مقدِّمة: ظاهرة مُسْتغرَبَة في لبنان

                إنه أمر مستغرَب بعض الشيء، أن نتحدث عن مرض العظمة في وطن جميل جدا، إسمه لبنان، يسكنه شعب مِضْياف، لطيف الطباع، كريم النفس، مؤلف من 18 طائفة، دُعِيَ ليلعب دورا مهمًّا في مجال تلاقي وحوار الأديان، وأُعْطِيَ لقب "وطن الرسالة". يمكننا، في الحقيقة، أن نتحدث، ربما، عن كبرياء الزعماء والساسة وأبناء الشعب اللبناني وشعورهم بالعظمة الذاتية والطائفية والعِرقية والوطنية، عظمة الحسب والنسب والأصل والفصل، التي لا تشكل مصدر خطر أو قلق لسائر الشعوب. هذا واقع معروف وطبيعيّ، قد تعوّدَه اللبنانيون، وتآلفوا معه. زعماء الطوائف يسمون وينادون شعبهم بالعظيم، وشعبهم يبادلهم بالمثل بولائه الدائم لهم. ويلاحظ المراقب للوضع اللبناني بأن ثمة ازدياد في نسبة الإصابات بمرض العظمة بين الساسة والمواطنين اللبنانيين. وممّا يثير الإستغراب والتعجب، أن هذه الإصابة التي أضرّت بوحدة الشعب اللبناني وازدهاره وسعادته، كما برهنت الأيام منذ الإستقلال حتى اليوم ("حوادث" 1958، والحرب الأهلية 1975-1990)، لا أحد يعتبرها آفة خطيرة، ولم تجد، يوما، من يهبّ لمكافحتها ومعالجتها كآفة نفسية وفكرية وأخلاقية وروحية، والحدّ من إنتشارها بالتوعية والتربية، كما هبّ اللبنانيون هبّة غضب هذه الأيام، ضدّ تفشي آفة الفساد وسرقة أموال الشعب في الدولة، مثلا، بسبب فساد السياسيين واجترائهم الوقح، الدائم، على كسر القوانين دون الخوف من محاسبة الشعب (المُسَيَّس) و/أو القضاء (المُسَيَّس) أيضا، لهم، أو ضدّ تفشي مرض السرطان تفشيا مريعا، بسبب تفشي النفايات وكل أنواع التلوث، وبسبب إهمال وتقصير السياسيين في إدارة شؤون الشعب بحكمة وصدق ونزاهة.

ظاهرة الشعور بالعظمة ظاهرة طبيعية في الإنسان

               إنّ ظاهرة العظمة في الإنسان، التي تعني الأنانية والكبرياء والتعالي والغرور والشعور بالأهمية البالغة للذات تجاه الآخرين، وهوس الزعامة والقيادة وإعطاء الأوامر، ظاهرة طبيعية عامة، غير مستغرَبَة في الطبع البشري. إنها موجودة في تكوين كل إنسان منذ الولادة، بالوراثة، بإنتظار الظروف الملائمة لنموّها ونضوجها وبروزها، بنسب مختلفة ومتفاوتة بين إنسان وآخر، من خلال التربية والتطبّع واحتكاك الإنسان بالمجتمع واكتساب الخبرة.

               نرى هذه الظاهرة بشكلها الأناني، البدائيّ، في الأطفال وهم يلعبون، ولكنها ظاهرة بريئة غير مؤذية. ونراها في كل إنسان وهو يخوض، في مراحل نموّه، معركة الحياة القاسية والصراع من أجل البقاء. ولكنّنا نراها تبرز بشكل فاضح، مزعج، وجدّيٍّ ومضحكٍ في آن معا، في كل إنسان يملك سلطة ليدير شؤون من هو مسؤول عنهم في كل مرافق ومراحل الحياة، في العائلة، مثلا، والمدرسة والمصرف والإدارات الحكومية والشركات والمعامل وورشات العمل، فيسيء إستعمال هذه السلطة. في هذا الجوّ الذي يفتقر إلى التواضع والوداعة، تبقى ظاهرة العظمة والقوة في نفسية "المدير" وسلوكه (بحكم المركز وبحجة أن العمل والإنتاج هما أهمّ بكثير من مداراة مشاعر المرؤوسين) في حدودها المقبولة والمعقولة، ربما، ولو أزعجت (كما يحصل في كل مكان وزمان) قساوةُ من بيده السلطة، بعضَ أو جميع الذين يعملون تحت إمرته. يمكننا أن نلاحظ، هنا، أن "المدراء" الذين يبقون، أو يحاولون أن يبقوا، متواضعين وبسطاء، وفوق إغراءات الترقيات والمال والعظمة وسلطة المناصب ولذّة التحكّم بمرؤوسيهم، مع حفاظهم على جودة العمل والإنتاج، هم قليلون جدا، لا بل نادرون.

               ونرى ظاهرة العظمة هذه، بشكل بارز ولافت، في سلوك معظم الناس الأغنياء، وخاصة الذين أثروا فجأة، وبسرعة، بعد فقر، وهم يُسمّون ب"حديثي النعمة". ونرى معظم من أصابتهم الثروة بالوراثة أو بعرق الجبين أو بالسرقة، قد أصابتهم أيضا روح العظمة، ونراهم يمارسون "الطَبَقيّة"، بشكل فاضح وتافه وسخيف، تجاه من ليسوا أغنياء، ويحتقرونهم، ويرفضون أو يتجنبون التعاطي معهم والإختلاط بهم، قدر الإمكان. 

