السادس عشر من شهر تشرين الأول 1976 لم يكن يوما عادياً في قريتي القابعة فوق تلةٍ تحيط بها مجموعة من الهضاب التي لا يتجاوز ارتفاع أعلاها السبعماية متر ، الفصل خريف و الرياح الباردة تلفح وجوه القرويين الذين أُخرجوا من منازلهم بالقوة  ، تحت فوهات بنادق من يُفْترضُ أنهم جيران العمر، من أهلِ قرى مجاورةٍ أغراهم عدوٌّ لئيمٌ غاشم على حمل السلاح إلى جانبه يقودهم جهلةٌ أغبياء ، لم يحترموا ولم يدركوا حقّ جارٍ لم يُسء لهم يوماً عاشوا بجيرته بأمن وأمان لعقود خلت ، وإنّما تغذوا بحقد الطائفية التي نشبت مخالبها في جسد الوطن منذ الثالث عشر من نيسان 1975 عندما إندلعت شرارة الحرب الأهلية في بيروت .

"حانين" تلك القرية التي كان الأجداد والأباء الذين لم يكن يتجاوز عددهم المائتي شخص  قد ذاقوا فيها مرارة الظلم وذلّ التهجير عام 1920 لأربع سنين على أيدي المستعمرين الفرنسيين دون أي مبرّر ، فقط لأنهم كان عليهم أن يدفعوا ضريبة أحداث ذلك العام في قرى جبل عامل بين  المجاهدين المعارضين للإحتلال الفرنسي وجنود الإحتلال وأعوانه ومرتزقته المؤيدين له.

 

كان قد مضى حوالي ثلاثة أشهر من المعاناة من جرّاء محاصرة القرية من قبل مرتزقة الصهاينة لا يخرج منها ولا  يدخل إليها أحد إلا تسلُلاً عبر الأودية وتحت وابلِ رصاصِ القنص ،والسبب رفضُ جميع سكانها التعاون مع االكيان الصهيوني وعملائه ممن كانوا قد حملوا السلاح إلى جانبه بعد تلقيهم تدريباً عسكريا داخل الأرض المحتلة. 

في السادس عشر من تشرين الأول 1976 كان قد مضى يومان على القصف المدفعي العنيف على مداخل القرية وأحيائها من مرابض مدفعية الإحتلال داخل فلسطين ومن القرى المحيطة بالبلدة وذلك مقدّمة لاقتحامها الذي حدث بعد مقاومة جريئة من مجموعة من شبّان البلدة الذين ما كانوا يمتلكون سوى بضعة بنادق حصلوا عليها من الأحزاب الوطنية التي كانوا ينتمون إليها  ولم تكن تلك البنادق لتستطيع الصمود أمام المدفعية والرشاشات الثقيلة التي كانت تحملها المصفحات والسيارات العسكرية، خاصة وأن مجموع المدافعين عن القرية لم يتجاوزوا بضعة عشر شخصا، لأن غالبية الشباب كانوا قد غادروا القرية أثناء الحصار علّهم يجدون فرصة عملٍ خارجها لتأمين معيشة ذويهم المحاصرين، وهاجر معظمهم إمّا إلى العراق وليبيا أو إلى بعض دول الخليج العربي.

أقتحم عملاء الصهاينة القرية تحت إشراف ضباطٍ صهاينة ، وارتكبوا مجزرة  ذهب ضحيتها تسعة من الأهالي من بينهم فتاة تمّ تقطيعها إلى أشلاء ورجلٍ تم قتله بعد إعتقاله من بين الأهالي الذين جمعوهم وسط البلدة . دخل العملاء المنازل ونهبوها وأشعلوا النار في بعضها.

 أُرغِمَ من تبقى من سكان القرية على مغادرتها تحت التهديد بالقتل لمن يبقى ، وهكذا فرغت من سكانها الذين توزعوا على قرى ومدن الجنوب وبيروت وبعضهم وصل الى البقاع . 

 انتشرت أنباء سقوط القرية بيد الصهاينة وعملائهم وتناقلتها الوسائل الإعلامية المحدودة في ذلك الوقت ، ووصلت إلى أسماع المهاجرين من ابناء البلدة ، فعاد غالبيتهم  إلى لبنان والتحق معظمهم في صفوف المقاومبن  من أحزاب الحركة الوطنية في القرى والبلدات القريبة من القرية.. وبعد فترة وجيزة بدأوا بخوض العمليات العسكرية ضد الصهاينة وعملائهم على أمل أن يستطيعوا طرد الغاصبين وتحرير القرية، ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان لديهم حيث اجتاح الجيش الصهيوني الجنوب عام 1978  وصولا إلى أطراف مدينة صور ، وعندما تراجع إحتفظ بما تمّت تسميته الشريط الحدودي ومن ضمنه القرية. وتكرر الاجتياح عام1982 ووصل إلى مدينة بيروت.

كان الأهل وأفراد الأسرة قد تنقلوا من بلدة إلى أخرى  حتى استقر بمعظمهم السكن في أحد أحياء بيروت لا سيما بعد إجتياح 1982  .

 

   ومضت السنون الواحدة تلو الأخرى  واشتدت عمليات المقاومة التي اشتد ساعدها وقوي عضدها مع ظهور المقاومة الإسلامية وأنضم إليها  عدد لا بأس به من أبناء البلدة وبدأ  الأمل يكبر  مع اشتداد العمليات العسكرية ضد المحتل وأذنابه من العملاء ، فأُجبروا على الإنسحاب من بيروت ومن ثم الجبل وتبعهم تحرير مدن صيدا وصور  

كان أكثر ما يتمناه الحاج أبو خليل الذي تجاوز الثمانين من العمر  هو العودة إلى قريته وأن يدفن في ثراها ،كان هذا هو حلمه مثله مثل جميع أبناء البلدة لا سيما من تبقى من كبارها على قيد الحياة.

 طالت فترة التهجير وفقد الأمل بالعودة، وكنت أشحذُ فيه  روح الأمل  من خلال الحديث عن أننا سنعود  ولكنه كان يجيب :

__ الفلسطينيون لا زالوا يحملون مفاتيح منازلهم في فلسطين منذ عشرات السنين  ولم يعد أحد منهم , ونحن أصابنا مثلهم، وكنت  أجيبه :

__ لا  سنعود إن شاء الله  بهمّة المقاومين الذين يواجهون العدو في كل مواقعه ،فها هي جميع المناطق تحرّرت وسيتحرر الشريط الحدودي ونعود وسنعيد بناء المنزل أفضل مما كان، أجابني  :

__إن شاءالله ، نذرٌ عليّ إذا عدتُ  سأنام على (السُويّْدة ) التي هي أمام المنزل . أجتبه :

__أظنها قد يبست وماتت ، أجاب:

السُوّيْد لا يموت..

وفي مساء أحد الأيام بعد بضع سنين مررت لألقي عليه التحية كالعادة فوجدته يجلس على الكرسي بالقرب من التلفاز ويراقب الشاشة وفاجأني قائلا :

__سنعود قريبا إن شاء الله ، سألته ما الذي جعلك تبدّل موقفك من اليأس الى الأمل ؟قال:

__لم يكن لدى الفلسطينيين مثل هؤلاء وأشار إلى صورة مجموعة من المقاومين يقتحمون أحد المواقع الصهيونية في تلال "جبل علي الطاهر"، وأردف لو كان لديهم مثل هؤلاء لعادت فلسطين .

 

ومن يومها  عادت روح الأمل اليه ، ولم يخب ظنه .

 ها هو فجر اليوم الثالث من أيام  التحرير قد بزغ وثمار الشهادة قد حان قطافها، فما من حقٍّ يعود  إلا بإصرار أصحابه وتضحيتهم ، وما من أرض جلا عنها مستعمرٌ إلّا بعد أن يُمَرّغ أنفه في وحْلِ الهزيمة، وأرضُ الطهر في جنوب العزّة والكرامة لم تتحرر إلا بعد أن أرتوت بدماء مئات الشهداء ومن بينهم كوكبة طاهرة من أبناء "حانين " .

وها هو الحاج يستعجلني للوصول إلى حيث مسرى أجداده وآبائه إلى أرضٍ روى وِهادها ورُباها ودروبها بعَرقِه 

 غادرها قصراً منذ 24 عاماً ووصلنا ، ولم تكد السيارة تتوقف حتى رمى  بنفسه خارجها ، وسجد على التربة أمام ما كان يوماً يسمى منزلاً وأصبح أثراً بعد عين , سجد باكياً شاكراً حامدا.

نهض من سجدته إتّجه ناحية(السُويّْدة) تمدد عليها واضعاً خدّه على شوكها  القاسي وسالت الدماء من وجْنتِهِ وبر َّ بنذرِهِ ووفّاه.

وأثمرت الشهادةُ نصراً وتحريرا.

وحقّق دم الشهداء حُلمَ الوالد  بعد ثمان من سنيِّ التحرير ،فاحتضن ثرى 

"حانين"جثمانه بين دفّتيْه قرير العين مطمئناً أنّ ما حدث في السادس عشر من العام 1976 لن يتكرّر  طالما أنّ هناك رجالاً أعاروا جماجمهم للّه وباعوا دنياهم بآخرتهم.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه