذي رفض التنازل عن فلسطين والأقصى مقابل تنفيذ بريطانيا لما وعدت به قائد الثورة العربية الكبرى الشريف الحسين بن علي ( الهاشمي – شريف مكة ) ، بأن يكافأ العرب الذين سيقاتلون العثمانيين بالاستقلال والوحدة .
ويريدون من ايران تحسينا آخر لسلوكها " وهو الأساس " : يريدون من ايران أن تتخلى عن قضية فلسطين وأن تبتعد عن اسرائيل ، وذلك بالانسحاب من سوريا والتوقف نهائيا عن دعم فصائل الثورة الفلسطينية وحزب الله .
باختصار يريدون من ايران أن تطبع علاقاتها مع اسرائيل الكبرى الذي يريد ترامب ونتنياهو وسلمان أن تصبح القوة الاقليمية المهيمنة على الشرق الأوسط ( ونذكر هنا بأن نتنياهو تحدث مطولا حول أهمية العراق وانه لن يسمح لايران بانشاء قوى معاديةلاسرائيل في العراق ؟!! ) وأعلن أن العراق لن يكون بعيدا عن ضربات اسرائيل وتحدث نتنياهو عن نفط شرق الفرات وأهميته لاسرائيل مذكرا بأن الفرات هو حدود دولة اسرائيل !! ، والآن يمكننا أن نرى أن هذا التكتيك الاميركي وفكرة اتفاق جديد يتضمن مطالب اسرائيل لايمكن أن توافق عليه ايران أو محور المقاومة فما الذي سيحصل ؟
سوريا رفضت وسترفض قرارات ترامب وتعتبرها مخالفة للقانون والشرائع الدولية لذلك ستعمل هي ومحور المقاومة للتهيئة لتحرير الجولان وشمال الفرات ، وتطهير سوريا من كل عملاء اميركا واسرائيل سواء كانوا خلايا داعش النائمة في أكثر من مكان أو قادة قسد الذين انخرطوا في المؤامرة الاسرائيلية الاميركية ضد سوريا ، وسوف يتصدى محور المقاومة لأي محاولة للاعتداء على سيادة سوريا بالعمل على اقامة مايسمى " تركيا " المنطقة الحدودية الآمنة !! ، وعلى صعيد اليمن سيتابع ثوار اليمن نضالهم ضد المعتدين ، والأمر غير مرتبط بايران أو موافقة ايران من عدمها على استقرار المقاومة .
أما حزب الله فله حسابات خاصة لدى كل من اسرائيل وواشنطن والرياض ، وكل طرف من هذه الأطراف يتآمر على حزب الله فرديا وجماعيا ، والجهة الأكثر لهفة على توجيه ضربة لحزب الله هي اسرائيل والرياض وتأتي الولايات المتحدة بعدها ، وهذا لايعني ان واشنطن غير متلهفة ايضا لتوجيه ضربة لحزب الله لكن معلوماتنا تشير الى تمويل سعودي لنشاطات تآمرية (من ضمنها عمليات اغتيال ) ، وقد دفعت الأموال لجهات لبنانية كلفت بانشاء وحدات عملياتية منفصلة عن بعضها البعض وتدار بشكل منفصل ولها أهداف منفصلة عن بعضها ومحددة .
وتشير المعلومات الى تمويل سعودي لغرفة عمليات مشتركة " اميركية اسرائيلية لبنانية " ، لخلق ظروف لصراعات واسعة تحت ألوية وأعلام مختلفة ، ويشمل برنامج هذه الغرفة حرب نفسية واعلامية وتعبئة ضد حزب الله واتهامه بأمور لم يرتكبها ، وقد رصد مبلغ كبير لشراء وتنظيم عناصر من حزب الله أو مقربة منه ، والمسؤول عن هذه الغرفة هو مدير الموساد الحالي يوسي كوهين المتخصص بشؤون حزب الله والحرس الثوري ، فكيف نرد ؟
لم يعد الموضوع مبهما أو ضبابيا ، ولذلك فالرد يجب أن يكون واضحا والرد على هذا المخطط يجب أن يكون عملا متواصلا كما هو عمل الأعداء على الوصول لأهدافهم ، ووقف تسارع التنفيذ المعادي لايأتي الا باشتباك مستمر مع قوى الأعداء التي تتخذ موقع الهجوم منذ البداية ، والوسائل كثيرة ومتعددة لابقاء حالة الاشتباك قائمة ولاشك ان عقول العسكريين والسياسيين في محور المقاومة قادرة على ملازمة التحرك الشعبي في كل مكان بعمليات مرهقة للعدو تقطع عليه الطريق وتشل مخططاته .

المقال يعبّر عن وجهة نظر و رأي كاتبه