               إن جميع الذين يمتلكون المصارف والمال والذهب والأملاك والإستثمارات على أنواعها، يعشقون، حتى الجنون، السيطرة والتسلّط على مقدّرات الأفراد والجماعات والشعوب، وعلى التحكّم بمصيرههم وبثرواتهم، ويعشقون القوّة والعنف والخداع لتحقيق مآربهم. إن مجال السياسة هو أفضل مجال لهؤلاء، كي يمارسوا على الناس، بإرتياح ودون الخوف من أية محاسبة، كل مواهبهم وعبقريتهم في ممارسة فنون التعذيب النفسي والجسدي والإستغلال والإستعباد والقهر والكذب والخيانة، وكل فنون روح العظمة التي تسكنهم وتحرّكهم.

لا وجود للفضائل مع السياسة والمال والعظمة

               ثمة شيء مشترك، في كل زمان ومكان، بين جميع الناس أو القادة المصابين بداء العظمة والغنى والقوة والسيطرة، وهو أنهم يفتقرون إلى روح التواضع والوداعة والتضحية والمحبّة والرحمة والعدل والصدق. ملكوت الخير هذا، أي ملكوت الفضائل والقيم الأخلاقية والروحية، يستحيل على السياسيّ الغنيّ (المصاب بداء العظمة بسبب ثروته الضخمة وأزلامه)، مثلا، أن يدخله، كما قال السيد المسيح، كإستحالة دخول الجَمَل في خرم الإبرة. لأن الغنيّ، بكل بساطة، مهووس بقوته في إمكانية شراء وامتلاك كل شيء (قصور وطائرات ويخوت وخدم وحراس وأتباع وسلاح...)، والحصول على كل ما تشتهيه نفسه من طيبات الأرض. هو لا يحتاج إلى أحد. هو يشفي غليل حاجاته بالمال. إكتفاؤه الذاتي وحاجة الناس إليه وولاؤهم له، يقودونه إلى تأليه نفسه. يصبح في نظر نفسه عظيما، وقويا، وكاملا، ومحورا للناس يدورون في فلكه، يستعبدهم في خدمته. وهو، نتيجة لذلك، لا يشعر بالحاجة لأن يتعرّف إلى الفضائل والقيم السامية ليمارسها ويدخل ملكوتها طلبا للكمال، وإرضاءًا لضميره، وحبا بالله و/أو خوفا من الآخرة. هذا شيء يتركه "العظيم" الذي يشعر ويتوهّم بأنه قويّ وكامل، للفقراء بالمال والمساكين بالروح، والمتواضعين. ومن يتملكه الشعور بالإكتفاء الذاتي وتخزين وفيض الخيرات في أهرائه لسنين كثيرة ومن جيل إلى جيل، لا بدّ من أن يُصابُ بجنون سكرة البطر والعظمة، ويتخدّرُ عقله وقلبه، ويصبح، في سكرته الأبدية هذه، محورا لذاته المريضة وللعالم، وينسى كلّيا بأن الحياة قصيرة، وبأنه زائل، ومائت، ومن التراب أتى وإلى التراب يعود، تاركا كل ثروته هنا على الأرض، وبأنه سيصبح في يوم غير بعيد، مهما طال عمره، هو وأنانيته "العظيمة" وصيته "العظيم" وجمال جسده "العظيم"، أجل، سيصبح، هو نفسه، وبعد أن أكل موائد الدنيا كلها ولم يشبع، وأهمل الفقراء والجياع، مائدةً شهيّةً لدود الأرض في مقبرته الفخمة، "العظيمة" في هندستها وشكلها ورخامها ومنحوتاتها، ويصبح كومة عظام نتنة، وجمجمة مخيفة، بشعة، تعشش فيها العناكب، فارغة من روح العظمة المجنونة.

من الشعور بالعظمة إلى جنون العظمة

               حين تنتفخ "الأنا" (بسبب من امتلاك كل أنواع الثروات و/أو مواقع السلطة) في الإنسان، إنتفاخا غير طبيعيّ (لأسباب مجهولة في تكوين جسم الإنسان وعقله وروحه)، ويطول زمن انتفاخها ليصبح طبعا ملازما لصاحبها، وأمرا واقعا، فاقعا، لا يمكن تجاهله، حينئذ يمكننا أن نتحدّث عن جنون العظمة. ثمة أفراد مصابون بهذا الجنون المريض منذ الولادة، ولكنهم لا يشكّلون خطرا على المجتمع، والحديث معهم، إلى حدّ معيّن، شيّق ومسلّ. هم كالمصابين بجنون الحبّ ونظم قصائد الغزل، لا خوف منهم أو عليهم. أما الأشخاص الذين يصبح جنون العظمة فيهم عدوانيّا وخطيرا على المجتمع والشعوب، فهم الساسة مع حلفائهم الأثرياء، مالكو المال والسلطة، صانعو ومنفذو قرارات الحروب والإفقار والتجويع والإبادة، والمسؤولون عن وجود ومصير ومآسي وتعاسة الشعوب.

               إن الأسئلة المحيّرة، المؤلمة، التي نطرحها دائما على أنفسنا حين نقرأ التاريخ، وحين نقرأ واقعنا اليوميّ، وتبقى بلا أجوبة نهائية، مقنعة، هي:

               -ما الذي يجعل من قادة الشعوب، ومن كل إنسان يملك سلطة ما، في كل مكان وزمان، ودون استثناء، إلا فيما نَدَرَ جدا، أناسا متطرِّفين، متكبرين، متسلّطين، دمويّين، وكأنهم من غير طينة البشر، لا بل وكأنهم أنصاف آلهة؟

               -ما سبب هذا الإغراء القويّ والسحر الرهيب للمال والسلطة والقوة في عين الإنسان؟

               -ما هذه النزعة العنيفة في الإنسان إلى الإستقواء والتسلّط، بلا رحمة أو شفقة، على سائر الناس، إن استطاع إلى ذلك سبيلا، بإسم ال"أنا" والعائلة والحزب والمذهب والدين والعِرق والمال والدولة؟

               -لماذا هذا النوع من البشر المتوحّش موجود منذ ما قبل التاريخ حتى هذه اللحظة؟ حتام؟ كيف يمكن، يا تُرى، لهذا المرض أن يُشفى، وعدواه تنتقل بالوراثة والتربية من جيل إلى جيل، وتزداد حدّة وقوّة وخطرا؟

               إنه موضوع يستفزّ ويحيّر أيّ إنسان يواجهه، وأيّ باحث في علم النفس والأخلاق والفلسفة واللاهوت والفقه والإجتماع، وأيضا في علم الأحياء والطب والكيمياء والفيزياء والماورائيات. 

               إن التاريخ، في أحداثه المتتالية والمدوّنة، هو تاريخ لهؤلا "العظماء" الطغاة فقط، من ملوك وأباطرة وقادة جيوش ورؤساء دول وحكومات ودين وأصحاب مال وشركات ومصارف، لا تاريخ الفلاسفة والشعراء والأدباء والمربّين والعلماء والأطبّاء والفنّانين والمخترعين والعمّال والمزارعين والروحانيين والقديسين، والبسطاء والمتواضعين، وكل إنسان مبدع وخلاق ومتواضع وصالح. إنه تاريخ الطغاة الدمويّين، عباقرة الشر، مخطِّطي الغزوات والمعارك والحروب العبثية، ومخطِّطي قتل الشعوب، وسرقة أرضها ومواردها، وإفساد أخلاقها، وقتل إيمانها بالله نبع الخير والجمال، وإضعافها للسيطرة عليها واستعبادها. وقد دُعيَ هؤلاء، في جوّ الكذب الثقافي الممنهج من قبل "مديري" لعبة الشرّ في العالم، في الخفاء والعلن، بالأبطال والقادة العظام، وبمحرّكي عجلة التاريخ البشري وصنّاعه. ويقال عنهم أيضا بأنهم "دخلوا التاريخ من بابه العريض". يتلقى الشعب ونخبه التربوية والفكرية والسياسية والإعلامية الجاهلة، أو المتواطئة، في بلدان العالم، هذه "الحقائق" التاريخية، دون أي تساؤل أو مناقشة، وكأنها حقائق موضوعيّة علميّة مطلقة.

روح العظمة ومظاهرها عند الساسة 

               اليوم، هناك قادة في العالم أجمع يقلّدون هؤلاء "العظماء"، خاصة عندنا في لبنان (الوطن المنسيّ، اليوم، من أبنائه بالذات، وطن الشعر والأدب والفلسفة والفن والقديسين والنساك والزهاد والعقلاء)، حيث مجانين العظمة بالوراثة والطبع والتقليد والتطبّع، من رؤوس وأذناب، يتكاثرون بشكل خطير، مقلق. 

               "عظماء" لبنان من ساسة وأتباع وإعلاميين يتكلمون عن التاريخ بتباهٍ وسطحية، دون أن يفهموه على حقيقته، ودون أن يتعلّموا شيئا منه، ويسعون، تشبّها ببعض "عظماء" الماضي (خاصة خالقي وقادة الحروب وقد حفظوا بعضا من أسمائهم وبعضا من أقوالهم المأثورة التي يرددونها ويقتبسونها)، لدخول هذا التاريخ من باب المال والإعلام والشهرة والنزاعات والحروب الأهلية والدماء، ومن باب سياسات التحدّي والمكابرة والتذاكي والكيدية وقهر الشعب، واحتقار زعماء الأفرقاء الآخرين من شركاء الوطن الواحد، ومحاولة إضعافهم وإزاحتهم عن المسرح السياسيّ وتهميشهم، ورميهم، بكل بساطة، وبكل كبرياء وغرور، في "مزبلة" التاريخ، بحسب تعبيرهم المفضَّلَ.

               نحن أبناء الشعب البسطاء، المتواضعين، قد عانينا، في الماضي، وما زلنا نعاني، حتى اليوم، من كبرياء الساسة والقادة والزعماء والرؤساء وكل أنواع "الشخصيات" المهمّة، و"الفاعليات" الشعبية، وحاملي الألقاب "العظيمة"، المستوردة من جهات الأرض الأربع، حيث عبادة الذات والممتلكات على أنواعها وأشكالها مستشرية بشكل مرَضيٍّ، ومزعج ومؤذٍ فقط للمساكين بالروح وفاعلي السلامة من أبناء الشعب الفقير. إننا نحاول أن نبحث هذا الموضوع لمحاولة فهم الظاهرة الغريبة المستحكمة بكل من تبوّأ منصبا في العالم عامة، وفي لبنان بنوع خاص. نحن، في الحقيقة، وبكل تواضع، لا نجرؤ أن نطمح إلى إيجاد تفسير كامل وحلّ شامل لظاهرة وحشية الغرائز هذه، المريضة، المستعصية على الفهم، وأيضا على الشفاء الذي يبدو مستحيلا. إنها ظاهرة تحرِّك التاريخَ، بالفعل، وتجعله يعيد نفسه، بشكل كارثيّ، فقط، على الشعوب المخدوعة، العابدة والمتحمّسة لقادتها. 

               ثمة واقع في لبنان يشبه الواقع في كل العالم. هذا الواقع هو أن بين الساسة (مصدر القوة) والأثرياء (مصدر المال) ورؤساء الطوائف (مصدر البركات الروحية) تحالف دائم. إنها قاعدة ذهبية لا تتغيّر مع تغيّر المصالح والظروف. في لبنان، ليس سرّا أن قادة الأحزاب الطائفية المحتاجين إلى تمويل حزبهم وتمويل أنفسهم وعائلاتهم وحاشيتهم، وتمويل حملاتهم الإنتخابية، وتمويل جيوشهم الخاصة (عددا وعدة ومعاشات)، يَمنحون مراكز رفيعة في حزبهم و/أو في الدولة، لا للأقوياء شعبيّا، والمناضلين والمفكّرين وذوي الأخلاق الرفيعة، بل للأثرياء المفرِطين في الثراء فقط، الذين يخبئون في نفوسهم شهوة العظمة والمجد، لا نيّة ولا إرادة ولا همّة خدمة الشعب، والذين يدفعون بسخاء، موسميًّا، الأموال الطائلة للساسة (دون أن يسألهم هؤلاء الساسة "من أين لكم هذا؟")، ولو لم يكونوا يملكون الكفاءة الفكرية والأخلاقية اللازمة لحمل مسؤولية مراكزهم، وحتى لو قضوا كل أوقاتهم في الخارج. لذلك، حين نتحدث عن الساسة، فنحن نتحدث عن الأثرياء. وما يجمع بين الإثنين هو واحد: حبّ المال والعظمة حتى الجنون، لا حبّ الشعب وحبّ خدمته حتى الجنون. أما رؤساء الطوائف فهم دائما الرابحون من صداقة الساسة وأصحاب المال.

               كيف يتبيّن لنا أن القادة، عندنا، متكبرون ومصابون بجنون العظمة؟ هل نحن نظلمهم يا ترى، أو هل نحن نبالغ؟

               من سماتهم نعرفهم، ومن ثمارهم. نراقب تحركاتهم ونسمع أصواتهم وتصريحاتهم في الإعلام، ونقرأ "تغريداتهم" السمجة على مواقع التواصل الإجتماعي، المخصّص ل"العظماء" فقط والمُسمّى ب"تويتر"، حيث نشاهد حفلات ومسرحيات صراخ وتذاكٍ وكيدية ونقار ونقد وإهانة وشتم ورفس وعضّ بين "عظماء" لبنان، وسرعان ما تشتعل هذه الحرب بين أتباعهم. ونرى ملابسهم وسياراتهم وقصورهم وقلاعهم المحصّنة المحروسة. ومنهم من يملك يخوتا وطائرات، وعدة قصور في عدة بلدان. نراهم كيف يتقنون فنون الكلام والتواضع والتودّد إلى الشعب تودّدا غير صادق في موسم الإنتخابات فقط، وفنون هجاء ساسة آخرين ولومهم على أي تقصير، وفنون التحليل للواقع مهما كان مأساويا، ببرودة أعصاب فائقة وبارتياح بالغ، وإعطاء الحلول لكل المشاكل وتفسير الأسباب، وإغداق الوعود والتطمينات. ثم ماذا؟ لا أفعال مفيدة للشعب، وكل شيء يسير من سيّء إلى أسوأ. يجيدون الكذب والتبجّح والهجاء والثرثرة، فقط. إن مشاريع المياه والسدود والكهرباء، والتخلص من النفايات والأمراض القاتلة، على سبيل المثال، معطَّلة، ومشاريع خلق ضمانات تعليم وتربية وتطبيب وفرص عمل للشباب اللبناني المدفوع دفعا إلى اليأس والإنتحار أو إلى الهجرة، وتسليح الجيش تسليحا لائقا، كاملا، كلها مشاريع معطلة أيضا.

               أجل، من ثمارهم نعرفهم. ثمّة حسنة وحيدة يجنيها وحدهم أنصاف الآلهة هؤلاء، ألا وهي أنهم يصبحون أثرياء بوفرة المال (من مصادر داخلية وخارجية وطرق ملتوية أصبحت غير خافية على أحد) ووفرة القصور والأراضي، والسيارات المعتمة المصفّحة ذات الأرقام الخاصة المميزة، والطائرات واليخوت، وعمرهم يطول، وشيخوختهم شباب متجدّد، وشعرهم لا يشيب لقلة الهمّ وكثرة السعادة، أو كثرة الصباغ، وبسبب عمليات تجميل يجرونها هم وعائلاتهم على كل أجزاء أجسادهم (باستثناء عقولهم وقلوبهم)، وصحتهم لا خوف عليها، فهم بعناية الأطباء الفائقة ليلا نهارا، وحياتهم راحة وهناء، ونومهم مليء بالأحلام الوردية، وسعادتهم لا توصف، وابتسامات أسنانهم المزروعة العريضة جدا والمنيرة لا تنضب حتى وهم نيام، بينما الشعب التابع لهم والذي انتخبهم لخدمته يصبح اكثر فقرا وعبوسا وقهرا وتعاسة وذلّا، وأكثر عرضة للمرض والإهمال والتعفّن والموت المبكر.

               بالإضافة إلى كل ذلك، لا يتحرّكون في المدن والقرى إلا بمواكبات صاخبة، مسلّحة، ترعب الناس وتأمر المارّة بصراخ منفّر بالإبتعاد الفوري عن طريقهم، بينما المارّة يمشون على الرصيف. ثم يرشّحون أنفسهم من جديد للإنتخابات النيابيّة، بكل ثقة، لا بل بكل وقاحة، وكأنهم نعمة سماوية لا غنى للناس عنها، ويدفعون المال الوفير بسخاء كبير للشعب بشكل "مساعدات"، ليكسبوا تأييده ويشتروا "صوته"، ويمتلكوا روحه لمدة أربع سنوات جديدة. وهم، في نهاية المطاف، مهما فعلوا وأخطأوا وكذبوا وخانوا وسرقوا وتكبّروا وجنّوا جنون العظمة، وشذّوا عن قواعد الأخلاق السياسية السليمة، والمبادىء الروحية، والمثل العليا والفضائل، وتناسوا الشعب ووجوب احترامه وخدمة مصالحه الحيوية المعروفة، كتأمين المياه والكهرباء والتعليم والطبابة، وفرص العمل ومجالات السكن، وضمان الشيخوخة والحياة الكريمة والأمن، ووقف فرض الضرائب والإستدانة العشوائية المكلفة لخزينة الدولة وللشعب، والحدّ من الهجرة والحماية من خطر الأعداء. أجل، مهما فعلوا فإنهم لا يشعرون بالذنب ولا بالندم، ولا حتى بأنهم قد أساؤوا التفكير والتصرّف. وبالتالي، فهم لا يشعرون بالحاجة إلى التوبة والإعتذار من الشعب، وتصحيح سلوكهم. وأسوأ من كل ذلك أنهم لا يهابون الشعب ولا يحترمونه، لا بل يحتقرونه ويستغبونه في سرّهم، ولا يتوقعون منه أن يحاسبهم يوما على أدائهم السيّء، بالإنتقاد و/أو بعدم انتخابهم مرة ثانية وثالثة إلى ما لا نهاية.

               هل يمكن أن يكون من يتصرّف بهذه العقلية الغريبة، والمنطق الأعوج، والنفسية المريضة، والأخلاق السيّئة، غير إنسان منافق، مخادع، متكبّر، مغرور، ومصاب، ليس فقط بشعور العظمة أو بعقدة العظمة بشكل مؤقت، بل بجنون العظمة والشرّ، في آن معا، وبشكل دائم؟

               وهؤلاء "العظماء" بالذات، يراهم الشعب كيف ينحنون، كالعبيد أمام أسيادهم، لبعض حكومات الخارج، ويقبّلون أيديها ويذلّون أنفسهم (ورأسهم مرفوع؟)، ويذلّون شعبهم ولا بأس، ويعلنون الولاء المطلق لمشيئة الأسياد وهم لا يستحون، ويبيعون الوطن بشعبه وأرضه من أجل حفنة من المال، ويسمّون كل ذلك "سياسة" من أجل "المصلحة الوطنية العليا" و"الأمن القومي". في الحقيقة، كم هم محظوظون لأنّ الشعب يغضّ النظر عنهم، ويظلّ يحترمهم ويحبّهم، من جيل إلى جيل، بسبب صلات الرحم العائلية والطائفية والمذهبية، التي تتحول مع الزمن إلى عبادة لصنم الزعيم وتأليه له، وإلى تنزيهه عن كل عيب وخطأ، وعن كل انتقاد. إنها، بكل بساطة، محبة الضحيّة الغبية للجلّاد "العظيم"، اللئيم.

مظاهر العظمة عند الشعب

               والأسوأ من كل ذلك أن عددا كبيرا من أبناء الشعب التابعين لهؤلاء "العظماء" تنتقل عدوى العظمة إليهم، ويتصرّفون مثل أسيادهم: المرافقون والسائقون والحراس والجيران والأصحاب وأصحاب الأصحاب والأقارب والأهل. لن نغدق على القارىء بكل الأمثلة المتوفّرة بكثرة في الواقع اليومي، لتوضيح فكرتنا أكثر. إنه، على كل حال، أمر غير خفيّ على أحد، وخاصة على المراقب الصادق، الحساس، الواعي.

               لعله من المفيد أن نكتفي بذكر ما يقوله ويفعله بعض "عظماء" أبناء الشعب التابعين ل"عظماء" السياسة، لشرطيّ السير، مثلا، إذا تجرّأ وأوقفهم بسبب مخالفتهم لقانون السير، بالسرعة الزائدة أو بسلوك طريق بعكس السير، وبسبب عدوانيتهم. إنهما قول وتصرّف معروفان: "هل تعرف من أنا؟ أنت لا تعرف مع من تتكلّم" (هذا قول دارج للتعريف عن النفس، يقوله أيضا اللبنانيون لبعضهم البعض كل يوم، بروح التحدّي). ثم يستعملون هاتفهم "الذكي" للإتصال بحاميهم "العظيم" في الدولة ليتكلم مع الشرطيّ ويأمره بعدم التعرّض للمخالف وكاسر القانون، وبعد ذلك، يتابع المخالف سيره بسلام وفخر واعتزاز، ليكرّر مخالفاته وكسره للقانون وتحدّيه لحماة القانون وللمواطنين وتعريض حياتهم للخطر، في مكان آخر ووقت آخر.

               وأيضا يلاحظ المراقب لحياة الناس اليومية التي تتكرّر بإستمرار، أن جنون العظمة قد أصاب رؤوس معظم من امتلأت جيوبهم بالمال، وبطونهم بثمار البرّ والبحر والمشروبات "الروحية" النادرة، وقادوا سيارة مميّزة بلوحتها ورقمها ولونها ومصدر صنعها، وجابوا المطاعم "الراقية" وأماكن الترفيه الممنوعة على الفقراء، وأصاب أيضا رؤوس كل من يدّعون بأنهم ابناء عائلات أو "بيوتات" عريقة (لبنان يفوق كل دول العالم مجتمعة بأشواط من ناحية عدد ونوعيّة عائلاته العريقة)، وأنهم "مدعومون"، أي لهم"ظهر" في الدولة يستندون إليه ويحميهم. إن هذا النوع من "العظماء" في وطننا لبنان، يقول فيه المثل الشعبي اللبناني: "يسكر على زبيبة"، أو "يفوش على شبر ميّ". غير أن هذه "السكرة" وهذه "الفوشة" تدومان بشكل عجيب من جيل إلى جيل.

               يطول الكلام عن هذا الموضوع الطريف والمأساوي في آن معا، إلى ما لا نهاية. هذا غيضٌ كافٍ، ربّما، من فيضٍ لا ينضبُ.

طرافة ومأساة: شرّ البلية ما يضحك

               نتساءل هنا: كيف يكون يا ترى الموضوع طريفا ومأساويا في الوقت عينه؟

               إن الإفراط في الجدّية يوحي بعكسها، ويصبح نوعا من التهريج المثير للضحك والسخرية. الساسة والزعماء والأثرياء المصابون بجنون العظمة، تنقصهم العفوية والبساطة والوداعة، وهم لا يعرفون أن يبتسموا أو أن يضحكوا إلا فيما ندر، وبتصنّع فاضح. وهم، إن فعلوا ذلك، يعتبرونه تنازلا كبيرا من قبلهم عن عروش كبريائهم وعظمتهم. وهم يفعلونه بشكل غير صادق، وغصبا عنهم، ولكن مع شعورهم الدائم بالعظمة، وبأنهم يؤدون للإنسانية خدمة كبيرة.

               وحين يعبسون أمام عدسات التصوير، مثلا، ويقطّبون جبينهم، ويحدّقون في الفراغ البعيد، لشدة ما يحاولون إيهام الشعب بأنهم يفكرون بعمق وعبقرية، وأنهم يرون رؤيا في الأفق البعيد لا يراها أحد غيرهم، وأنهم يملكون الحلول لكل المشاكل، والأجوبة على كل الأسئلة وفي كل المواضيع، ويتكلمون بسلاسة، وبثقة كبيرة بالنفس، وبصوت موزون ومدروس ومميّز، ينخفض حينا ويرتفع حينا آخر، ويحلِّلون الوضع ويفسرون للشعب أشياء قد فهمها قبلهم من زمان، ويُسدون النصائح للجميع، ولأهل الحكم المقصّرين في مجال خدمة الشعب بنوع خاص، وهم من أهل الحكم عينه.

               أجل، حين يفعلون كل ذلك، أفليسهم فعلا مهرّجين مضحكين في عين الشعب وبصيرته، نعني الشعب غير التابع وغير العابد لهم؟

               إن هم قعدوا أو وقفوا أو مشوا أو نطقوا أو أكلوا أو شربوا أو حدّقوا أو ابتسموا أو عبسوا أو تنفسوا، إن هم أتوا بأية حركة سريعة أو بطيئة للفت النظر، فهم لا يمكنهم إلّا أن ينضحوا بروح العظمة المجنونة والسخيفة والمضحكة. ولا يمكن للمواطن الواعي، الجريء، الصادق، إلا أن يشبّههم، عن سخرية وتهكّم واحتقار، بالطواويس. إن الطواويس، بحدّ ذاتها، هي رمز للغرور والكبرياء، ولكنها طيور خارقة الجمال بألوانها وريشها وجوانحها، وبكيفية طيرانها وتحركها ومشيتها ودورانها البطيء على نفسها. ننظر إليها ونصرخ: سبحان الخالق! أما الإنسان الذي يُشبِهُها إنما هو إنسان بشِع، لا جمال فيه، لأنه يجهل إنسانيته الحقيقية كحيوان ناطق، عاقل، واع، إجتماعي، تسكنه روح الألوهة والكمال، ولا يسعى لتحقيق إنسانيته السامية هذه. إنما ينبع جمال الإنسان من تحقيق إنسانيته لا من شبهه لأطباع الحيوانات الجميلة.

               وحين لا يأتي مجانين العظمة بأية حركة دون أن يعلنوا، بصمت وبعبسة خاصة، بأنهم من طبقة مختلفة عن طبقة الشعب، ولو افتعلوا التنازل عن كبريائهم، أحيانا ولكن مؤقتا، لكسب ودّ الناخبين، وحين يناقشون موضوعا وطنيا مُعيّنا ويبدأون بالتذاكي على بعضهم البعض علنا، في الإعلام، على مسمع ومرأى من الشعب، وحين يفتخرون بشيء يسمونه بال"حيثية" الشعبية أو بال"حجم" السياسي، ويهاجمون ساسة آخرين ويهددونهم (حتى بالسلاح أحيانا) بتحجيمهم وبقصّ جوانحهم، أَوَليس ذلك كلّه مدعاة لتهكّم الشعب (غير التابع وغير المؤلّه والعابد لهم) عليهم، وانتقاده لهم والتندّر بأخبارهم، والقرف منهم؟

               ولكنّ هذه "الطرافة" التي ترافق تصرفات معظم الساسة "العظام"، إنما هي مأساوية بالدرجة الأولى، لأنها مؤذية للشعب اللبناني ولا تفيده بشيء، كما أثبتت التجارب والأحداث منذ الإستقلال حتى اليوم. إنها تفيد الساسة والزعماء وحدهم. فهم محصَّنون دائما، بفعل حصانتهم المالية من خلال تحالفهم مع الأثرياء، وحصانة روحية (طائفية) بفعل تحالفهم مع رؤساء الكوائف، وحصانة النيابة، من خلال إنتخاب الشعب المخدوع (برضاه وموافقته) لهم، ضدّ مخالفة الدستور والقوانين والأعراف، وضدّ العوز والفقر والجوع والبرد والحرّ والمرض والشيخوخة. وهذه الحصانة تجعلهم مُحَصَّنين ضدّ أي إحساس بالرحمة وبروح الواجب المقدَّس تجاه الشعب.

               وأمّا الشعب، فبين متفرج ومصفِّق ومقدّر وعابد لمواهب زعمائه وساسته، وبين غاضب وقرفان وواع ولامبال، هو دائما الخاسر الوحيد والأكبر.

               إن التلاعب بمشاعر الشعب في لعبة جنون العظمة والغرور والكبرياء والأنانية، التي يتقنها الساسة والزعماء جيدا، قد أنسَتْ مجانين العظمة هؤلاء أمر تحصين لبنان ضدّ كلّ ما هم محَّصَنون ضدّه (إفلاس، ديون، ضرائب، مرض، جوع، عوز، فقر، جريمة، هجرة، قلق، حزن، موت مبكر...)، وضدّ الإعتداءات المستمرة من كل جانب للكيان التلمودي العنصري، سارق أرض فلسطين، وإرهابيّيه وداعميه، وسرعان ما يتحوّل هذا التلاعب الخطير إلى تعريض دائم لوحدة الشعب اللبناني ووجوده للفرقة والشرذمة والزوال.

واجب التعلم من أمثولات التاريخ لبناء الوطن

               إن التاريخ شاهد على ما سبّبه المُصابون بجنون العظمة من الشرور لشعوب العالم. لا لزوم لتعداد شرورهم ولا لذكر أسمائهم، فالشرور لا تُحصى ولا تعدّ، وكذلك الأسماء. تاريخ البشرية إنما هو مسلسل قصص رعب متواصل حتى يومنا هذا. وتاريخ لبنان لم يكن يوما بمنأى عن مسلسل الرعب هذا (إنه لمن الأسهل ربما، أن يحاول الباحث في مستنقعات التاريخ عدّ وإحصاء الأشياء الخيّرة والصالحة القليلة جدا في هذا التاريخ، والقادة الصالحين الحكماء النادرين المعروفين. بذلك يوفّر على نفسه إضاعة الوقت وعناء البحث والكثير من الحزن).

               على كل حال، لا بدّ من العودة إلى هذا التاريخ البشع، المحزن. إن العودة بالذاكرة إلى الوراء تنفع إن عرفنا وقرّرنا أن نأخذ العبَر والدروس ممّا حصل. ما يهمّنا، هنا والآن، هو الواقع في وطننا، وكيفيّة معالجته، على قدر المستطاع، إن أمكننا ذلك. إننا نعلم علم اليقين أن تغيير الواقع الحالي، وفي وطننا بالذات (وحسبنا ذلك)، لا في العالم أجمع، لا يتمّ بسهولة مهما أبلَينا البلاء الحسن في فضح حاملي هذا المرض المستعصي، أو حاولنا شفاءهم بالكلام الطيّب، أو صلّينا إلى السماء لتمنحهم الهداية، أو تمنّينا الخلاص لهم، أم التخلّص منهم. همّنا يكفينا في وطننا. فلندع العالم يهتمّ بشؤونه، ولنحصّن أنفسنا، قدر المستطاع، ضدّ تأثيراته السلبية، الحتميّة، التي لا مهرب منها، على وطننا لبنان. وإن كان هناك "قوة خفية" تلمودية (كما هو معلوم) تسيطر على معظم ثروات الأرض، وهي قوّة ذكية، شريرة، ومصابة بجنون العظمة، وهي تدير سربا كبيرا من طيور الطواويس في العالم أجمع، أي رؤساء الدول والحكومات والجيوش والأديان (كما هو معلوم أيضا)، فنحن لا نمتلك القدرة على محاربتها وإيقافها عند حدّها، أو على إقناعها بالعدول عن مخطّطاتها الشريرة، ولسنا، في الوقت عينه، في وارد الإستسلام لها ولطواويسها في الخارج الإقليمي والعالمي وفي الداخل اللبناني. فلنحاول، على الأقل، أن نفعل ما بقدرتنا: أن نعي حقيقة الشرّ وعيا كاملا، وأن نتّحد كأبناء وطن واحد، شعبا ومسؤولين، في رؤية واحدة لوطننا، ألا وهي رؤيته كوطن صاحب رسالة، رسالة المحبة والتسامح بين جميع عائلاته الروحية، وأن نتفق على خطة واحدة لتحقيق مشروع رسالتنا، ولمجابهة ومقاومة الشرّ في الداخل والخارج، إذا كنّا حقا موحَّدين، وإذا كنا جميعنا لا بعضنا، جدّيين وجادين في مشروع بناء وطن حرّ، مستقلّ، قويّ بالإرادة والفكر والأخلاق والروح والإزدهار الإقتصادي والبحبوحة، وبالرجال والسلاح أيضا، وقبل كل شيء، من أجل حماية مكتسباتنا وانجازاتنا بأنفسنا، والتخلي نهائيا عن الوصايات الظاهرة والباطنية لبعض الدول وعن حمايتها الكاذبة لنا.

               إن الوطن، أي وطن (وبنوع خاص وطن مؤهل أن يكون صاحب رسالة خاصة)، لا يبنيه طواويس العظمة من الساسة والأثرياء والشعب ومجموعة "نُخَبِهِ" الكثيرة المشَتَّتة، غير الفعّالة، وغير الخالية من الشعور بالعظمة الذاتية، المتلهِّية بالتشريفات وإبراز ال"أنا". إنّ لعبة جنون العظمة لعبة خطيرة جدا، تحطّم الأوطان، كما حصل مع كلّ الشعوب في التاريخ، وكما حصل في لبنان بالذات، كما ذكرنا في المقدِّمة. إنّ الشعب الرصين، الحكيم، الموحّد، المنظّم، العامل، هو الشعب الذي يبني وطنه كما يبني النحل قفيره وينتج عسله، وكما يبني النمل، بصبر واجتهاد عجيبَيْن، أوكاره وأهراءه لتخزين مؤونته من الحبوب، حيث لا مكان ولا وجود للفراش اللعوب، ولا للدود الزحّاف غير النافع، ولا للطواويس المجنونة بجمال ذاتها وزينة وألوان ريشها، ولا للذباب الطنّان والزلاقط والدبابير ذات اللسعات السامّة. إنه وطن مثاليّ، مقدّس، حيث يختار ويحترم الشعب قيادته، ويثق بها، ويتعاون معها، وحيث تحترم القيادة الشعب، وتثق به، وتعمل من أجل خدمته وحمايته، وحيث لا مجال فيه لتضييع الوقت في مظاهر واستعراضات براقة، سخيفة، تافهة، عقيمة، عبثية، للعبة مجانين العظمة.

الوعي الشخصي هو المفتاح لباب الحرية

               إن الوعي، وعي الحقيقة، هو بداية التحرّر من الجهل والأنانية والظلم وحكم القدرية والجبريّة، أي الرضوخ لحتميّة التاريخ وعدم القدرة على تغيير مجراه المأساوي، وهو، أي التاريخ، ليس، في الحقيقة، إلّا انعكاسا وتجسيدا تامَّيْن للطبع البشريّ بكل ضعفه ونقصه وجهله وكبريائه، وللمزاج البشريّ بكل تقلباته وتناقضاته وغراباته وأوهامه.

               إن الوعي هو الحلّ الوحيد المتوفّر لنا، في وطننا لبنان، مع التربية الأخلاقية والمدنية السليمة لكل المواطنين، في البيت والمدرسة والجامعة، ومع خلق الإرادة الوطنية الجبّارة، من أجل تحقيق الحياة الكريمة الحرّة، وبناء مستقبل مزدهر، آمن، سعيد، وتحقيق رسالة الوطن. إن لم يستطع وعينا للحقيقة أن يشفي ساستنا العتاة، المتكبرين، الظالمين، من جنون عظمتهم المُستَحكِم، الموروثِ والمُكْتَسَبِ والمزمن، فعلى الأقل نستطيع أن نشفيَ أنفسنا، نحن، أبناء الشعب البسطاء، المتواضعين، من مرض الجهل قبل كل شيء، ثم من مرض الضعف والتشرذم والإنقسام والخوف والحقد والحزن والتأسّف والقرف واليأس. والطريقة الأخرى لمحاولة التحرّر من شرّ مجانين العظمة عندنا، هي أن نقتنع نحن، قبل أن نقنع الآخرين، بعدم إعادة انتخابهم كنواب يمثلوننا في المجلس النيابي. وإن أخطأنا مرة، فلنقرّر ألّا نخطىء في المرة القادمة.

               أجل، هنا، يمكننا أن نبدأ، بتطبيق وصية السيّد المسيح: "إعرفوا الحقّ والحقّ يحرّركم". وإلّا فسوف نظلّ نردِّد، بحزن وندم واستسلام، قولَ السيّد المسيح الآخر: "كما تكونون يُوَلّى عليكم"، ونحن نظلّ ندور في دوامة الوقت الضائع، نستسلم ونتأسف ونندب ونرثي حالنا التعيسة، ونتلذّذ بالغرق إلى الأبد في أوحال مستنقعات الجهل والكسل والذلّ والعبودية، والتعبّد لأصنام الزعماء والساسة والعائلة والطائفة والمذهب والمال، والإفتخار بالحَسَبِ والنَّسَبِ والعِرْقِ وأمجاد التاريخ الباطلة، وإهمال بناء حضارة الإنسان الراقي بعقله وروحه في الحاضر والمستقبل.

خاتمة: أسئلة للتأمل واتخاذ قرارات مهمّة

               في مسك الختام، من المفيد والمستحسن أن يطرح كل إنسان على نفسه بعض الأسئلة، ويحاول التأمّل فيها والإجابة عليها بوعي، وتواضع، وصدق، وأمل:

              هل أريد، حقّا، معرفة الحقّ؟

               ما هو الحق؟

              هل أريد، حقا، أن أتحرّر؟ 
    
              هل أريد، حقا، أن أسعى بجدّية وشجاعة وحماس وفرح ودون قرف ويأس، حتى النهاية، من أجل تحقيق إرادة معرفة الحقّ وإرادة التحرّر؟

               هل أريد حقا لشركاء الوطن ما أريده لنفسي؟

               هل أبدأ، اليوم، بأن أحاول، بتواضع ومحبة وصبر ودون تردّد أو خوف، مع الذين يحاولون، ومن أجل الذين لا يحاولون، أن أساهم، بالكلمة الطيبة والمثال الصالح، في حمل مشعل نور ونار المعرفة والحق والتحرّر في هذه المغامرة الشيقة، الشاقة، التي تجمع كل أبناء الوطن، على طريق الحرية والكمال والسعادة؟

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه