في خضم قرع طبول الحرب الصاخب من حولنا، وملهاة/مأساة "صفقة القرن"، وأجواء العقوبات الإقتصادية والعسكرية التي تمارسها دول مستقوية لفرض إرادتها وسياستها على الدول غير المطيعة لها، والأوضاع الإقتصادية العالمية السيئة، المتفاقمة، والمفتعلة (إرتفاع أسعار النفط، مثلا، والتلاعب بأسعار العملات والبورصات)، والأعمال الإرهابية المنظمة والمعروف من يمولها ويخطط لها ويديرها (في سوريا والعراق واليمن وأفريقيا وسريلانكا ونيوزلندا واوروبا)، على الساسة اللبنانيين في الحكم أن يصحوا من نومهم العميق، ويبدأوا أن يعوا، بكل بساطة، خطورة الاوضاع هذه على وجود ومصير الشعب اللبناني، وينسوا كل خلافاتهم السياسية والمالية العبثية, ويخرقوا شرنقة انانيتهم وعظمتهم وراحة أجسادهم وبالهم، وأن يبدأوا فورا ودون أي تردد وتأجيل، بمحاورة الشعب، بصدق وشفافية ودون مواربة، حول قرارت موازنة الدولة المنهارة، وإعادة النظر في حساباتهم المتعثرة، المغلوطة، ووجوب المراعاة لوضع الشعب الفقير التعيس وحاجاته الملحة، مهما كانت الظروف، وقبل مراعاة ظروفهم الخاصة، أي مصالحهم. واذا كان لا بدّ من تضحيات، كما يرددون باستمرار وبخشوع على مسامع الشعب، فليبادروا هم أنفسهم إلى القيام بها من مالهم الخاص، مع حلفاء المصلحة والدم والروح، أصحاب المصارف والأموال والأعمال والشركات والمعامل والتجارة. وليكن هذا الحوار، لأول مرة في تاريخ لبنان، منذ نيل استقلاله حتى اليوم، ناجحا، وفاتحة لحوارات أخرى حول كل شيء، ولعصر جديد من التفاهم في تاريخ هذا الوطن الذي ضربت حكوماته (خاصة بعد اتفاق الطائف) الرقم القياسي باستغلال الشعب وعدم خدمته، وبناء الثروات الأسطورية على حسابه، وبفشل إدارة كل الحوارات بين طوائفه لحل خلافاتها ونزاعاتها المزمنة، العنيفة، حول تناتش لقمة العيش وحصص الحكم والسلطة والقوة والوظائف، وفي الممارسة الخبيثة، المُتقنة، لباطنية التعامل فيما بينها ومع الشعب. 

 لقد رافقت كلمة "حوار"، إذاً، تاريخ اللبنانيين منذ الإستقلال. نسمع ترداد هذه الكلمة كلما عاش اللبنانيون أجواءًا من الإنقسام والتباعد، وحتى خلال فترات التقارب والسلام القصيرة، المؤقتة. وكُلّ مرة أُطلِقَتْ الدعوات فيها من بعض النخب الدينية والثقافية والإعلامية والسياسية إلى حوار وطني عام، للتفاهم حول مواضيع تتعلق ب"قومية" الوطن ووجوده ومصيره وضرورة "التعايش" معا، كنا نرى أن الحوارات (التي لم يراع المتحاورون ابدا فيها اصول الحوار وقواعده العقلانية والأخلاقية كما ينبغي) لم تكمل يوما طريقها حتى النهاية المرجوة. لذلك تراكمت مشاكل الشعب اللبناني الطائفية والإقتصادية والتربوية والأمنية، على مرّ السنين. كانت الحلول دائما حلولا كاذبة، تخديرية، مؤقتة (عفا الله عما مضى، لا غالب ولا مغلوب، الدين لله والوطن للجميع، كلنا اخوة، إلخ...)، وترقيعا بترقيع، حتى صار الوطن جسدا مخدرا، فاقدا لتوازنه، وصار لباسه مجموعة رقاع بعدة ألوان، وصار علمه مجموعة رموز والوان وأعلام. إن إستمرارية الوطن كانت وما زالت مرتبطة بالإستمرارية الأبدية لرؤساء وزعماء الطوائف (القدامى والمستحدَثين) بصحتهم ومالهم وعائلاتهم وعروش عراقتهم وعزهم وعظمتهم وقصورهم وقلاعهم وجيوشهم الخاصة، وعبادة اتباعهم لهم. 

إن أمر الحوار الوطنيّ الشامل (كأي أمر آخر في لبنان) متعلق ومحكوم بكبرياء الزعماء ومصالحهم الخاصة، وبقرار خارجي حيث منابع الدعم المالي والمعنوي. وأمّا هذا الخارج، فهو، بعد أن يؤجج نيران الفتنة بين الزعماء اللبنانيين، يدعوهم، لا بل يجبرهم أن يتحاوروا خارج لبنان، كما حصل في جنيف (31 تشرين الأول-4 تشرين الثاني 1983) ثم في لوزان (12-20 آذار، 1984)، ثم في الطائف (30 أيلول-22 تشرين الأول، 1989)، ثم في الدوحة (16-21 أيار، 2008). وكانت تنتهي كل الحوارات باتفاق مؤقت بين الزعماء يراعي مصلحة الخارج ومصلحتهم أكثر ممّا يراعي مصلحة الشعب اللبناني "العليا" الدائمة. وتبقى مشاكل وعلل ومصائب الشعب اللبناني مستمرة، نائمة كالجمر تحت الرماد، إلى أن يحين وقت تأجيجها من جديد.

 "القرار الخارجي" تعبير يتداوله الشعب اللبناني والإعلاميون ورجال السياسة بسهولة، وطلاقة، وطَبَعِيَّة، وشغف، ودون أي إحراج، خاصة مع كل أزمة سياسية مفتعلة وكل فراغ سياسي ناتج عنها (الإنتخابات النيابية والرئاسية وتأليف الحكومة)، أو أزمة إقتصادية (مشكلة كهرباء ومياه ونفايات لبنان، مثلا، وإستخراج الغاز والنفط من البحر)، أو أزمة عسكرية (تسليح الجيش ووجود المقاومة). وكأن بعض حكومات الخارج لا تريد أن ترى زعماء لبنان يتفقون فيما بينهم لفترة طويلة، لتبقى مسيطرة عليهم وعلى إرادة الشعب اللبناني من خلال مبدأ "فرِّقْ تَسُدْ". وهذا أمر يبدو أنه يروق جدا للزعماء والساسة، لا بل يتطلبونه، كحاجة ماسة لإستمراريتهم، حين يفتقدونه، لأنه مصدر لا ينضب للربح المادي والمعنوي لهم. أما الشعب، مصدر كل السلطات، فلا قرار له أبدا. لا نسمع أحدا من الساسة في لبنان يذكر تعبير "قرار الشعب"، أو "بإسم الشعب اللبناني". الشعب غائب عن دائرة اهتمام الساسة وتفكيرهم. الحديث، بالهمس والعلن، هو دائما عن "ضوء أخضر" يعطيه هذا الخارج لمعظم الأفرقاء المتصارعين بنَهَمٍ شديد على كسب وُدِّه،ِ وعلى القوة والسلطة والصفقات والمكاسب والمغانم، وعن "كلمة السر"، وعن "مباركة خارجية" تهبط، فجأة، هبوط الروح القدس، على رؤوسهم، مع نعم منّ وسلوى "المكرُمات" و"الهبات" و"المساعدات" و"الودائع"، من سماوات دول "إقليمية" و"دولية"، لا يصل منها شيءٌ إلى خزينة وجيوب الشعب اللبناني، ويتساءل الساسة، قديمو النعمة وحديثوها في حقل السياسة والمال، بكل حيرة وذهول وغضب، اين اختفت، ومن اخفاها، ويقرّرون، بحماس عظيم، ملاحقة الشبح السارق، المجهول الهوية والإقامة، والذي دخل البلاد خلسة، مهما عظم شأنه وشأن من يحميه في الداخل والخارج، حتى القبض عليه، وإحالته الى القضاء، واسترداد المال المسروق.

 إن الحوار العاقل، الناضج، الهادف، أمر جدّي، رصين، وغير سهل، يتطلب جهدا للتحضير، ووقتا للممارسة، وهو يتعدّى حدود الثرثرة والحديث العابر. 

إن الحوار، حين يتعلّق بمصير شعب ووطن، لا ينبغي أن يكون مجرّد تبادل اتهامات بالفساد واهانات وتحدّيات وتهديدات وصراخ، بين الساسة، أو تبادل آراء بروح كيدية، للتسلية والتذاكي، في جلسات رشف القهوة أو الويسكي، وعضّ السيغار الكوبي، والشعور بأهمية الذات. هذا حوار لا يؤدّي إلى أيّ مكان. لا بل يؤدي إلى مزيد من خراب الوطن، والشعب هو الوطن الحقيقي، لا الساسة. 

 يُفْتَرَضُ في المتحاورين، قبل كل شيء، أن يتكلموا بنية صافية وبلغة واضحة، صريحة، صادقة، ودون شروط مُسْبَقَة تُبطِلُ معنى الحوار وغايته، أي التوصل الى تفاهم ما حول القضايا المطروحة، وأن يتقنوا جيدا فنّ الإصغاء. يتطلب الحوار، عدا عن مَلَكَة الكلام والإصغاء، إحتراما للمحاور الآخر، ونضوجا وبساطة وتواضعا لتقبل وجوده وآرائه، ولإيجاد قواسم مشتركة، مفيدة، توحّد الأفرقاء المتحاورين. 

 إنّ المخلصين القلائل من أبناء الشعب اللبناني ونخبه الجيدة، يشجعون ويَدْعُونَ ويَسْعَوْنَ الى حوار بين جميع اللبنانيين من دون استئذان أحد من الخارج وإستمطار "مكرماته"، بعكس معظم الساسة. الحوار هو من شأن اللبنانيين وحدهم، يناقشون فيه بكل حرية وصراحة ومحبة، كل القضايا التي يختلفون حولها. ينبغي على الحوار أن يكون مستوحًى من مصالح الشعب اللبناني، وأولى هذه المصالح هي الوحدة الوطنية بين أبنائه، تليها حاجاته الأساسية المعروفة تحت عنوان "شرعةحقوق الإنسان"، في مُناخِ حياة آمنة وكريمة ومنيعة لا يعبث بها أحد. إن حوارا بهذه الروحية سوف يعطي حتما نتائج إيجابية ترضي وتسعد الشعب اللبناني المشتاق الى الإزدهار والسلام والتلاقي بين كل أبنائه. 

     اليوم، في هذه الأجواء المقلقة التي يعيشها الشعب اللبناني وحده، دون زعمائه وساسته (المرتاحين جدا ودائما، وحدهم، نفسيا وماليا وصحيا)، أجواء مملوءة بأعمال العنف من حولنا يديرها مديرو لعبة الأمم الشرسة كالمعتاد، ومملوءة بقرع طبول حرب عالمية ثالثة وشيكة على أرضنا (هي مصدر خوف وقلق أكانت تهويلا ام لا)، ولفرض بيع وشراء ووهب أوطان فيما سمي ب"صفقة القرن" (وهذه حقيقة نلمسها لمس اليد كل يوم)، يدعو الواجب الوطني وتدعو "المصلحة الوطنية العليا"، إلى ضرورة بدء حوار وطني عاجل، يجمع زعماء الطوائف والساسة ونخب الشعب، لتجنيب لبنان أي أذى محتمل، ومنع التاريخ البشع من إعادة نفسه على الشعب اللبناني وحده، كالمعتاد. ويجدر بنا جميعا، وأخطار الإفقار والموت وإلاستعباد تُحْدِقُ بنا من كل جانب، أن نطرح على أنفسنا، بإلحاح شديد وشجاعة، ولأجل المزيد من اليقظة والوعي، هذه الأسئلة التي يتجنّب طرحَها معظمُ اللبنانيين، شعبا وإعلاميين ورجال سياسة، المنهمكون فقط بالتحدّث عمّا يخطّطه وما يريده الخارج للبنان، وكأن لبنان سيكون بمنأى عن الشرّ: 

 لماذا الحوار بين اللبنانيين صعب الى هذا الحد؟ 

لماذا كلمةُ "حوار" لا تُلفَظُ إلا في لبنان وبهذه الكثرة؟ 

لماذا كل هذه الدعوات للحوار ولا حوار يحصل، وإن حصل، فبحياء وتحفظ وخوف وحذر، لا بل بكيدية أحيانا، ولا يستمرّ طويلا ولا يكتمل أبدا، ولا يؤتي ثمارا جيدة، وإن نجح بين فريقَين، فمؤقتا، وليس لصالح الوطن كله، وسرعان ما يصبح مادة للسخرية والتهكم والشماتة من قبل بعض الأفرقاء الآخرين؟

  لماذا لم يكن الحوار يوما حوارا دائما وشاملا بين جميع اللبنانيين من خلال نخبهم وساستهم؟

  لماذا على لبنان أن يعيش دائما حالة أزمات نفسية وسياسية واقتصادية ومذهبية و"حضارية" هي من صنع زعماء الطوائف وبتشجيع وتمويل من الخارج، وأن يعانيَ من الحروب الأهلية المدمرة والغزوات الإرهابية الشرسة؟ 

لماذا ممنوع على أبناء الشعب اللبناني أن يتفقوا فيما بينهم؟ 

لماذا لا شيء يجمع اللبنانيين ويوحِّدهم حتى إذا ابتلوا بأكبر المصائب (ظلم الساسة، حروب، دمار، قتل، إفقار، تجويع، تلوث، امراض، تهجير، إلخ...)؟ 

لماذا لا يتفق اللبنانيون فيما بينهم على الوقوف في وجه أي تدخل من أبالسة الخارج في شؤونهم، من أجل أن يتابعوا معا تحقيق رسالة وطنهم بحياة الشراكة والمحبة بين العائلات الروحية من كل الطوائف والمذاهب والأديان، وتحقيق ازدهارهم وقوتهم ومنعتهم، وبناء شيء مُحرّم عليهم بناؤه، إسمه وطن؟ 

لماذا لا يتفق اللبنانيون، مرة واحدة وإلى الأبد، على من هو عدوّهم الحقيقي ومن هو صديقهم الحقيقي، فيتفقوا، حينئذ، على طريقة واحدة للتعامل مع هذا ومع ذاك، بحسب ما تقتضيه مصلحة الشعب اللبناني من وحدة وأمن وقوة وحماية ومناعة وسلام وكرامة وازدهار وسعادة؟ 

  لماذا لا يتعلم اللبنانيون شيئا من مآسيهم المتكررة عبر تاريخهم الدموي المحزن، وينتفضون ضدّ أنفسهم وضدّ عبادة أصنام الزعيم والعائلة والطائفة لا ضدّ بعضهم البعض، وضدّ الغرباء محبّي الإصطياد في الماء العَكِر وزارعي بذور الفتن في تربة زعماء الطوائف وتربة اتباعهم الخصبة؟ 

لماذا، في نهاية الأمر، لا يتفق زعماء الطوائف معا، في عمل "تضحية" عظيم بعنفوانهم وكبريائهم وانانيتهم، على البدء بوضع حدّ لتدخلات الخارج المُذِلّة والمؤذية للشعب اللبناني بأسره؟ ليتهم يعون ويتيقنون بأنهم، لولا اطماعهم بالمال والسلطة والعظمة، لما تجرّأ أحد على التدخل بشؤون لبنان والعبث بأمن الشعب اللبناني وحياته ومصيره، وهم وحدهم، اي الزعماء، يظلون بمنأى عن نتائج هذا التدخل السيئة، كونهم يملكون القصور والحصون والحماية والحصانة والمال ووسائل الإنتقال الخاصة السريعة الى فنادق شواطىء أوروبا ومنتجعاتها السياحية، حيث يجدون الأمان والدفء على مقربة من مصارفهم؟ 
   
من واجب اللبنانيين، شعبا ونُخَبًا وساسة، طرح الأسئلة هذه، بجرأة، على أنفسهم وعلى بعضهم البعض، وإعطاء الأجوبة المقنعة لها بصدق، في عملية فحص ضمير ذاتية وعلنية قاسية. فلتكن البداية في أجواء الحوار الآتي. الموضوع يكمن في وعي أسباب الخلاف والإنقسام بين اللبنانيين من قبل النخب المتحاورة، أولا، والإتفاق عليها، ثم من قبل كل اللبنانيين، ومحاولة إزالتها بإيجاد الأجوبة والحلول الكفيلة بذلك. إن الوحدة، وحدة الشعب، هي نتيجة الحوار المطلوبة لمجابهة الأخطار والإنتصار عليها. أما الأسباب التي تجعل من لبنان بركانا دائما قابلا للإنفجار كلما شاء الغرباء وبتواطؤ من زعماء الطوائف، كما يدلّ التاريخ القديم والحديث والحاضر، على ذلك، فمجابهتها، بشجاعة وصدق وسرعة، أمر حيوي، ضروري. على المتحاورين الإقرار بأن الإتكال على الخارج للإستقواء على شركاء الوطن في الداخل لا ينفع شيئا في بناء وطن، إن كانوا حقا يريدون بناء وطن، والحفاظ على رسالته، إنما يدمّر هذا الوطن وهو ما يزال بعد، في المهد، مشروع وطن ومشروع رسالة. لذلك، عليهم أن يقرِّروا نهائيا وقف الإتكال على هذا الخارج، مع الإبقاء، إن امكن، على صداقته. ثم عليهم أن يقرِّروا بأن يَصْدُقوا مع الشعب، وأن يكونوا خداما له، وأن يكفّوا عن التحالف، ضده، والكذب عليه، ومدحه، واستغلاله، وفرض الضرائب عليه والإستدانة بإسمه، وسرقة ماله، وتفريغ خزينة الدولة، خزينته، وقمعه وسجنه واخافته، إن شكك بنواياهم، وخاصة بعصمتهم وكمالهم (كما يتوهمون)، واعترض وتظاهر وصرخ من الوجع وطالب بحقوقه، وكل همهم منصب على بناء عروش أمجادهم وكبريائهم وعظمتهم.

في نهاية الأمر، وبكل بساطة، على اللبنانيين، ساسة وشعبا، أن يقرروا إذا كانوا حقا يريدون الحياة، معا، بسلام وكرامة، ومناعة ضدّ كل الشرور، في وطن واحد، وإلا فليهاجر كل الشعب اللبناني الى بلاد الله الواسعة في هذا العالم أو في العالم الآخر، تاركا لبنان للزعماء وحدهم. 

إن استفتاء الشعب، مصدر كل السلطات، أمر مهمّ. على المتحاورين أن يتواضعوا ويلجأوا الى الشعب رأسا، لا من خلال الإعلام فقط، ليسمعوا صوته ويحترموا كلمته ورأيه، وليتيقنوا جيدا أن الشعب لا يريد إلا السلام والمحبة والإزدهار والكرامة، لا الحرب والحقد والفقر والذلّ. 

المهمّ أن تبدأ تجربة الحوار الرصين، الواعي، وبأسرع وقت، بين كل اللبنانيين، من خلال نخبهم وزعمائهم، لإزالة كل خطوط التوتر العالي التي تمنع التفاهم وتخلق النفور والحقد. بعد ذلك، كل شيء يهون، ويمكن البحث في كل المسائل ونقاط الخلاف بينهم، بشكل صادق، وحرّ، وغير خاضع لضغوط خارجية. 

يمكن للبحث أن يتمحور حول الآتي، تبعا لأولويات يقرّرها المتحاورون بحسب حكمتهم ورجاحة عقلهم، ومنطقهم السليم المقنع، مستلهمين، فقط، تحقيق مصلحة الشعب اللبناني، ونيتهم الصافية وإرادتهم الصالحة، ورؤيتهم الواضحة للمستقبل، في سبيل خدمة هذا الشعب والإستجابة لحاجاته: 

 -قانون إنتخابات جديد، نسبي، خارج القيد الطائفي، خال من بدعة الصوت التفضيلي واللوائح المغلقة، يشمل كل الوطن، يكون مقدمة لاختبار تجربة فريدة، مفيدة، شيقة، تمهيدا لتبنّي نظام علماني، في المستقبل غير البعيد.

 -تقليل عدد النواب الى النصف كما عدد الوزراء. 

-انتخاب رئيس للجمهورية رأسا من الشعب. 

 -التعيينات على كل المستويات الحكومية، بحسب مبدأ المناصفة بين المسيحيين والمسلمين كما جاء في ميثاق الطائف. 

-البحث في الطرق الفضلى لتحسين الأداء في تطبيق هذا الميثاق وسدّ الفجوات أو الثغرات المكتشفة من خلال التجربة والممارسة، وتجنب الخلافات السخيفة والمفتعلة الدائمة حول تفسير الدستور والصلاحيات والحصص. 

  -موضوع الغبن اللاحق ببعض الطوائف وتصحيح الخلل. -صلاحيات رئيس الجمهورية المجتزأة في اتفاق الطائف، ومناقشتها بكل حرية وشفافية. 

               -رفع يد الساسة عن القضاء ورد الإحترام لرسالته السامية في إحقاق الحق وممارسة العدل.  

               -وقف هدر مال الشعب في اتباع سياسة الاستدانة الممنهجة وإغراق الشعب بالديون الى الأبد، ووقف الإنفاق العشوائي دون رقابة، ومحاربة الفساد، ومحاسبة الفاسدين ومثولهم أمام القضاء، واسترداد المال المنهوب، إن أمكن، ومهما بدا ذلك أمرا شبه مستحيل. 
   
               -مشكلة تسليح الجيش المفتعلة والمزمنة لأسباب باتت غير خافية على احد، وحلّها حلًّا نهائيا مشرِّفًا للجيش وللوطن. 

               -وجود المقاومة وتقديره وتثمينه، والكفّ نهائيا عن التشكيك الظالم، المغرض، العبثي، غير الواقعي، غير المنطقي، غير الاخلاقي، بجدواه وشرعيته، وعن مقاومة هذا الوجود، من قبل بعض الأفرقاء الطائفيين، عشاق المال وحياة الرفاهية، المرتبطين بمصالح مالية و/أو قرابة الروح والدم، مع دول خارجية تريد رأس المقاومة، في الوقت الذي لا يستطيع الجيش، وحده، وهم يعلمون ذلك جيدا، مقاومة الكيان العنصري الإرهابي، إسرائيل، ومشتقات هذا الكيان الإرهابية. 

               -بحث موضوع نظام علماني للشعب اللبناني، كحلّ مثالي يريح اللبنانيين من مشاكل وأمراض ومصائب أنتجها النظام الطائفي وسوء استعماله من الزعماء، مهما بدا ذلك البحث صعبا في الوقت الحاضر. 

               بالمختصر، يمكن بحث إعادة تكوين السلطة من جديد، بدون خوف وحذر، وبطريقة عادلة، كما يدعو المخلصون إلى ذلك، وإرساء أرضية سليمة، صلبة، للحوار حول كل شيء. 

               ولكن، من أولى الأولويات في الوقت الحاضر، نكرّر، إنما هي وحدة اللبنانيين، وطمأنتهم على حاضرهم ومستقبلهم، امنيا (بناء الجيش) واقتصاديا (عدم فرض ضرائب ورسوم عليهم، وعدم المس بالأجور المتواضعة، بل رفعها)، واحترام رأيهم ووجودهم وعدم فرض أي شيء عليهم (بناء سدود، مدّ خطوط التوتّر العالي فوق البيوت...) دون إقناعهم بجدواه، وعدم إعطائهم الحجة للتظاهر والإعتراض سلميا، وعدم قمعهم إن هم فعلوا ذلك. 

               إن لبنان مهدّد كل يوم بمزيد من الأخطار. انه دائما في عين العاصفة المجنونة، عاصفة "العولمة". ينبغي عدم إضاعة الوقت في التلهي بالتفاهات. إن الحوار، الآن، من أجل وحدة الشعب، رغم كل الخلافات والتناقضات، لا بل بسببها، ومنعا لتفاقمها المتزايد مع الوقت نتيجة تجنب الحوار والإتفاق حولها، أمرٌ ضروريٌّ جدا ومُلِحٌّ. 

               أما البحث في وجوب تعديل ميثاق الطائف، كما يلمّح البعض احيانا، فهو يأتي بعد إنقاذ لبنان، الآن، وقبل فوات الأوان، من خطر الزوال، خاصة من الخطر الاكبر، ألا وهو "صفقة القرن" الذي لن يكون الشعب اللبناني بمنأى عنها، كما يتوهم البعض، مع ما تجره من فرض توطين للاجئين الفلسطينين والنازحين السوريين، وسيف الديون المتراكمة، المخيفة (منذ بدأ بعض الساسة انتهاج سياسة الاستدانة الخبيثة بعد "اتفاق الطائف"، وتناوبوا على حمل لوائها وشعلتها حتى الساعة)، مُسلطٌ على رقاب اللبنانيين، كوسيلة لابتزازهم من أجل اجبارهم على القبول، في الوقت المناسب، أي حين يصرخون من الوجع وينهارون من التعب والإرهاق (وها هم قد بدأوا بإعلاء صراخهم)، بالتوطين، ثم بتطبيع العلاقات مع الكيان اليهودي العنصري في فلسطين. 

               إذًا، وفي نهاية المطاف، وكما أصبح واضحا، ينبغي أن تكون أولوية الحوار وغايته، اليوم، توحيد الشعب اللبناني كله حول فكرة لبنان وطن الرسالة، ودعم وتقوية كل مؤسسات الوطن السياسية والتربوية والعسكرية والأمنية والقضائية والمالية، مع بحث كل الأمور الأخرى الحيوية المستعجلة، المعروفة، التي تهم الشعب، دون انتظار تلاشي الأخطار الداهمة، لان الأخطار هذه، كما يبدو، لن تتلاشى في وقت قريب. 

               فلتَصْفُ القلوب، قبل كل شيء، إلى أن يحين الوقت الملائم لمزيد من الحوار حول النظام العلماني، الذي لا مهرب منه، في نهاية المطاف، مهما طال الزمن، ومهما حاول تجاهله أو تأجيله زعماء الطوائف الزمنيّون والروحيون حرصا على عروش سلطتهم وشهرتهم وعظمتهم ومالهم.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه