تفتح السجالات السياسية في البلاد والصراعات الجانبية المجال أمام ارتفاع منسوب التوتر الأمني. يوم أمس كان حافلاً، وأبرز أحداثه اغتيال أحد كوادر الجماعة الإسلامية في شبعا!

 

حفل يوم أمس بعدّة أحداث أمنية، بدأت منتصف ليل الأحد ـــ الإثنين مع جريمة الاغتيال التي هزّت منطقة العرقوب وأودت بحياة مسؤول العلاقات العامة في الجماعة الإسلامية ومسؤول منطقة شبعا الشيخ محمد جرار. ومن الجنوب إلى ضهر البيدر، حيث حصل ما كان متوقّعاً منذ مدّة من صدام مسلّح على خلفية الصراع على معمل ترابة الأرز في عين دارة، أدى إلى سقوط جريحين وإلى توتّر كبير في الجبل امتدّ حتى ساعات الليل. أما بقاعاً، فعاد التوتّر إلى حي الشراونة مع هدوء نسبي دام لأشهر، بعد سقوط شخصين من المطلوبين بجرم الاتجار بالمخدرات بنيران الجيش في بلدة الكنيسة، أثناء مداهمات في البلدة.

وفيما تختلف دوافع الأحداث وخلفياتها من منطقة إلى أخرى من دون ترابط، إلّا أنها تأتي بعد العملية الإرهابية الأخيرة في طرابلس، وفي ظلّ ارتفاع منسوب التوتر في البلاد والحروب الإعلامية ومناخ تحريضي ضد النازحين السوريين.
في شبعا، يسود الوجوم الأهالي في البلدة وحاصبيا عموماً، التي تعيش في أجواء هادئة جداً منذ سنوات. الشيخ جرار كان واحداً من أبرز الناشطين في دعم النازحين السوريين في شبعا، والاعتناء بجرحى المجموعات الإرهابية المسلّحة في المقلب السوري من جبل الشيخ والقنيطرة، في مستوصف الرحمة الذي أداره لسنوات، وتربطه علاقات مع أبرز قادة هذه المجموعات. وفي ذات الوقت، يملك جرار شبكة من العلاقات الواسعة مع القوى السياسية والحزبية في الجنوب، لا سيّما مع حركة حماس وحزب الله. وبحسب أكثر من مصدر أمني، فإن جرار ليس لديه أعداءٌ في الظاهر، وعلاقاته جيّدة مع الجميع، لكنّ ولده سبق أن تعرّض لتهديدات خلال العام الماضي، كلّف القضاء فرع المعلومات بمتابعتها.
عند الساعة 11:55 من ليل الأحد ـــ الإثنين، كان جرار يتكلم على الهاتف أمام مدخل المستوصف، حين تعرّض لإطلاق نار من سلاح يُطلق رصاصاً من عيار 5.56 (عيار بندقية ام 16) فأصيب بأربع رصاصات أدت إلى مقتله على الفور. وفيما حضرت الأجهزة الأمنية، كلّف القضاء فرع المعلومات بمتابعة التحقيق. مصادر أمنية معنيّة تؤكّد أن كل الفرضيات واردة حتى الآن، من الدوافع الشخصية للاغتيال إلى الأسباب السياسية، وصولاً حتى إلى احتمال دور للعدوّ الإسرائيلي. وفيما تتحفّظ المصادر على ذكر أي تفصيل حول التحقيقات، تؤكّد أن «هناك خيوطاً ونعمل عليها».
أمّا في ضهر البيدر، فحتى ساعات متأخرة من ليل أمس، ساد التوتّر المنطقة بين متجمهرين من الحزب التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية وبعض أهالي بلدة عين دارة، وقفوا على الطريق الرئيسية المؤدية إلى موقع معمل ترابة الأرز الذي يملكه آل فتوش، وبين حرّاس وعمّال المعمل ومعهم مجموعة من مناصري الحزب الديموقراطي اللبناني، يفصل بين الفريقين عناصر من مكافحة الشغب في قوى الأمن والجيش اللبناني، مع وجود أسلحة غير ظاهرة لدى الفريقين. ويأتي إشكال أمس بعد أسابيع من قيام مسلّحين من الحزب التقدمي الاشتراكي وبعض المشايخ بقطع جميع الطرقات المؤديّة إلى المعمل بالسواتر الترابية وتنظيم دوريات الحراسة لمنع أي آليات تابعة لآل فتوش من العمل على فتح الطرقات أو الوصول إلى موقع المعمل، رداً على صدور قرار مجلس شورى الدولة برفض قرار الوزير وائل أبو فاعور بإلغاء رخصة المعمل.
التوتّر بدأ أمس مع ساعات الصباح الأولى، حين قام عمّال المعمل بإزالة السواتر الترابية التي أقامها مناصرو الاشتراكي من دون مقاومة تذكر.

جرار ليس له أعداء في الظاهر وتربطه علاقات بحزب الله والمعارضة السورية

في ساعات بعد الظهر، انكفأ الاشتراكيون إلى الخلف، وظهرت مجموعات من أهالي البلدة والقوات اللبنانية ومعهم أحد العمداء المتقاعدين، حاولوا رفع سواتر جديدة، إلّا أن عمّال المعمل منعوهم. واصطدم الطرفان أوّلاً بالحجارة والعصيّ، قبل أن يتطور الأمر إلى إطلاق نار أصيب على إثره اثنان من مناصري الديموقراطي، أحدهما من بلدة عين دارة من آل فيصل والآخر من بلدة بدغان من آل الصايغ. وأوقف الجيش عدداً من المشتبه فيهم لاحقاً. مع شيوع الأخبار، ساد التوتّر قرى الجرد الأعلى، حيث عمد أنصار الديموقراطي والاشتراكي إلى التجمّع، في مشهد انقسام واضح داخل القرية الواحدة. رئيس الاشتراكي النائب وليد جنبلاط لم يُبدِ أيّ محاولات للتهدئة، بل ذهب بعيداً في حربه المعلنة على المعمل الذي يرى فيه منافساً لمعمل ترابة «سبلين» الذي يملك حصة وازنة فيه، وكتب على «تويتر» تغريدتين، سائلاً: «هل هي دولة الجنجاويد لعصابة فتوش وشركائه تعتدي على الأهالي بالحجارة والسلاح»، متوجّهاً إلى الرئيس ميشال عون «إلى متى يا فخامة الرئيس ستبقى الأمور سائبة في عهدك؟»، غير آبهٍ بالتوتر القائم ووجود جرحى في قرىً منقسمة، وتوزّع أبناء العمومة على الطرفين المتصارعين أمس. وفيما عاد جنبلاط وانتقد القضاء بسبب التوقيفات، غرّد النائب طلال أرسلان قائلاً «احترنا من أي باب يريدون إدخال الفتنة إلى الجبل، عبر سبلين أو مطمر الناعمة أو الكوستابرافا أو ضهر البيدر أو عبر بحوارة وما أدراك ما بحوارة وما خلفيتها من سطو على أملاك الناس».
أمّا في البقاع، وبعد فترة من خفوت عمليات السلب والتشليح والاعتداءات المسلحة، بفعل التشديد الأمني، وأثناء قيام قوة من الجيش بمداهمة منازل مطلوبين بموجب عدة مذكرات توقيف بجرم الاتجار بالمخدرات وإطلاق نار وسرقة سيارات في بلدة الكنيسة ـــ البقاع، «تعرضت لإطلاق نار كثيف من قبل المطلوبين، ما دفع بالدورية إلى الرد بالمثل على مصادر النيران، ما أدى إلى مقتل اثنين وإصابة آخر وتوقيف خمسة، وضبطت كميات من الأسلحة والذخائر والسيارات المسروقة وكمية كبيرة من المخدرات». ومساءً، بعد انتقال التوتّر إلى حي الشراونة في مدينة بعلبك، وتنفيذ عدد من أقرباء القتيلين حركة اعتراضية في الحي وإطلاق النار في الهواء، تعرض مركزان عسكريان لإطلاق نار من قبل مسلحين، أصيب على إثره أحد العسكريين، وردّ الجيش على مصادر النيران ويعمل على البحث عن الفاعلين.