دائما ما يتكرر السجال والتهديد والتصعيد في منطقة الخليج بين واشنطن وطهران منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م حتى اليوم، فما أن تخفت لفترة معينة حتى تعود إلى الواجهة من جديد. ففي مطلع 2012م بلغت مرحلة التهديد حدودا مقلقة ثم توارت سريعا بظهور المارد الكوري الشمالي على مسرح المواجهة ليتحول التصعيد من الخليج العربي إلى خليج اليابان، ثم تكررت التهديدات وتصاعدت المخاوف من احتمالية انطلاق شرارة الحرب مجددا في عام 2013م وتلاشت أيضا تحت مبررات مختلفة مثل رفض البرلمان البريطاني مشاركة بريطانيا في أي حرب محتملة ضد إيران، وتشظي التحالف الدولي المعول عليه في ذلك الوقت، واليوم تتصاعد أيضا وتيرة التهديدات والتصعيد والإجراءات العسكرية في منطقة الخليج بعد انتهاء فترة الاستثناء الأميركي لتصدير النفط الإيراني، الأمر الذي رفضته إيران وأعلنت في اليوم التالي لانتهاء المهلة عبور ناقلاتها العملاقة مضيق هرمز في تحدٍّ واضح للولايات المتحدة ورفض قاطع للتحكم بمصير الشعب الإيراني والدفاع عن حقوقها المشروعة، وأكدت أن أي محاولة لإيقاف تصدير النفط الإيراني سيقابله إيقاف مرور النفط الخليجي بشكل عام، وأعلنت عن إجراء مناورات عسكرية بالقرب من مضيق هرمز وبتوقيت غير محدد كون ذلك أحد حقوقها السيادية في مياهها الإقليمية، وبالتالي لا تضمن سلامة الملاحة في الممر الملاحي الدولي خلال فترة المناورات، ويمثل عبور السفن الإيرانية العملاقة محملة بالنفط الإيراني حالة من التحدي في إطار المواجهة مع الولايات المتحدة وممارسة تعبر عن مفهوم السيادة الوطنية، وهي رسالة بليغة لواشنطن أنها تتعامل مع قوة إقليمية لديها من الأوراق ما يمكنها من التصدي للقوى الدولية كقوة إقليمية ترفض الإملاءات الخارجية، وعلى إثر ذلك قامت الولايات المتحدة بإرسال حاملة الطائرات الأميركية “أبراهام لنكولن” مع عدد من القاذفات الاستراتيجية “بي 52″ والسفينة الحربية العملاقة “أرلنجتون” وعدد من الطائرات الحربية من نوع “أف 15″ و”أف 35″، إضافة إلى مناقشة خطة نشر 120 ألفا من القوات الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، في مشهد ينذر بأن المواجهة قد اقتربت وعلى العالم أجمع أن يضع في الحسبان تأثيراتها وتداعياتها المحتملة، فجاء الرد الإيراني على لسان عدد من قياداته العسكرية بأن حاملة الطائرات “لنكولن” ستكون هدفا سهلا في متناول الصواريخ الإيرانية وكذلك القطع والقواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة، والتأكيد على جاهزية القوات المسلحة الإيرانية للرد على أي اعتداء بما تملكه إيران من قدرات عسكرية متنوعة، وبالتالي فإن المصالح الأميركية في المنطقة معرضة للخطر في حال حدوث أي مغامرة، إذن بلغت المواجهة ذروتها على صعيد التهديدات والتصريحات والحرب النفسية وحتى كتابة هذه السطور لا يعلم ما تخفيه الأيام القادمة .
كل تلك التهديدات والتصعيد والحرب الإعلامية والتصريحات ما برحت تخفت ثم تعاود الظهور بين الطرفين الأميركي والإيراني في ظروف ومواقف سياسية مختلفة، سواء ما يتعلق بالملف النووي الإيراني أو العلاقات بشكل عام بين الطرفين، علما أن إيران وقعت مع ما سمي بمجموعة “5+1″ اتفاقا نوويا يعتبر نقلة نوعية متقدمة في سبيل إغلاق هذا الملف الذي خاضت من أجله طهران مفاوضات طويلة وشاقة مع القوى الدولية وخضعت بسببه لعقوبات متعددة خلال الفترة الماضية، إلا أن إيران طوعت تلك العقوبات والحصار المفروض عليها بامتلاك العناصر التي تؤمن مستقبلها.
المواجهة الإعلامية إن صح التعبير بين الطرفين ترتكز على محددات ومعطيات حقيقية، فعندما يتحدث القادة في إيران أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تشن حربا على إيران لسببين وهما القدرات التي تمتلكها الجمهورية الإسلامية، إضافة إلى أن القواعد الأميركية وقطعها الحربية ليست في مأمن وستطولها الصواريخ الإيرانية، فهؤلاء القادة يتحدثون عن ثقة تامة بما وصلت إليه القدرات الإيرانية، ويعلمون جيدا أن الإجراءات والتجهيزات الحمائية الأميركية حول قواعدها ومنشآتها لا تستطيع منع وصد كل التهديدات الصاروخية المتوافرة لدى إيران، كما يتوافر لإيران العمق الذي يمكنها من احتواء الضربة الأولى، وهناك عدد من العناصر الأخرى مثل الحالة الداخلية المتماسكة حول المرجعية في إيران، والروح الفدائية التي يتمتع بها الشعب الإيراني، وأي حرب في المنطقة ستشعل حربا عالمية، أضف إلى ذلك أن القوى الدولية تعلم جيدا ماذا تعني مثل هذه الحروب من خسائر فادحة على الطرفين، فلو اشتعلت الحرب ليس من السهل إنهاؤها حسب رغبة الطرف البادئ بها وقد تتجاوز كلفتها المادية بتراجع القوة الأميركية على الصعيد الدولي، وهذه الحقيقة ليست غائبة عن الجميع والولايات المتحدة تدرك ذلك جيدا، وتعلم أيضا أن هناك قوى دولية أخرى تتمنى انزلاق واشنطن في مستنقع جديد؟!
إذن الحرب في الخليج لن تقوم، وما يتعلق بوجود القطع الحربية الأميركية في المنطقة هي مجرد حرب نفسية، واستمرار تشغيلها لأي مدى زمني قادم لن يؤثر على واشنطن ولن يكلف خزينتها شيئا يذكر، فحلفاؤها هم المعنيون بدفع تكاليفها، إضافة إلى أن وجود تلك القوات قد يحقق أهدافا ثانوية أخرى للولايات المتحدة منها مراقبة تسلح إيران وبرنامجها النووي، وكذلك التعويل على اتفاقات جديدة مع طهران تأمل أن تحقق لها بعض المكاسب، أما الحرب فهي ليست واردة في مثل هذه الظروف .

المقال يعبّر عن وجهة نظر و رأي كاتبه