لا اؤمن اطلاقا بتلك المقولة البلهاء " كل الدروب تؤدي الى روما " .. ليس لأن الدروب ماكرة ، بل لأننا الخطوة والمسار ، فأن تتراجع فإنك تتراجع بالمسافة التي تفصلك عن نفسك ، والعكس قد يكون صائبا .. لذا لا روما واحدة في " الهناك " لأنها متعددة ، لكل منا روما خاصته .. لهذا قصد الكثير دمشق ولم يتركوا فيها " عربانه ، ولا تيتاترو ، ولم يعيشوا بعمق / ايامها المخموره ، ولم يجدوا " الكهرب " ولا اناث القمر " 

نحن دائما من نصنع مدننا ، نلونها بذواتنا ونحبها ونختلف معها عندما لاتكون عشيقة ، لاتمنحنا المدن مانريد ، لكنها تمنحنا " مقدار جهدنا ، وبعض مقاسات مانحلم به " .. باسم قهار المولود تحت سماء آب الحارقة ، الحامل أرث الجوالة ، ذاك الشاب الذي لفتني يوما في منتدى المسرح بصفنته ، وعمق تأمله .. لم أك اعرفه الا قليلا .. فقد كان قصة صغيرة لجدل وحسد .. اختفت بعد سنوات ليتنفس البلداء الصعداء ظنا منهم ان ستار الغربة سيخبئ ذاك النمر .. وسينتهي الى الصمت كما غيره ممن شربت الغربات معهم كأس القهر .. 

لا ادري لماذا يثير باسم بذهني ذاك الجوال في رواية " الاشجار " لعبد الرحمن منيف .. الياس ، تحديدا ومثلث عشقه ل حنا .. وتجواله بحثا عن ذكريات ومرح واحزان اضافية ووعي اضافي .. لم يقل لنا منيف اين اختفى الياس بعد موت حنا وحماره سلطان .. لذا اكمل باسم الحكاية ..حكاية الرافديني الذي يجر عربة الشمس صعودا لوهم الخلود .. لذا ركب باسم قهار مع مظفر النواب اولى تجارب الغربة في " العربانة " .. تخيلوا .. استطاع باسم ترويض الأسدين معا .. مظفر النواب وقصائده ليسكبهما في عمل مسرحي معلنا عن ولادة " روما خاصته " ..

ومن هنا تصاعد باتجاه عمل آخر حمل بعض جنوحه المسرحي " كهرب " التي كانت بدايات خط الاسئلة الكبرى في مشهدية بصرية لم يألفها المسرح السوري ، فكانت حجر الزاوية في بناء تجربته المسرحية .. تلتها " ايام سعد الله ونوس المخمورة " .. لا أنصحك بمرافقة باسم قهار حين يواعد عملا مسرحيا .. فنصفه هو من يتحدث اليك ، فيما نصفه الٱخر يغيب هناك ، ومايلبث ان يفرض عليك كأسه وسكرته ويجول بك في رؤاه محاورا ، ومشاورا وحالما .. هو آخر في هذا الوقت بالذات .. يذوب صوته وتنحسر حكاياته ، ويضيق به المكان ، ويغدو كأنه يتمدد فتخنقه المقاعد ، لذا استعد للتجوال ، واترك باسم يدوزن همه المسرحي واكتفي ببعض صوته الخارجي .. لكن اياك ان تطلق حكمك النهائي حتى تفتح باب القاعة وتغيب الوجوه في الصمت وتعلن الاضواء حضور الممثل .. هناك سترى هذا الرجل على حقيقته التي لاتعرفها الا اوان العرض .. هو آخر تماما .. حائك فارسي عجوز يرسم بأناة نهر وصبر نمله .. يمدد الدوائر ، ويعري الارواح ، ويخلق كائنات لاتشبه الممثل ، لكنها تشبه باسم الداخلي ، الجوال ، المتصوف ، الباحث ، صانع الصمت ، ومحدث اللغة ، اللغة هنا هي كلما هو محسوس ، ضوء ، موسيقى ، حوار ، ايماءات ، دندنه ، خطوات .. تجد الممثل معلقا بخيط مشدود الى اصابع باسم ، يحركة ويطلقه ويسكته وينثره ويقلصه كما يشاء .. هو ايقاعي حد الهوس ، يعيش المشهد كما لو انه يطلق صرخة اوبرالية محسوبة بعناية .. من هنا جاءت النصوص شديدة الشبه بروحه ، يقرأ بقلق كما لو انه سيموت في السطر الثالث ، لذا غالبا مايعترض ، يعدل ، يصمت ليأتي بتعديل اخر وآخر وآخر حتى يموت الاصل ليولد صوته .. وحين تسأله يبدو مستاء لضيق اللغة ، فهو بحاجة اضافية دائما لأستجار مساحة اخرى لمخيلة من يعمل معه .. في " تياترو " كنت اراقبه بعد بدء العرض ، وكنت اراه يريد ان يقفز للمنصة كل لحظة ليعيد دوزنة الممثل ، رغم ان الأداء كان مذهلا .. 

في التلفزيون وفي السينما وفي الفيلم الوثائقي ارتمى باسم قهار ، محاولا ان يجد ضالته ، لم يتكرر بتلك الطبقات التعبيرية ، بل احتفظ بأصالة التعبير ، وخصوصية النافذة الأبداعية ، فهو في المسرح يدرك محنة المتفرج المدرك ، لذا يتعالى صوته وتتعمق فلسفته ، وفي الوثائقي يتحول الى باحث يمتلك مجهرية نادره تتغلف بمشهد يحتوي ظاهرا بسيطا وباطنا معقدا ، انه المهموم بصوت الاجتماعي الباحث الذي يحاول ان يرتقي بنمطية البحث عبر تحفيز الساكن وغير المتغير ، ربما يحاول ان يفك شفرات السكون ليحركه وفق اليات جديدة ...

اعتاد باسم قهار ان يختبر ادواته ، يضع رهانا ليتفوق او ينكسر ، ولأن لديه ولع الانغماس فيما يصنعه ، اراد ان يقف هناك في حيز الممثل ، تاركا للمخرج ان يحركه ، نعم اراد ان يختبر دور الضحية. الذي كان جلادها دائما في حدوده كمخرج لذا وقف في دائرة الضوء ممثلا في العديد من الادوار .. مثلا " اوركيديا ، سقوط الخلافه ، هدوء نسبي ، خالد بن الوليد ، نزار قباني ، الظاهر بيبرس ، مملكة الغجر ، اخر نفس .. اضافة الى دوره في الفيلم الفرنسي كارلوس "

ولأن الممثل في العلن اكثر من المخرج لمع باسم قهار ممثلا ، له كاريزمته الخاصة ، وحضوره المؤثر بعمقه الذي يعمل فيه محاولا ايقاد شخصياته من الداخل بوعي وحرفيه وفهم عميق .. هو الممثل المدرك الذي يجيد ادارة نفسه ورسم معالم الشخصية لتكون لها سماتها الخاصة ، ولذا نجح باسم قهار الذي يمتلك اضافة لما تقدم وجها يحبه التعبير ويجيد صنع المشاعر بوضوح ، كما يتفرد باسم بميزة الشكل الذي يتناغم والادوار المتناقضة كما فعل في مسلسلي " اخر نفس .. ومملكة الغجر " حيث قدم شخصيتين متناقضتين تماما .. كدالة على انفتاح طاقته الادائية على العديد من الشخصيات .. 

باسم قهار الرجل المنسجم مع نفسه ، مايزال يعتقد ان المسافة بين الفعل والقناعة متباعده ، لذا سنراه يعمل كثيرا ليقترب من نفسه وليصنع من غده مدينة آمنة قد تصلح لأسترخاء الغرباء .. واقول لباسم ماقاله ميلر " كن حلما تعش الى الأبد ".