فوجئت كما فوجئ الكثيرون من الفلسطينيين والعرب بصدور كتاب في منطقة أوسلوستان بالضفة الغربية بعنوان " رئيسنا قدوتنا " ، ولم يتوقف الأمر عندي على المفاجأة ، بل تعداه إلى الصعقة التي أصابت عمق القضية الفلسطينية ، حيث يحاولون في سلطة " أوسلوستان " المتهالكة تدريس هذاالكتاب في مدارس الحكم الذاتي الأوسلوي تحقيقاً للمزيد من غسل الدماغ والتجهيل والتخاذل، ورهانهم هنا ينصب على توجيه الجيل القادم لنسيان فلسطين المعروفة بخارطتها التاريخية من النهر إلى البحر ومن الناقورة إلى أم الرشراش خدمة لنبوءة بن غوريون بأن الجيل القادم سينسى ...

لقد تابعنا ومنذ ما يقارب الخمسين عاماً ، تنازلات مستمرة من قبل من يدعون بشرعية ووحدانية تمثيلهم للشعب الفلسطيني ، ومنذ أن اقترح نايف حواتمة برنامج النقاط العشر أو ما اصطلح على تسميته ب " البرنامج المرحلي " سنة 1972، والذي تم اعتماده مما يسمى " منظمة التحرير الفلسطينية " سنة 1974 " وما تبع ذلك من تغييرات دراماتيكية شملت اللعبة التي مارسها عرفات مع فيليب حبيب بالخروج من لبنان سنة 1982 ، إلى إعلان دولة واستقلال وهمي سنة 1988 بهدف تسمية رئيس منظمة التحرير باسم رئيس الدولة حتى لو كانت تلك الدولة غير موجودة .

نعم ، تابعنا كل ذلك وصولاً إلى أكبر نكبة في تاريخ القضية الفلسطينية والمتمثلة بتوقيع اتفاقية أوسلو وما انبثق عنها من بروتوكولات وتنسيق أمني مذل للشعب الفلسطيني وتعاون مطلق مع العدو الصهيوني تمارسه قيادة مشكوك بولائها وانتمائها لفلسطين ، قيادة تراجعت وعدلت وتبرأت من مبرر وجود المنظمة التي يمثلون حين قاموا بإلغاء وتعديل الميثاق الوطني الفلسطيني متنازلين بذلك عن 78 % من أرض فلسطين التاريخية التي نص على تحريرها بالمقاومة المسلحة الميثاق الوطني الفلسطيني والتي أخذت تلك المنظمة شرعيتها ومبرر وجودها منه ومن أجل تبنيه والعمل به ...

وبعد ربع قرن ونيف من توقيع اتفاقية أوسلو المشؤومة والتي قدمت فيها تلك السلطة التي ولدت بموجبها خدمات لم يكن العدو لينتظرها يوماً من أي فلسطيني ، وبعد أن مارست تلك السلطة كل أعمال التضييق على الشعب الفلسطيني ومناضليه وأفشلت بوسائلها الدنيئة مئات العمليات ضد العدو الصهيوني المحتل لفلسطين كي يتكرم عليهم العدو بمنحهم دولة مسخة تحت شعار حل الدولتين ... وفشل كل ذلك.. فتسرطن الاستيطان وابتلغ مساحات واسعة من الضفة الغربية فيما وصل عدد المستعمرين في الضفة ما يتجاوز 750 ألف مستعمر.. وبعد ذلك قامت أمريكا بمكافئة تلك السلطة المستسلمة بأن اعترفت بالقدس عاصمة لكيان العدو الصهيوني ... وما زالوا يقولون بأن " الحياة مفاوضات " .... ويسعون للعودة إلى طاولة المفاوضات، وينادون بشرعية دولية كانت بالأساس سلاحاً وأساساً لخلق كيان العدو والاعتراف به فيما تنصلت من تطبيق أي قرار لإنشاء دولة للفلسطينيين كما جاء في قرار التقسيم لسنة 1947 أو لضمان عودة اللاجئين وفقاً للقرار الأممي 194 ... 

وبعد كل ما تحقق من انتكاسات وتنازلات وهزائم وتعاون مستمر مع العدو ... يخرجون علينا بذلك الكتاب " رئيسنا قدوتنا " ، فعن أي قدوة يتحدثون ، وكيف يكون قدوة من تخلى عن 78 % من وطنه ، وكيف يكون قدوة من ضيق على شعبه وحرمهم من أبسط الحقوق التي كفلتها كل المواثيق والشرائع وهو حق المقاومة ، وكيف يكون قدوة من حاصر شعبه في غزة وضيق عليهم وسخر من صواريخهم ومقاومتهم ، وكيف يكون قدوة من تنازل عن حق عودة غالبية الشعب الذي يدعي تمثيله ، وما هو موقف اللاجئ الفلسطيني الذي جرده ذلك " القدوة " من حقه في أرضه أولاً ومن عودته إليها ثانياً، وما هو موقف اللاجئ الفلسطيني صاحب الحق الشرعي بارض فلسطين أمام أبنائه وأمام التاريخ بأنه سيقتدي بمن جرده من وطنيته بعد أن جرده من وطنه ، فلا وطنية بلا وطن تنتمي إليه .. فهل من جواب؟؟؟ 

ربما وربما تتمثل الإجابة بأنه قدوة ... ولكن لمن؟ إنه قدوةلحفنة من المتكسبين من الوضع القائم ومن الذين يملكون بطاقات ال في. آي. بي ومن أصبحوا بقدرته وزراء يتفاخرون بتنازلهم عن 80% من فلسطين وبقولهم " قد تكون غزةالمكان الأوسخ والأسوأ في العالم " .

إبراهيم ابوعتيله

المصدر: موقع إضاءات
المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه