إنّ الإصغاء وظيفة عظيمة للعقل البشري، مرتبطة بوظائفه الأخرى كالتفكير والنطق والإرادة والتخيّل. إنه يعني الإنصات بصمت، وإنتباه، ووعي، ودقّة، وصبر، وإحترام، إلى ما يقوله الآخر، لخلق إمكانية إستقبال وتقبُّلِ لأفكاره بوضوح، وفهم طريقة ومعنى تفكيره وشعوره، ومعرفة كيفية الردّ عليه ومناقشته وقبوله أو رفضه أو الإتفاق معه على قواسمَ مشترَكةٍ وحلّ وسطيّ، تَجنُّبا لأي سوء تفاهم ولأي نفور وعنف، في جوّ أيّ حديث أو أي حوار حول أي موضوع. إن الحوار، بحدّ ذاته، مبنيّ على تبادل أفكار، لا تسابق فيه ولا تنافس على الكلام، ولا نيّة إهانة واحتقار ورفض وفرض آراء، وتحجيم، وتفوّق واستقواء وسيطرة، ولا تحقيق غلبة لشخص ضدّ شخص آخر أو لفريق ضدّ فريق آخر، بين المتحاورين. في جوّ الحوار الجيّد، الذي يدور ويتمحور حول صراع أفكار عقلاني، موضوعيّ، لا صراع أمزجة وغرائز، لا بدّ أن يُفضِيَ هذا النوع من الحوار الراقي إلى تفاهم ما، واتفاق ما، حول مسألة ما.

               لن نبحث، هنا، عن الإصغاء عند كل من له أذنان سليمتان تسمعان، في تفاصيل العلاقات الإنسانية الشاملة لكل الأعمار ولكل ميادين النشاطات الحياتية، أي بين الأهل والأبناء، على سبيل المثال، وبين المعلمين والطلاب، وبين رئيس ومرؤوس، أو في تفاصيل عملية تنصّت الإنسان وإصغائه إلى الغناء والموسيقى أو إلى أصوات الطبيعة والحيوانات، حيث يجتهد الموسيقيّ والعالِم والشاعر والفنان والفيلسوف في اكتشاف ماهيتها وأسرار جمالها.

               يهمّنا، في الحقيقة، أن نحصر اهتمامنا في محاولة استكشاف موضوع الإصغاء في لبنان، حيث لا تنقطع أبدا الدعوات إلى الحوار بين الأفرقاء المتخاصمين على الدوام، وأن نسأل أنفسنا السؤال التالي:

               إلى أي مدى يُصغي الناس، شعبا ونُخَبا وساسة، إلى بعضهم البعض، في أحاديثهم وفي حواراتهم الوطنية؟

               إنه أمر معروف أنّ الإصغاء هو العنصر الضروريّ والأهم لفهم وتفهُّم ما يقوله الآخر، شفهيا أو كتابة، في أي حوار يُراد له أن يكون ناجحا ومثمرا، بين طرفَين أو أكثر، أفرادا وجماعات. الحوار الرصين هو عكس الثرثرة. الحوار له هدف وأسلوب ونيّة، والإصغاء حاجة مُلحّة لا غنى عنها، لإنجاحه. أما الثرثرة فهي للتسلية وإضاعة الوقت، ولا مكان لها في جوّ الحوار.

               إن السَّمَعُ يأخذ معنى سطحيا بالنسبة لمعنى الإصغاء العميق، وهو، بالطبع، شرط أساسي للإصغاء. كلنا نسمع بشكل عفوي، طبيعي، دون الحاجة إلى التفكير كما يتطلب الإصغاء. الإصغاء أصعب بكثير من الكلام، وهو يتطلب مجهودا ذهنيا أكبر من مجهود الكلام، يجمع بين نشاط الإرادة والعقل والقلب، من أجل تحمّل الصمت بصبر، لتلقّي الرسائل الصوتية المُرسلة من الآخر، ولخلق إمكانية التواصُل مع الآخر، بجدية وشفافية وفاعلية وإيجابية.

               سوف نحاول إلقاء بعض الأضواء على موضوع الإصغاء في لبنان، بإعطاء بعض الأمثلة من صميم واقعنا، تاركين للقارىء حرية اكتشاف المزيد من الحالات التي تدلّ على ضعف القدرة على الإصغاء في مجتمعنا.

               في لبنان، وطن الحزن والهموم والقلق والإحباط والمشاكل والفوضى والضجيج والعجيج وسوء التفاهم والغد المجهول، كل إنسان عنده شيء يقوله، ويتطلّب، بإلحاح، من الآخرين، الإصغاء إليه. في لبنان، معظم الناس (رجالا ونساءًا)، حتى في الجلسات الحميمة، يتكلمون دفعة واحدة وفي الوقت عينه، ولا أحد يصغي إصغاءًا جيدا لأحد. وأحيانا، قبل أن يكمل الإنسان حديثه مع الآخر ليوضّح له أفكاره، يلقى الردّ السريع المعاكس المشاكس، ويتمّ القفز إلى موضوع آخر، أو إنهاء الحديث.

               في كل المحلات العامة، وفي البيوت، وعلى الطرقات، الناس يريدون فقط أن يتكلموا، ولا أحد يريد أن يسمع أو يصغي. وإن أراد أحدهم أن يسمع، فهو يسمع، ولكنه لا يصغي، ولا يتجاوب وينسجم كما يجب، بعفوية وسلاسة ولياقة واحترام، مع مُحَدِّثِهِ. لا أخذٌ وعطاءٌ، كما يُقال. لا إصغاء. يمكن لحديث بسيط عن الطقس بين شخصين أن يتحول إلى مشادّة وتنافس في معرفة أمور الفلك. والحديث عن السياسة، في غياب الإصغاء إلى الآخر واحترام رأيه، يؤدي إلى تنافر. حتى التحيّة على براءتها وبساطتها، أصبحت آلية، ببغائية، يلقيها الناس على بعضهم البعض بسرعة، ويُكمِلون طريقهم بسرعة، دون انتظار الجواب: أهلا، كيف الحال؟ ما هي أخبارك؟ وتهمّ، من باب اللياقة والإحترام، بأن تقول شيئا وتردّ على التحية الجميلة بمثلها، ولكن، لِمَنْ، وقد أدار الشبحُ ظهرَهُ واختفى؟

               وإذا التقيت صدفة بشخص تعرفه من زمان، وبدأت بإخباره، بعد أن يبوح لك باشتياقه الشديد اليك ويسألك عن صحتك، وسبب غيابك وانقطاع أخبارك، وعدم رؤيته لك من زمان، أنك مررت بوعكة صحية معينة، أو بظروف صعبة معينة، وأنك...، يقاطعك ويبدأ بالمزايدة عليك بإخبارك عن وعكات صحية أصعب قد مرّ هو بها، وعن أسماء ادوية أخذها، وأسماء أطباء استشارهم، وعن حالات وظروف أصعب مرّت عليه، وينسى وجودك، ويختم الحديث، ويتركك وحدك في حالة حيرة، وذهول، وصمت... وإصغاء.

               وأما الكبار في السنّ فهم يشكون دائما من هذا الجيل الطالع الطائش، الذي لا يسمع ولا يصغي ولا يفهم، ولا يقدّر قيمة النصيحة المجانية، بعكس أيام زمان حين كانت "النصيحة بجمل"، وكان الناس يصغون إليها. وهم يُنذِرون ويُحَذِّرون بأننا نعيش آخر الأيام.

               في الإعلام، كل إعلامي يغنّي على هواه، ويطرب لصوته الدراماتيكي الشجيّ. المهمّ، بالنسبة له، أن يُرضيَ كل الأذواق ويُطْرِب كل الآذان، خاصة أذواق وآذان المموِّلين. والناس المستمعون يطربون للصوت والصورة وحيوية الموسيقى وصخبها، قبل، وبعد، وفي نهاية كل خبر وتعليق، وهذا يكفي.

               الساسة، وهم لا يصغون أبدا لصوت الشعب (ولو افتعلوا ذلك أحيانا لغاية في نفس يعقوب)، يتكلمون علنا عن حقوق الشعب، ويتناقل الإعلام ما يقولونه، والشعب يسمع ويرى ويقرأ ويطرب لما يقوله ساسته، ولكنه لا يصغي ولا يبصر ولا يفهم، ولا يتخذ أو يغيّر موقفا من القضايا المطروحة، لأن خياره نهائيّ، ومع زعيمه فقط. إنه عرض متواصل لحفلات "طرب" من إخراج الساسة والإعلاميين، تحت عنوان "ما يطلبه المستمعون"، لها جمهورها الخاص، المصدِّق، والمصفِّق، والمتحمِّس، والمخدوع، والسعيد بحاله.

               في حديث السياسة، تعلو أصوات كل الناس، من شعب وإعلاميين وساسة، وتكثر المعاكسات والتحدّيات، وتتصارع المتناقضات، إلى حدّ تبادل الإهانات والشتائم والتهديد بالضرب، وكل الناس على حقّ، ولا أحد على خطأ، وكل الناس يملكون هم وحدهم الحقيقة والفهم الكامل والصحيح لكل ما يجري في الوطن وفي العالم، ولا لزوم لأي نقاش، ولأي بحث، ولأي حوار، ولأية مراجعة ذاتية، ولأي إصغاء. وفي هذا الوقت الضائع، تتزايد وتتكاثر المصائب على شعب الوطن وحده، لا على زعماء الوطن وحاشيتهم من حراس وإعلاميين، بشكل مخيف.

               حتى في الأمور الروحية، الناس (ساسة وشعبا) يصلّون باستمرار وبكثرة إلى الله، ولا يصمتون لحظة واحدة لكي يصغوا، في جوّ تأمل وتقبّل وتواضع، إلى صوت الله الخفيّ، صوت الضمير الحيّ في قلب كل إنسان. والطريف أنك تسأل أكثر من شخص عمّا قاله الواعظ في موعظته الأسبوعية في دار العبادة، حيث الجوّ مُشبَع بالهدوء والصفاء والصمت والإصغاء الخاشع الكامل، فتلقى، دون أية مبالغة، الجواب عينه: "لست أذكر جيدا، الآن، كل شيء. ولكنها كانت موعظة جيدة كالمعتاد". والنتيجة هي واحدة: قليلون جدا هم الذين يحسِّنون تفكيرهم وأخلاقهم وسلوكهم، لأنهم، بكل بساطة، يُصْغُونَ بتواضع وصمت إلى صوت الواعظ وصوت ضميرهم.

               في لبنان، وطن المآسي والضجيج والثرثرة وسوء التفاهم والحيرة، يُؤثِرُ الإنسان الحساس، الواعي، الحكيم، الذي يعرف كيف ومتى يتكلم أو يسكت أو يصغي، الصمتَ والتأمّلَ، تجنبا للمتاعب وأوجاع الرأس، وطلبا للسكينة والسلام النفسيّ والروحيّ، في وطن قد تحوّل إلى ابراج بابل شاهقة العلوّ تتسابق في نطاح سحاب السماء، ومسكونة بالكبرياء والأنانية وجنون العظمة والضجيج، حيث الكلام أصبح ثرثرة وإدمانا مريضا. إن الجميع، في هذه الابراج، شعبا ومسؤولين ونخبا من كل الأصناف، يتكلمون بكثرة وبصوت عال، ولا أحد يصغي لأحد، ولا أحد يفهم على أحد، ولا أحد يعترف بوجود أحد، ولا أحد يعترف لأحد بشيء، والكلُّ معجبٌ بنفسه وراض عنها، وغير معجب بالآخرين وغير راض عنهم. إن الذين يجيدون فنّ الإصغاء والتفهّم والتفاهم، في لبنان، قليلون جدا، ولا مكان لهم في حضرة ملوك الثرثرة الكثر، المتربِّعين على عروش أبراج بابل اللبنانية.

               ما هذا الذي يجري، يا ترى، في وطن الحضارة والحرف والإشعاع والنور، لبنان؟ لا أحد يصغي لأحد؟ لا أحد يتفاعل تفاعلا خيّرا، صبورا، محبّا، مثمرا، مع أخيه الإنسان، شريك الوطن؟ وهل يجوز لنا، والحال على ما هي عليه، أن نظلّ نستغرب، بألم بالغ، كيف أنه، رغم كل الهموم والمآسي، ورغم كل الأخطار والأعداء، لا يوجد أيّ تفاهم حقيقيّ، نهائيّ، بين أبناء الشعب اللبناني، أفرادا وجماعات ونخبا وساسة، حول الأمور الأساسية الوجودية، كالدستور وحسن تطبيقه، والقانون، وماهية الوطن، وماهية أعدائه وأصدقائه، والرؤيا السياسية والاقتصادية السليمة، المُوَحَّدَة، للمستقبل، ولا وجود لوحدة حقيقية تجمعهم غير الدعوات الدائمة على لسان المسؤولين عن مصير الوطن، بالكلام الرنّان الفارغ، إلى الوحدة والتفاهم، وغير ممارسة أصول اللياقات والمجاملات والتشريفات في مناسبات الأفراح والأتراح والإحتفالات الوطنية، وكلّها باطلة لا تفيد الشعب بشيء، فهي لا تخلق له عملا وكرامة، ولا تطعمه خبزا، ولا تلبسه، ولا تثقّفه، ولا تشفي أمراضه، ولا تسعده، ولا تطمئنه على مستقبله، ولا تمنعه من الهجرة، ولا تمنع عنه نزول المصائب تلوَ المصائب على رأسه باستمرار، من إرهاب وغلاء معيشة وديون وضرائب ورسوم وتلوث وأمراض، وغيرها؟

               إن هذا الوضع حقا غريب، عجيب، مضحك، محزن، ومقرف في آن معا، تزداد فيه ومعه رغبة وحدّة الضحك والبكاء والشعور بالقرف والإشمئزاز، خاصة حين يتحدثون في الإعلام عن حوار حصل أو سوف يحصل بين الساسة، حول أي موضوع. وقد خَبِرَ الشعب هذا النوع من الحوارات العقيمة من قبل، بين من ينتخبهم أكثر من مرة ليخدموه، وهم لا يخدمونه إلا بالكلام، ثم يعيد انتخابهم بحماس، بسبب صلات الرّحِمِ والطائفة والمذهب والخدمات والمساعدات الشخصية. إن المتحاورين يجيدون الكلام المتفذلك والتحدي والصراخ في وجه بعضهم البعض لتسجيل المواقف (وينقلون العدوى هذه إلى أتباعهم)، أكثر مما يجيدون الإصغاء إلى بعضهم البعض وإلى صوت الشعب وشكواه من أجل تلبية مطالبه وسدّ حاجاته الأساسية المعروفة.

               إن نُخَبَ الشعب الواعية تتساءل، أحيانا، بمزيج من مشاعر الغضب والقرف والعجز والحزن:  
       
               -ما فائدة هذه الحوارات الموسمية، المتقطعة، الصعبة، بين بعض الأفرقاء، لمصالح شخصية وتحالفات إنتخابية وسياسية ومالية مؤقتة، التي لا تدوم ولا تشمل كل أبناء الوطن، ولا تؤدّي إلى أي مكان؟
     
               -هل يكفي أن تحصل، أحيانا، حوارات، فقط لعرض العضلات، ولجسّ النبض، ولمعرفة "النوايا" وإعلانها بين أبناء الوطن الواحد أو أبناء "العائلات الروحية"، أو للتخفيف من إحتقان الشارع وحسب، في وطن نُلِحّ، رغم كل المؤشِّرات السلبية المتكاثرة يوما بعد يوم، على تسميته، ولو بشيء من الكآبة والحزن والمرارة، "وطن الرسالة"؟

               -هل هي، يا ترى، حوارات صادقة (حول توحيد الشعب، مثلا، ومستقبل الوطن، ودراسة لخطة إقتصادية مستقبلية شاملة)، أم أنها تمثيليات مؤقتة يُراد بها تمضية الوقت، وإلهاء الشعب (كما أصبح واضحا لفرط تكرار هذه التمثيليات العبثية العقيمة على المسرح السياسي) وإيهامه بأن ممثليه في الحكم بصدد حلّ كل المشاكل البيئية والأمنية والصحية والتربوية والتعليمية والمالية، وتخفيف الضرائب وغلاء المعيشة عن كاهله، ورفع أجوره المتدنية، ودرس ميزانية جديدة بدقة فائقة، تراعي كرامته وظروفه الصعبة ولا تزيدها ضعفا وسوءًا؟

               -لماذا ثمة دائما تبادل أدوار بين فريقين يتهم أحدهما الآخر بأنه يخالف الدستور ويستغله ويعاكس ويشاكس ويعرقل كل المشاريع والإقتراحات، ويتحدى الدولة ومؤسساتها، ويرفض الحوار، والشعب المحتار كل الوقت، لا يعود يعرف من يصدِّق، ويدفع، هو وحده، ثمن البلبلة بين زعمائه، وينجرّ وراء خلافاتهم وأحقادهم؟

               -لماذا ينتهي الحوار دائما دون نتائج مفيدة ودائمة للشعب اللبناني بأسره، على "أمل" خلافات جديدة في الآتي القريب، وحوار عقيم من جديد؟

               -لماذا، كلما اجتمع ساسة الحكم لدراسة أمر ما، يقول أبناء الشعب الواعين، الأحرار، الذين يرفضون أن يُلْدَغوا من جحر الأفعى أكثر من مرة: إن الساسة، كالمعتاد، ينجّرون خوازيق جديدة للشعب الفقير، الكادح؟

               من، يا ترى، أوصل الأمور إلى هذا الدَّرَك المعيب بين أبناء الوطن الواحد؟ ولماذا؟ وحتّام؟

               إذا كان الحوار هو المدخل الوحيد لحلّ كل المشاكل بين اللبنانيين، ولا شكّ أبدا بذلك، وإذا كان محتكرو الحوار هم "الأقطاب" أنفسهم الذين يحتكرون الخلافات المتكررة والقرارات في خلق المشاكل وإنهائها، وبدء الحوار وإنهائه، وقرار النزول إلى الشارع كلما تعكّر مزاجهم، لإشعال حرائق الفتنة وتخريب "البلد"، وإثبات قوتهم ووجودهم، ثم قرار الإنسحاب من الشارع حين يروق مزاجهم، وإذا كانوا حقا، كما يدّعون، يريدون الخير، كلّ الخير، لشعب وطنهم لبنان، لا لأنفسهم، فهذه أسئلة يوجهها لهم أبناء الشعب المقهورون، الواعون، الأحرار، غير العابدين لأصنام الزعيم والعائلة والطائفة والمذهب والمال، وغير الحاقدين على أحد:

               -ما قولكم وما رأيكم، بادىء ذي بدء، أيها "الأقطاب" المتحاورون، إن تنازلتم وتحاورتم، بممارسة الإصغاء المتواضع، في حوار جِدّي، صادق، لا مزاح فيه ولا تذاك ولا خبث ولا كيدية ولا باطنية ولا إدعاءات فارغة، ولا تبادل إتهامات بالفساد والجهل وقصر النظر وانعدام الوطنية والعَمالة للخارج، ولا تسويات سياسية واقتصادية خبيثة حول صفقات وعمولات وتقاسم أو تناتش حصص السلطة والحكم، حوارٍ يؤدي، مرّة واحدة وإلى الأبد، إلى إتفاق دائم فيما بينكم من أجل مصلحة الشعب اللبناني "العليا" فقط، لا اتفاق مؤقّت بحسب أمزجتكم المتكبِّرة، المريضة، وأطماعكم ومصالحكم الخاصة، حوارٍ يؤدّي إلى تحقيق مطالب الشعب وحاجاته الحيويّة فقط، من أمن وتربية وتعليم وعمل وأجور لائقة وحياة كريمة وحماية وأمان وسلام وضمانات صحية، ومياه نظيفة وهواء نقيّ وغذاء سليم ودواء خال من السموم وبيئة غير مشوّهة، حوارٍ يؤدّي، بكل بساطة، إلى التخفيف من أحمال الشعب الثقيلة ومن قلقه على المصير ومن أوجاعه وأنينه وصراخه، وإلى استرجاع كرامته وتحقيق وحدته وقوته؟

               -ما قولكم وما رأيكم، أيها "الأقطاب" المتحاورون، إن تنازلتم و تحاورتم، بممارسة الإصغاء المتواضع، في حوار جدّي، صادق، لا صراخ فيه ولا تلويح بقبضات اليد، يؤدّي، في فورة حميّتكم وغيرتكم على تأمين حقوق الإنسان اللبناني من الولادة حتى الممات، إلى السعي الدؤوب، من خلال دراستكم ومناقشاتكم ل"الموازنة"، لإعطاء العمال والموظفين والجيش والطلاب والأساتذة والشعب اللبناني بأسره وبكل أعماره، كل الحقوق والضمانات، ولكن، دون تواطئكم الخبيث (وأنتم تدعون الشعب إلى التضحية بذاته وماله، وتعدّونه، بخشوع شيطاني، لتقبل حكم الإعدام)، على زيادة الضرائب والرسوم على كاهل هذا الشعب وإرهاقه وإغراقه في مستنقعات الديون (ديون أنتم وحدكم مسؤولون عنها وعن اختفائها) والبؤس والقهر، وإزهاق روحه، ودون تملُّصِكم وتهرُّبَكم، كالمعتاد (وبحسن لباقة، وخبثٍ مبطّن، وبراءةٍ مصطنعة، وحياء ملائكيّ يُخْجِلُ ويجرح ملائكةَ السماء أنفسَهم)، من تحمّل أعباء هذه المسؤولية الجسيمة، أنتم وحلفاؤكم الأثرياء واصحاب المصارف ورجال الأعمال السعداء دائما، وجميعكم قادرون، معا، على ملء خزينة الدولة الفارغة التي تملأونها، كلما فرغت، من مال وتعب وعرق جبين الشعب اللبناني الفقير، وتفرغونها في جيوبكم وخزناتكم السرية في دهاليز قصوركم وقلاعكم ومصارفكم في الوطن وخارجه؟ 

               -ما قولكم وما رأيكم، أيها "الأقطاب" المتحاورون، إن تنازلتم وتحاورتم، بممارسة الإصغاء المتواضع، في حوار جدّي، صادق، يؤدّي إلى وقف ومنع تدخل الدول التقليديّ، "التاريخيّ"، المقدَّس، في شؤون الشعب اللبناني، وفرض مشيئتها عليه، من خلال ساسته (وانتم منهم) وإعلامييه، وانتم جميعكم شديدو الإنتباه والإصغاء فقط لإيحاءات ورغبات وأوامر هذه الدول، ولرنين فلوسها العذب، الرخيم، الساحر، لا لصراخ أبناء الوطن الموجوعين، وهنا بيت القصيد وأصل كل العلل؟

               -ما قولكم وما رأيكم، أيها "الأقطاب" المتحاورون، إن تنازلتم وتحاورتم، بممارسة الإصغاء المتواضع، في حوار جدّي، صادق، يؤدّي إلى تعديل وتحسين إتفاق سياسي غير عادل، قد فُرِضَ فرضا، بواسطتكم، على اللبنانيين، من أبالسة الفتنة والشرّ، في غفلة من الزمن، وفي لحظاتِ استشراء الغباءِ والجنونِ واليأس والخياناتِ والأطماعِ والمآسي في وطن الحضارة والنور، لبنان، بعد إنهاك جميع اللبنانيين، أيضا وأيضا بواسطتكم، بحروبٍ طائفية وأهلية عبثيّة، مدمِّرَة، طيلة 15 عاما (1975-1990)؟

               -ما قولكم وما رأيكم، أيها "الأقطاب" المتحاورون، إن تنازلتم وتحاورتم، بممارسة الإصغاء المتواضع، ودون أية وصاية خارجية، في حوار جدّي، صادق، يؤدّي، مهما طال، إلى إيجاد صيغة حكم جديدة علمانية، عادلة، متوازنة، تتعدّى روح الطائفية المُذِلّة للوطن والمقيِّدة لنموّه، وإلى إنتاج قانونٍ إنتخابيٍّ جديدٍ لا يكون سجنا جديدا لإرادة وعقل الشعب اللبناني ومعتقل تعذيب له، تحت مُسَمَّيات وشعارات جديدة براقة، خادعة، ولا تكونون أنتم السجّانين والجلادين الظالمين الأبديين؟

               -ما قولكم وما رأيكم، أيها "الأقطاب" المتحاورون، إن تنازلتم وتحاورتم، بممارسة الإصغاء المتواضع، في حوار جدّي، صادق، لكي يكون لكم جميعا قرارٌ حرٌّ من مذلّة سطوة وإغراءات مال الخارج (منذ الإستقلال حتى اليوم)، كلما حان وقت انتخاب مجلس النواب، مثلا، أو رئيس للمجلس نيابيّ، أو رئيسٍ للجمهورية، أو رئيس للحكومة، أو تأليف الحكومة، دون أن ننسى أمورا أخرى كثيرة قد مللنا من تكرار ذكرها، كالتخلص من سموم النفايات، مثلا، ومنع تفشي فساد الأخلاق في جسم الدولة في كل مؤسساتها، وفي جسم الشعب، وتفشي الجريمة والتعدّي والإغتصاب والسرقة والإنتحار في المجتمع اللبناني، وعدم المماطلة بتلزيم مشروع إستخراج النفط والغاز من البحر، لشركات أخرى (وعدم الوقوع في فخ المفاوضات برعاية ووصاية أصحاب وعرّابي "صفقة القرن"، لترسيم الحدود مع العدو الصهيوني كوسيلة خبيثة لتكريس أولى الخطوات على طريق التطبيع) وقد بدأت الشبهات تحوم، من جديد، حول النوايا المبطنة لبعض الساسة في الحكم ولنوايا الدول المعروفة، المهيمنة على قرارنا (شاء الشعب أم أبى، وشاء ساسة الحكم أم أبوا)، ومجابهة ومنع ممارسة هذه الدول المستقوية، المتكبرة، سياسة الترهيب والإبتزاز (بسبب إستدانتكم الجنونية وتراكم الديون واستحالة إيفائها) ضدّ الشعب اللبناني من أجل إجباره على توطين النازحين واللاجئين، ومن أجل إضعاف المقاومة سياسيا وعسكريا، وعدم تسليح الجيش مع خلق أوهام دائمة بوجوب تسليحه؟

               -لماذا وحتّام يطول حوار الطرشان من أجل تحقيق كل هذا الأمور المُحِقّة، والبسيطة جدا، المتعلقة بوحدة وكرامة وراحة وازدهار وقوة الشعب اللبناني؟ 

               -لماذا تُعقِّدُون الأمور بشكل دائم، ولا توقفون أبدا التناحر المميت على السلطة والنفوذ، وترفضون الإصغاء إلى صوت الضمير وصوت الشعب، وتجيدون الإصغاء الكامل فقط إلى رنين فلوس الخارج، وإيحاءاته وأوامره، والخضوع لإبتزازاته العسكرية والسياسية والمالية؟

               إن مشاهد حوارات الطرشان المملّة، الجديبة، الجارية بين "الأقطاب"، على مدار السنين، ومن جيل إلى جيل، والمصائب تزداد وتتراكم على ظهر الشعب وحده، لم تعدْ تلفت نظر أبناء هذا الشعب الواعين، الساكتين حينا، والصارخين، دون جدوى، في الإعلام وفي تظاهرات الشوارع، حينا آخر، والذين لا يستطيعون (لأنهم غير موحَّدين ومعرضون للقمع على يد الجيش والقوى الأمنية، وحتى على يد أزلام الزعماء)، إعلان العصيان ورفض دفع الضرائب، والبقاء في الشوارع حتى إسقاط حكم مهووسي السلطة والعظمة والمال. إنها حوارات عقيمة، لا يوجد فيها إصغاءٌ حقيقيّ، فعليّ، صادق، لهموم واقتراحات شركاء الوطن الواحد والخبراء، ولا تزيد الشعب اللبناني إلا حيرة واشمئزازا وقرفا وانقساما، في جوّ بلبلة مجنونة تغمر وتغلِّف أبراج بابل المتكبّرة، المتزايدة يوما بعد يوم، في نفوس أقطاب وإعلامِيّي و"نخب" لبنان الكثيرة وغير الفعالة، وكأنْ لا وجود لأعداء وإرهابيين يحيطون بالوطن من كل جانب، ويتغلغلون في كل أرجائه، ويهدّدون كيانه ووجوده، وكأن لا شعب يحتاج إلى من يهتمّ بشؤونه الحياتية وبمستقبله.

               إذا كانت العلّة في النفوس لا في النصوص، كما يُردّد بعضهم ببلاغة، ويكتفون بالترداد وحسب، فلماذا لا يباشر اللبنانيون، شعبا، وإعلاميين، وساسة، ونُخَبًا في كل الميادين، بالتعلّم هم وأبناؤهم (في البيت والمدرسة والجامعة وأماكن العمل) على عملية الإصغاء وممارسته، وبنقل هذه العدوى الجميلة، المفيدة، إلى كل أبناء الوطن، وجعل الإصغاء فنّا يتقنونه، بتواضع، كما يتقنون، وأيّما إتقان، وبتباهٍ كبير، فنّ حب المظاهر والمراكز والعظمة، وفنّ التحدّث باللغات الأجنبية والتباهي بها وبإهمال اللغة العربية، وفنّ الكلام والثرثرة والسفسطة والسخرية والتهكّم والهجاء والتعالي، وكلُّها فنونٌ تافهة، عبثية، وجهود مهدورة، لا تفيد الوطن اللبنانيّ بشيء؟

               إن الإصغاء المتواضع، المحبّ، الواعي، للآخر، في حوار هادىء، صادق، ليس فقط فنّا عظيما ينبغي أن يتعلّمه الإنسان ويتقن ممارسته، إنما هو أيضا الدواء الوحيد الشافي لعلل شعب هذا الوطن المعذب، المقهور، المظلوم، والمُعَرَّض لخطر الزوال على الدوام، على يد دول تمارس الإرهاب والمقامرة بحياة ومصير الشعوب المستضعفة، وعلى يد زعمائه المتكبرين، ومفتعلي الخلافات فيما بينهم من أجل المال والسلطة، وزارعي بذور الإنقسام الدائم بين أبناء الوطن لإبقائهم ضعفاء، وليدوم عزّهم وحدهم، إذْ إن كل زعيم يختزل الوطن في شخصه هو أولا، ثم في عائلته، ثم في طائفته.

               إزاء هذه المخاطر الداهمة كلّ لحظة، وإزاء شعب (هو في الحقيقة مظلوم من قادته، ولكنه، في الوقت عينه، شعب ظالم لنفسه لأنه يعيد انتخابهم ويقدّس ذكرهم ويعبد شخصهم وإسمهم، ولا يجرؤ على انتقادهم ومحاسبتهم، ويشتم ويهين ويقاتل كل من يجرؤ على فعل ذلك)، أجل إزاء شعب يكافح بقوة ليبقى على قيد الحياة، وليحافظ على ما تبقّى له من كرامة وعنفوان، ويستصرخ، بقوة وألم، العلاج والشفاء والخلاص، فليبدأ جميع حاملي الألقاب العظيمة في هذا "البلد"، والجالسين سعداء على عروش العظمة في أبراج بابلهم الخاصة، المتناحرة، غير المتحدة، والمبعثرة في كل أرض الوطن، من "نخب" سياسية موجودة، اليوم، في الحكم وخارجه، و"نخب" روحية وثقافية وفكرية ومالية غير موحَّدَة، بحوار بنّاءٍ، مُجْدٍ، يقطف الشعب ثمارَه الخيّرة، ثمار الوحدة والكرامة والقوة والسلام والوئام والمحبّة والصحة والإزدهار والسعادة، خاصة وهي، أي "النخب"، تعتبر نفسها منارات علم ومعرفة للشعب، وتعتبر نفسها الأذكى والأوعى والأوفر قدرة وحكمة على قيادة الوطن. ليت هذه "النخب" تتأثّر قليلا وتقتدي بقول السيد المسيح: من أُعْطِيَ الكثير يُطْلَبُ منه الكثير.

               فلتبدأ تلك النخب بإعطاء المثال الصّالح لأبناء الشعب في كيفية إدارة حوار راق، صادق، بنّاء، فيما بينها، وفي فنّ الإصغاء، وتعليم هذا الفنّ الرائع لجميع أبناء الشعب الذين ينتظرون على أحرّ من الجمر، وبصبر عجيب أين منه صبر أيوب، من الذين انتخبوهم، لا كلاما بليغا، منمّقا، جميلا، مُطَمْئِنا، مخدِّرا، كالمعتاد، بل نتائج حسنة، يكون أولها اتفاق النخب المنتخبة (المتخاصمة دوما حول مصالحها الشخصية لا مصلحة الوطن)، على العمل معا من أجل تحقيق مصلحة الشعب وخدمته، وتخليها عن كبريائها ووساوس أحجامها وأوزانها وحيثياتها الشعبية، وإثبات وجودها وتثبيت زعامتها، وعن خلافاتها الحادّة التافهة، السخيفة، من خلال التحدّي والتهديد بالرجال والسلاح، حينا، وإطلاق الكلام المهين في السرّ والعلن لبعضها البعض، حينا آخر، ومن خلال استعمال أبناء الشعب وقودا حامية لنار ثأرها وانتقامها من بعضها البعض، وجمرا دائم التوقّد والإشتعال تحت رماد الهدنة الكاذبة، المؤقتة. وليكن إتفاقٌ يدوم، يشفي جراح أبناء الشعب النازفة بإستمرار، ويريحهم، ويخلِّصهم من أخطار وكوابيس الشرّ المتكاثرة والمتنامية من كل حدب وصوب في حياتهم اليومية. وأشدّ هذه الأخطار سوءًا على أبناء الشعب كلهم، هو الإنقسام والفتنة والحقد والإقتتال، واحتقار وتحدّي القوانين وكسرها، والفلتان الأمني وتفشي كل أنواع الأسلحة بين أيديهم، وإستعدادهم لإستعمالها ضدّ بعضهم البعض لأتفه الأسباب، بسبب التنافر بين أمزجة زعمائهم المتقلِّبَة بحسب تقلب مصالحهم لا مصالح الوطن، وبين أنانياتهم المتكبّرة، المغرورة، المؤلِّهة لذاتها، الثابتة ثبات جبال لبنان وارزه ضدّ رياح التغيير والإصلاح، وانعكاس كل ذلك، سلبا، على أبناء الشعب.

               هل من يصغي بتواضع بسيط، ونقاوة قلب، وصفاء نية، وإنتباه شديد، وصدق خالص، وصبر جميل، ومحبّة كاملة، إلى صرخات الشعب اللبنانيّ الموجوع، المنقسم على ذاته، المشتاق إلى وحدته ووحدة زعمائه ووحدة وطنه؟

               هل من يفهم بوضوح ويعي خطورة الوضع؟

               هل من يستجيب بسرعة ودون تأجيل، ويعمل بشجاعة وإخلاص على إنقاذ الشعب من نزاعه الطويل؟

               هل هي مجرّد صرخات خرساء، نابعة من حرقة القلب، يطلقها الشعبُ الموجوع، تدخل في آذانٍ طرشاء، وتملأُ أودية نفوس فارغة، مقفرة، موحشة، لا حياة تسكنها ولا نور ولا روح، تضيع فيها تلك الصرخات، ولا يبقى منها أي أثر، حتى ولا ترجيع صدى؟

               لا يمكن لطالبي الخلاص من عبودية الظلمة، العاملين بجدّ من أجل تحقيقه، المؤمنين إيمانا قويا بإله الكمال والحكمة والمحبة والرحمة والعدل والخير، أن يطفئوا نور ونار رجائهم بحياة أفضل، مهما طال زمان الإنتظار واللهفة والإشتياق، ومهما بدا هذا الحلم الجميل بعيد المنال. إن الصبر مفتاح الفرج. وسوف يأتي، لا محالة، فرج الشعب اللبناني الصابر، المؤمن، بسرعة رهيبة، كسرعة انبلاج الفجر بعد أحلك ظلمات الليل الطويل.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه