مقدِّمة: الحالة اللبنانية

               إن ساسة لبنان، منذ الإستقلال، لم يستطيعوا أبدا أن يستغنوا عن التعامل مع بعض الدول، حتى لو أضرّ هذا التعامل بالشعب اللبناني، أي بوحدته وكرامته وازدهاره. الإزدهار الدائم، بكل معانيه ومظاهره، كان، بنسب متفاوتة، من نصيب الساسة وعيالهم، فقط، كما يدلّ الواقع، دون الحاجة إلى براهين. وأما الشعب، فكانت كوابيس الفقر والقهر من  نصيبه الدائم.
 
               في الحقيقة، لقد أصيب الساسة بمرض الإدمان في دعوة الخارج إلى التدخل بشؤون الشعب اللبناني، وبتذكيره بوجوب التدخل، إن هو نسيَ، أو تناسى ذلك. والثمن معروف، كما قلنا: إزدهار "إقتصادي" وسياسي للساسة وحدهم. هذا هو الواقع بالمختصر. وثمة دراسات وتحاليل لتاريخ علاقات الساسة ودول الخارج، قبل الإستقلال وبعده، حتى اليوم. 

               إن واقع لبنان المتجدّد باستمرار، والظاهر للعيان والمعروف من الجميع، هو، بكل بساطة: إزدياد وتنامي عدد الساسة الأثرياء بشكل غير مسبوق، يثير الدهشة والحيرة والشكوك (والحديث جار عن أشباح الفساد في الدولة ووجوب محاكمتهم واسترداد المال المسروق، ولكنّ بعض الفاسدين "خطّ أحمر"، والبعض الآخر مجهولو الهوية)، مقابل إزدياد وتنامي عدد الفقراء وعدد كوابيسهم المرعبة. 
 
التدخل في شؤون الآخرين ظاهرة إنسانية طبيعية

               أن يتدخّل إنسانٌ في شؤون إنسان آخر، هو أن يدخل، دون استئذان، إلى محراب حياته الخاصة، ويحاول، بكل وقاحة، الإنتقاد أو التهكم أو الإحتقار أو إسداء النصح أو السيطرة عليه. هذا النوع من التدخل يُسمّى بالتطفّل. لا لزوم لدراسة هذه الظاهرة بعمق بغية معرفة كل أشكالها، وكل الإحتمالات الناتجة عنها، في العلاقات الإنسانية المعقدة. في الحقيقة، لن نجد أكثر من احتمال حتميّ واحد ونتيجة واحدة لهذا التدخل: التدخل في شؤون الناس هو شيء يزعجهم ويغضبهم ولا أحد يطيقه أو يتحمله لفترة طويلة. إنه صفة ملازمة، بنسَب متفاوتة، للطبيعة البشرية منذ الولادة، تتحول مع الوقت إلى عادة قبيحة، مكروهة، ومنفّرة للناس. إن الإقلاع عن هذه العادة السيِّئة أمرٌ يتطلب إرادة قوية وجهدا مستمرّا وتضحية بالذات من قبل من تتملكه، إذا تجرّأ وتواضع وأقرّ بأنها عادة سيئة، وقرّر أن يتخلص منها.

               ثمّة عدة تعابير وأمثلة وحكم معروفة متشابهة عند الشعوب، تُسْتَعمَلُ للتنبيه والنّهر والردع والغضب والإمتعاض، ضدّ من يتدخل في شؤون الآخرين. إنها ظاهرة إنسانية شاملة، ملازمة للطبع البشري. في الحقيقة، لا تخلو من هذا التدخل أية علاقة بشرية على الإطلاق: في العائلة، في المدرسة، في الجامعة، في أماكن العمل واللهو... إنه تدخل، إن بقيَ ضمن نطاق المعقول والمقبول، لا يسيء إساءة بالغة إلى العَلاقات بين الناس. وكما قلنا منذ لحظات، يمكن للتدخل هذا أن يسبب الإزعاج والغضب من جهة الشخص "الضحيّة"، ممّا يضطره إلى الإبتعاد، مؤقتا، أو نهائيّا، عن الإنسان المتطفّل، اللجوج، الغليظ الطبع، وتجنّب معاشرته. أمّا التدخل اللطيف، المحب، غير المفروض فرضا على الشخص، من قبل الأهل أو المعلمين أو المربين أو المرشدين الروحيين أو الأصدقاء، بغاية النصح والتربية والتوجيه والتوعية والهداية، قد يكون التدخل الوحيد الذي لا يزعج ولا يهين ولا ينفّر، مع بعض الإستثناءات أحيانا، كون بعض الأشخاص لا يطيقون حتى هذا النوع من "التدخّل".

               إن التدخل في شؤون الآخرين يأخذ منحى آخر، ويكتسب معنى آخر، ويحمل في طياته نتائج مختلفة عن ذاك الذي يحدث بين الأفراد، حين تتدخل دولة في شؤون دولة أخرى. إنها ظاهرة تاريخية قد طبعت علاقات الشعوب بالعنف منذ بداية التاريخ. إنه ليس تدخلا يحصل بين أهل وأصدقاء وجيران وزملاء في العمل، يجد كل إنسان فيه أسلوبه الشخصي المناسب لمعالجته وتصحيح الأمور قدر الإمكان وبالتي هي أحسن. إنّ تدخّل دولة كبرى قوية، مثلا، بشؤون دولة أخرى كبرى أو صغرى، يحمل دائما في طياته، كما نرى من حولنا اليوم، وكما نعرف من أحداث التاريخ البشري، لا مجرّد إشكال بسيط، أو إنزعاج عابر، يمكن تخطّيهما بسرعة وسهولة، إنما يحمل أذًى حقيقيّا يبدأ بمحاولة فرض إرادة واستعباد ودوس كرامة وإذلال، وينتهي بتنافر وتحدّيات وصداماتٍ وحروبٍ ومآسٍ يصعب تفاديها أو تصحيحها.

أسباب ودوافع التدخل والمسألة اللبنانية

               إن الأمر الواقع الذي يقبله الناس ويسلّمون به دون نقاش، هو أن القويّ يحاول، دائما، بشكل غرائزيّ، أن يسيطر على الضعيف، في العلاقات بين الأفراد، وبين الشعوب. إنها شريعة الغاب المعروفة، حيث البقاء للأقوى. إنها نزعة عنيفة في الإنسان يمكن ترويضها بواسطة العقل، ولكن بصعوبة، بعكس الغريزة الحيوانية الثابتة التي لا عقل ولا إرادة للحيوان ليروّضها. التاريخ كله شاهد على هذا الواقع المرير، أي صراع الغرائز الإنسانية الوحشيّة. لم يسلم شعب في التاريخ من وطأة نزعة العنف والسيطرة، وهي النزعة التي حرّكت، وما تزال تحرّك، حتى اليوم، القادة المصابين بعقدة العظمة والقوة، ومحركي عجلات التاريخ الطّاحنة للشعوب القوية والضعيفة على حدّ سواء.

               إن الشعب اللبناني، المؤلَّف من مجموعات دينية ومذهبية وعِرقية وطائفية، كان دائما مُستضعَفا من سائر الدول، لسبب رئيسيّ، وهو انقسامه الدائم على نفسه، بسبب كبرياء زعمائه وقصر نظرهم وتأجيجهم الدائم، بمساعدة وتحريض بعض الدول، لنار الفتنة والحذر والخوف وانعدام الثقة بين أبناء الطوائف. إن قوة الشعب اللبناني كانت دائما (وما تزال حتى اليوم)، تظهر في استقواء طائفة على طائفة أخرى فقط، ومجابهتها حتى بالسلاح. وقد برع اللبنانيون في التنافس في هذا المجال، لا في مجال الوحدة لمجابهة المتدخلين في شؤونهم، مع أنهم جميعهم قد عانوا الأمرَّين، وباستمرار، من تدخل الدول القوية في شؤونهم، وغزو أرضهم واحتلالها لفترات طويلة جدا، وفرض مشيئتها عليهم، وزرع الفتن الدمويّة فيما بينهم، ومنعهم من الوحدة. هذا الأمر الواقع المؤلم وغيرالطبيعي، مستمرّ حتى اللحظة الحاضرة. ليس المهمّ هنا سرد وقائع تاريخية عن هذا التدخل، قبل الإستقلال وبعده، من أجل إثباته. إنه أمر معروف، بِنِسَبٍ متفاوتة، من اللبنانيين. المهمّ هو أن نسعى جميعنا، نحن، أبناء الشعب اللبناني، إلى فهم واقع تاريخنا وحاضرنا فهما دقيقا، صحيحا، كاملا، وأن نحاول أن نغيّر هذا الواقع وأن نتحرّر من نير إرثه الثقيل، وأن نعمل معا على التأسيس لمستقبل كريم، مزدهر، آمن، سعيد، لنا، إن طال عمرنا، ولأولادنا وأحفادنا من بعدنا.

               ولكن، هل نحن نريد حقا تغيير الواقع التاريخي الطويل المذلّ، تاريخ تدخل الدول في شؤون وطننا لبنان، من خلال زعماء ورؤساء الطوائف؟ هل نحن عاجزون عن تحقيق ذلك؟

               لا يبدو أن الأمر يهمّ معظم اللبنانيين، وكأنهم قد استسلموا للأمر الواقع ولمشيئة زعمائهم الفاشلين. فهم قد تأقلموا مع هذا الواقع، وأصبح أمرا طبيعيا يتحدثون عنه بشكل طبيعيّ. هذا الشعور، شعور اللاشعور بالإحراج أو بالخجل أو بالقهر، هو شعور زعمائهم المتعاونين مع حكومات الخارج حتى ولو ضدّ مصلحة الوطن، حبّا بالمال والعظمة الشخصية. إن التدخل في شؤون الوطن لم يكن لِيَتِمّ لولا تعاون هؤلاء الزعماء مع المتدخلين. خدعة "حصان طروادة" ما زالت تتكرر في لبنان. لم تعُدْ خدعة تحدث تحت جنح الظلام. لم تعُدْ أمرا مفاجِئا لأحد. أصبحت أمرا يجري في وضح النهار، وعلى مرأى ومَسْمَع من الشعب والإعلام، وباعتراف أصحاب العلاقة بالذات الذين يقضون أوقاتهم في الخارج في "عواصم القرار" (والمال)، والذين لا يستحون من التصريح حين يَتَعَقّد (أو بالأحرى حين يُعقِّدون هم أنفسهم) أمر تأليف الحكومة، مثلا، أو إنتخاب رئيس للجمهورية: القرار ليس بيدنا. وعلينا أن ننتظر تطورات إقليمية ودولية ل"بلورة" الأمور.

               بسبب تهافت معظم السياسيين اللبنانيين اليوم، وبالأمس البعيد والقريب، نحو الخارج الغنيّ والقويّ، لتقديم "خدماتهم" لقاء مبالغ هائلة من المال، ولقاء دعم معنويّ (وحتى عسكريّ عند اللزوم) ضدّ خصومهم السياسيين في الداخل، فقد تمادى كثيرا المتدخّلون في شؤون لبنان، وتكاثروا، مع الوقت.

مظاهر وأساليب التدخل في شؤون لبنان

               كيف يتمّ التدخل؟ وماذا يريد المتدخلون؟ وماذا يقدّم الزعماء اللبنانيون "المضيافون" لهم، في جوّ "العشق" المتبادَل وتبادل "الهدايا"؟

               يتمّ التدخل، بكل بساطة، بواسطة السفارات في لبنان. تبادل "الزيارات" بين الساسة والسفارات أمر معروف. وأحيانا بواسطة استدعاءات (تحت ستار السياحة) للساسة اللبنانيين إلى الخارج. معظم سفارات الدول، خاصة القوية منها والغنية، هي وكرٌ معتم للتجسّس على لبنان والمنطقة، ولتوجيه الساسة واستلام تقاريرهم، ولحياكة الدسائس والمؤامرات والفتن والرشوة والإنقلابات والإغتيالات. هذا أمر يعرفه جيدا الإعلاميون والسياسيون والشعب، ولو لم يكن الحديث اليومي لهم متمحورا حوله. وكما قلنا منذ قليل، لا أحد يستحي بكل ذلك. فقد أصبح "تقليدا" متّبَعا ومُتوارَثا، وجزءًا حيويّا لا يتجزّأ من تاريخ الشعب اللبنانيّ، أو بالأحرى، من تاريخ معظم زعماء الطوائف والسياسيين اللبنانيين. الشعب لا رأي له في الموضوع ولا قرار. إنه يتلقى الضربات فقط، يتذمّر ويشكو ويندب حظه التعيس، ثم يصفق لزعمائه، ويعيد انتخابهم. الغريب في الموضوع أنْ لا أحد ينادي بتغيير هذا "التقليد" أو يسعى إلى تغييره. ثمّة بعض الصرخات اليتيمة يطلقها بعض السياسيين والإعلاميين والنخب المتفرِّقة، من وقت إلى آخر، تسجيلا لموقف، ورفعا للعتب، ودون إلحاح، ودون أمل صادق بإمكانية التغيير، ودون جهود متواصلة لتحقيق التغيير. وتستمرّ لعبة "أحصنة طروادة"، اللعبة التي لم يُتْقِنْها ساسة أيّ شعب على وجه الأرض كما أتقنها ساسة الشعب اللبنانيّ.

 "القوة الخفية" والدعم المطلق للكيان العنصري

               إن المتدخلين هدفهم واحد: يريدون أن يبقى لبنان ضعيفا بشعبه وجيشه ومقاومته واقتصاده وفاسدا بكل مؤسسات الدولة، وأن لا يقدر أن يلعب دوره في محيطه وفي العالم، كحامل رسالة حضارة وسلام وشراكة ومحبة وتسامح بين جميع عائلاته الروحية. لماذا؟ تنفيذا لسياسة تلموديّة يهودية صهيونية ماسونية عنصرية، أو ما يُسمى ب"القوة الخفية" التي تدير وتتحكم بسياسة الحكومات العالمية، بقوة المال، وتريد حكم العالم، وتريد أن تبقى الكيان العنصري الذي زرعته بالقوة في فلسطين سنة 1948 على صورتها ومثالها، هي الدولة الأقوى في منطقة المشرق، لتفرض مشيئتها على سائر الدول بعد إضعافها وتحطيمها، ولبنان، نموذج الشراكة في الحكم والتفاعل بين كل الأديان ونقيض الكيان العنصريّ، هو من بين هذه الدول المستهدفة.

               لقد نجح الساسة اللبنانيون المتعاونون (عن جهل، أو عن مصلحة شخصية، أو عن وعي، أو عن تواطؤ خبيث) مع الخارج المتدخل في شؤون الوطن بشكلٍ مزعجٍ ومهين ومؤذٍ لكرامة الشعب الواعي والشهم والفقير والكادح وحده، في إبقاء الجيش اللبناني القويّ بمعنوياته وتضحياته ووفائه وشرفه، ضعيفا بسلاحه، غير قادر على مواجهة أو مقاومة الكيان العنصري المُسَمَّى ب"إسرائيل"، وضعيفا برواتبه وضماناته، كما نجحوا في إبقاء الشعب اللبناني غير موحَّد، وفي إضعاف الإقتصاد وتيئيس اللبنانيين بثقل الإستدانة المتكررة وتراكم الديون وغلاء المعيشة والبطالة وزيادة الضرائب والرسوم على كاهلهم وتحجيم أجورهم وضماناتهم، وإجبارهم على القرف واليأس والهجرة وتفريغ وطنهم، وإفساح مجال التوطين أمام النازحين من الحرب في سوريا واللاجئين الفلسطينيين، وهم من أغلبية طائفية معروفة، من أجل تصفية القضية الفلسطينية، والمزيد من الإخلال بالتوازن السكاني في لبنان، وإرهاق هذا الوطن الصغير نفسيا وإقتصاديا، وتدمير دوره ورسالته، وترويضه، ومن أجل الإبقاء على الكيان التلمودي في فلسطين (بعد إكمال التطهير العِرقي الممنهج والصبور داخل الكيان) كيانا عنصريا قويا، من جنس يهوديّ صافٍ واحد، له غاية واحدة على المدى البعيد، ألا وهي خلق دولة "إسرائيل الكبرى" بالعنف، من النيل إلى الفرات، مهما طال الزمن. وقد بدأ الإعلام الأميريكي، هذه الأيام، يروّج بقوة لهذه الفكرة ولحسناتها الإنسانية والحضارية.

إستهداف المقاومة في لبنان

               ولكنّ هؤلاء الزعماء (الذين تراودهم دائما خلق دويلاتهم الخاصة)، لم ينجحوا في توسيخ سمعة المقاومة وكيل الإتهامات الباطلة لها، كتهمة السعي إلى إنشاء "دولة الفقيه" مثلا، وتهمة استعمال سلاحها في الداخل بعد استفزازها وتهديد وجودها بالذات من قبل بعض الأفرقاء اللبنانيين، وتسمية سلاحها ب"غير الشرعيّ"، وتسميتها ب"دولة ضمن دولة"، وعدم احترام جهادها وشهدائها وجرحاها في مواجهة العدو الصهيوني، ولم ينجحوا في قتل روح القتال فيها، أو في عرقلة مساعيها السرّية من أجل التسلّح، أو في حرمانها من تأييد قسم كبير من الشعب اللبناني لها، أو في منعها من تحقيق إنتصارات رائعة باهرة على العدو الصهيونيّ وعلى كل الإرهابيين الذين ساهم هذا العدوّ هو وحلفاؤه العرب والغربيون في خلقهم وتدريبهم وتسليحهم وتمويلهم وإدارة معاركهم التدميرية في لبنان وسوريا والعراق واليمن (مع تأمين سبل ووسائل تنقلاتهم)، ثمّ، وهنا المفارقة الغريبة العجيبة، في أوروبا والولايات المتحدة الأميريكية، ولكنْ لا في الكيان التلمودي العنصري في فلسطين، الذي يشعل شرّ الفتن والإرهاب والصراعات الدموية في كل مكان، ويظلّ هو وحده بمنأًى عنها.

علاقات لبنان وإيران

               تأتينا، في الوقت عينه، دولة قوية إقليمية، إسمها إيران، تحاربها كل الدول التي تتدخل في شؤون لبنان وتؤذيه، أجل، تأتينا دولة تعرب عن نيتها وإرادتها واستعدادها لبناء الجيش اللبناني، وتعرض على لبنان سلاحا دون مقابل، وتهتم بصدق ببناء وحدة الشعب اللبناني وإقتصاده، وببناء مقاومة قوية في لبنان وتمويلها ومساعدتها على التسلّح والتدريب، والتحضّر، بالتنسيق مع الجيش، لمواجهة تعدّيات الكيان العنصري وإرهابييه على لبنان، ليصبح هذا الوطن المستضعف من الجميع، قوة ردع هائلة للعدوّ العنصري، ومصدر إحترام وحذر وتحسّب وقلق وخوف له. رغم كل ذلك، فإن بعض الزعماء اللبنانيين وأتباعهم، المرتبطين بمال وسياسة الدول الداعمة للكيان العنصري "إسرائيل"، يشكّكون، عن عدم اقتناع، وبخبث وباطنية، بنوايا هذه الدولة، ويرفضون مساعداتها، إرضاءًا لأولياء نعمتهم في الخارج. إلا أنهم، وهذه نعمة كبيرة، لم يستطيعوا إيقاف أو منع تسليح المقاومة وتدريبها، لا هم ولا عواصم العالم التي يستمدون منها أموالهم وقراراتهم وقوتهم وعظمتهم.

               إن هذا النوع من العلاقات بين هذه الدولة الإقليمية القوية والدولة الصغيرة، لبنان، لا يمكن اعتباره، بحسب المنطق السليم وقواعد الأخلاق السليمة، تدخلا بالمعنى عينه للتدخّل الذي يمارسه أذيال "القوة الخفية"، أي حكام سائر الدول الكبرى المستقوية والغنيّة والمتكبّرة، في لبنان. بحسب منطق هؤلاء، المقاومة التي تدافع عن أرضها وشعبها تُسمَى هي ومن يدعمها، بال"إرهابيين"، وب"محور الشر". أمّا الذين خلقوا داعش والنصرة والقاعدة وكل أنواع الإرهابيين في العالم العربيّ، والذين خطّطوا وساهموا وما زالوا يساهمون في تدمير البلدان العربية لتدجين شعوبها وسرقة مواردها الطبيعية، فماذا يُسمّون أنفسهم، يا تُرى، وماذا نُسمّيهم، وماذا يُسمّيهم التاريخ؟ هم، بعين أنفسهم، من خيرة الشعوب. هم "محور الخير". هم حاملو راية الحرية والإخاء والمساواة والديمقراطية والعدالة والنموّ والتطوّر والحضارة، وراية حماية حقوق الإنسان. أما في عين كلّ إنسان عاقل وصادق، فهم الإرهابيون الحقيقيون، الذين يتعدّون على كل الشعوب عسكريا وإقتصاديا وثقافيا، ويهدّدون أمنها واستقرارها وحريتها وكرامتها. والتاريخ، مهما حاولوا تزويره، كما يفعلون اليوم بالذات، من خلال الإعلام المأجور، سوف يعلن حقيقة ما يجري، ويفضح طبيعة الأشرار الحقيقيين، وسوف ينصف الضعفاء والفقراء والمظلومين، والمقاومين الأشراف والصالحين والصادقين، ولو بعد حين.

كيفية مواجهة مؤامرة "الشرق الأوسط الجديد"

               إنّ ما يجري اليوم على يد الدّمى المتحركة لأبالسة "القوة الخفية"، لا سابقة له في تاريخ البشرية جمعاء. إن التعديات السافرة، الوقحة، العنيفة، المدمّرة، على بعض الشعوب العربية (بالتواطؤ مع بعض الزعماء العرب)، وقد سمّوها في بدايتها في شمال أفريقيا (ليبيا، تونس، مصر) تسمية جميلة، رائعة، ألا وهي "الربيع العربي"، وخلقوا لها هدفا ساميا ومشروعا، وهو فرض "شرق أوسط جديد" في منظومة "النظام العالمي الجديد"، أو "العولمة"، تحت سيطرتهم. هكذا، وبكل بساطة، ودون مشورة أحد من الشعوب المستهدفة. إنه تدخل مدمّر لا يرحم، في شؤون الشعوب، تحرّكه وتغلّفه روح الطمع والكبرياء والحقد والعنف والكذب والخداع، تلك الروح التي بثها في نفوس حكام الأرض الضعفاء نفسيا وأخلاقيا وفكريا، بقوة المال والتهديد والإبتزاز، عباقرةُ الشرّ، رؤوس "القوة الخفية" التلمودية، الخارقو الذكاء دون أدنى شك، والخبراء بالنفسية البشرية التافهة، السخيفة، الضعيفة أمام مغريات المال والسلطة والمجد والألقاب والعظمة. هذه الجماعة تعرف كيف تستغل ذلك الضعف في القادة إلى أقصى الحدود من أجل تنفيذ مخططاتها الشريرة.

               في هذا الجوّ العالميّ السيّء حيث تبدو قوى الشرّ مسيطرة على السياسة العالمية والإقتصاد العالميّ وقادة الدول والجيوش، السؤال المهمّ الذي ينبغي على كل اللبنانيين، شعبا ونخبا ومسؤولين، أن يطرحوه، بإلحاح، وبصدق، على أنفسهم، هو:

               هل أنا راض وسعيد بتدخل الدول في شؤون وطني لبنان؟

               والسؤال الأهم الآخر: 
    
               ماذا عليّ أن أفعل، إن كنت غير راض، وهل أستطيع أن أفعل شيئا، لكي أتخلّص من هذا التدخل الذي يجعل حياة شعب وطني لبنان تعيسة ومعرّضة دائما للخطر، والذي يبدو وكأنه أمر مفروض فرضا لا يُقاوَم، عليّ وعلى وطني، ولا مفرّ منه؟

               إننا، في الحقيقة، لا نجد إنسانا واحدا، في لبنان، يقبل، في لحظة صدق، بتدخل الدول في شؤون وطنه (حتى لو صرخ بعض المواطنين في لحظة قرف من الساسة والشعب التابع والساكت والعاجز والمحتار بأمره: ليت دولة أجنبية تحكمنا)، خاصة حين لا يجرّ هذا التدخل إلّا إلى فتن وحروب ومصائب وفقر وحزن (لا إلى تفاعل حضاريّ وازدهار وسلام)، وإلى جلب المزيد من اللاجئين والنازحين لتوطينهم، ضمن خطة جهنمية لخلق الفوضى، في بلد صغير جدا يكاد لا يستوعب أهله الأصليين. إن بعض السياسيين المتورِّطين مع الخارج يقبلون، في سرّ باطنهم، بهذا التدخل (وهم يتمتعون بالعيش، وحدهم، دون الشعب، في جنات نعيم المال والقصور)، وإذا تجرأوا وطرحوا السؤال الأول على أنفسهم، فجوابهم هو، بالتأكيد، وبعد تبريراتهم الخاصة، البليغة، حول "المصلحة الوطنية العليا"، و"خير الشعب اللبناني"، وتطبيقا للمثل الشعبي القائل "اليد التي لا تستطيع كسرها، قبّلها وادعُ لها بالكسر": نعم، نحن راضون وسعداء بتدخل الدول في شؤون وطننا لبنان وعرض المساعدات علينا، "من أجل المصلحة الوطنية العليا". لا خيار آخر لنا.

               أما أبناء الشعب اللبناني الفقراء والواعون فهم يشعرون بالإحباط والقرف، وبأنهم مغلوبون على أمرهم، وبأن أمر إصلاح عقلية وأخلاق الساسة وأتباعهم وعابديهم، مهما علا صوت المصلحين، أمر شبه مستحيل، وهو أمرٌ مؤجَّل إلى أجَلٍ غير مُسَمّى وغير معروف. لذلك، فهم يتركون تسيير وتدبير الأمور (بالتي هي أحسن للساسة، وبالتي هي أسوأ للشعب) لزعماء الطوائف والساسة، ولمشيئة القدر الأعمى، ومنهم من يُصَلّون للسماء بكثرة واستمرار لتخلصهم من كل شرير. إنهم يعيشون حالة رضوخ وتسليم للمشيئة الإلهية، وحالة رجاء بها وبخلاص من لدنها، من جهة، ومن جهة أخرى، يعيشون حالة تصبّر على مشيئة "آلهة" السياسة في لبنان، سياسة الضعف والجهل والطمع والأنانية والكيدية والتكبّر، وحالة الإستمرار بعبادة هذه الآلهة.

               إذاً، إن السياسيين المتورّطين مع الخارج لن يحاولوا عمل أي شيء للتخلص من وصايته وتدخله في شؤون الوطن. إنها تجارة رابحة لهم. هم مقتنعون كل الإقتناع بضرورتها لبناء أمجادهم، ولن يتخلوا عنها بسهولة. وهم، بسرعة البرق، يستبدلون "خارجا" ب"خارج" آخر، أفضل (ماليا، طبعا). لا أمل يُرجى من هؤلاء، لا بكثرة الصلاة والسجود، ولا بكثرة إضاءة الشموع، ولا بكثرة حرق البخور.

دور النخب الجيدة في تحرير الشعب
  
               إن قسما من الشعب يتّكل على بعض السياسيين الأحرار القلائل. وهؤلاء هم أعجز من أن يُحدِثوا أي تغيير جذريّ، سريع، في أمر واقع متجذّر، بشكل عميق وقويّ، في نفوس اللبنانيين وساستهم.

               فما عساه يكون الحلّ يا ترى؟

               إن الحلّ الذي يبدو مستحيلا، يبدأ بأن يكون ممكنا، حين لا يفقد اللبنانيون الأمل. الحلّ لن يأتي بين ليلة وضحاها، وبسحر ساحر. الحل لن يأتي بالصلاة والصوم والدموع والإنتقاد والهجاء والتأسّف، أو بالغضب والتظاهر إلى حدّ العصيان المدني ورفض دفع الضرائب (والدولة تقمع هذه التحركات بقسوة و/أو تجري تسويات تخديرية مؤقتة و/أو تبث الخلاف بين المعترضين لاضعافهم)، خاصة وأن الشعب اللبناني غير موحَّد، ولا يجتمع للدفاع عن قضية معيشية أو وطنية واحدة. الحل يبدأ بالعمل معا، بكل تواضع، على الوحدة، قبل كل شيء، حول مفهوم الوطن الواحد النهائيّ، وطن الرسالة لبنان، وحول مفهوم الحرية والكرامة وحقوق الإنسان، وحول مفهوم توحيد الجهود من أجل حماية وطننا من كل القوى التي تريد إخضاعنا واحتقارنا واستعبادنا بقوة المال والرشوة والإبتزاز، أو بقوة الفتنة، أو بقوة العصا.

               إن توحيد المفاهيم والجهود يعني جرأة وقوة وكرامة ومناعة وأمنا وأمانا وسلاما وازدهارا ومستقبلا أفضل للشعب اللبناني. عكس ذلك هو بعثرة وتشرذم وضعضعة وانقسام وضعف ولقمة سائغة في أفواه الوحوش الجائعة، كما هو وضع اللبنانيين اليوم.

               من يقوم بواجب توعية الشعب اللبناني بأسره على جمال معنى الوحدة وضرورتها وفائدتها وقيادته في مسيرة التحررّ والإستقلال والسيادة؟ ولماذا لم يحصل ذلك منذ زمن بعيد، ولبنان كان دائما في دائرة الخطر، وهو لم يخلُ يوما من المخلصين والصالحين؟

               إننا، كالمعتاد، نستنجد بنخب الشعب اللبنانيّ الجيدة، النخب السياسية المستقلة والعلمانية (القليلة جدا) والنخب الإعلامية والعمالية والروحية والتربوية والفكرية والمالية. هي كثيرة، ولكنها غير موحَّدَة وغير فاعلة، وغير مُمَوَّلة بمال رجال الخير الأغنياء. إنها لا تثبت ولا تصمد كما ينبغي في رسالة توعيتها للشعب وللسياسيين. بعض النخب الإعلامية، مثلا، مرتبط بمراكز تمويل يخسر دعمها إن هو انتقدها. والنُّخَب الإعلامية الحرّة غير المرتبطة بأحد وغير المرتَهَنة لأحد، نادرة جدا، وغير مُمَوَّلَة من الأغنياء الصالحين، ومعرضة للإفلاس وإقفال مراكزها الإعلامية، ولإقفال فمها. ثم إن مقالة واحدة في الإعلام لا تكفي، مهما كانت بليغة ورائعة. وموعظة واحدة في دور العبادة، مرة في الأسبوع، لا تكفي أيضا. وسياسة المداراة لدول الشرق والغرب التي تؤذي لبنان، ولا تفيد إلا بعض الزعماء الخبثاء في الداخل، لا تؤدّي إلى خلاص الشعب اللبناني من كل الشرور الآتية من رؤوس الشر والفتنة وأذنابها. إنما ينبغي فضح الجميع باستمرار ودون تعب وملل وقرف. إن تكرار قول الحقيقة يجعلها أقوى في ذهن من يسمع، وتكرار ما ينبغي عمله من أجل التحرّر يصبح يقينا وجاهزا لإرادة التنفيذ في الوقت المناسب، ومع الصبر الجميل. هذا منطق علميّ من ناحية العلاقة الحتميّة بين السبب والنتيجة، بين الزرع والحصاد.

               عندنا في لبنان، لا لزوم لمداراة خاطر أحد من أباطرة السياسة وآلهتها. فليصرخ أهل النخب كلهم في وجههم بأنهم مغرورون ومتكبرون وجاهلون وتافهون، وبأنهم شحاذون، وذليلو النفس، وخونة للشعب حين يعطون المجال للخارج للتدخل في شؤون الوطن. هذه حقائق ينبغي قولها بقوة وبكثرة. ولكن، من يجرؤ على قولها، وحتّام تأجيل قولها؟

               إنها بداية الثورة التي تشعلها وتقودها الحقيقة. إنها الثورة التي يحلم بها معظم اللبنانيين رغم شعورهم ومعرفتهم واقتناعهم، في لحظات القرف واليأس، بأنها غير ممكنة. إنها ليست ثورة الحقد والغضب والشتائم والحجارة والعصيّ والسكاكين والأسلحة الفتاكة على أنواعها التي يخبئها الشعب اللبناني في قلبه وفي بيته، ولا ثورة النار والحرائق والتهديم والتخريب والسرقة والنهب والتفنّن في كيفية قطع أعناق الناس والزعماء وإراقة الدماء وتنقيص عدد الطائفة المنافسة "العدوّة" قدر الإمكان، كما كانت دائما "ثورات" اللبنانيين ضدّ بعضهم البعض، لا ضدّ المحتلّين المُذِلّين لكرامة الشعب.

               إنها بداية ثورة العقل والفكر والحقيقة ضدّ الباطل والعبثية، وضدّ زعمائهم الأبديّين المتكبّرين الأنانيّين، وضدّ حكوماتهم الظالمة، العاجزة، المتجبّرة.

               والآن، من عساه يقود هذه الثورة؟

               من واجب النخب، كما قلنا منذ قليل، أن تقود الثورة. وقلنا أيضا أن التكرار في فضح نوايا الشرّ وأعماله أمرٌ ضروريٌّ لإنجاح عملية التوعية وبداية التفكير بالثورة. الثورة، بطبيعتها، هي ثورة ضدّ إنسان أو حكم ظالم. نحن نعرف أن نحدّد من هم الذين ينبغي الثورة ضدّهم. ولكنْ، هل خطر ببالنا، ولو للحظة واحدة، أن بداية الثورة الحقيقية ينبغي أن تكون موجَّهة ضدّ أنفسنا قبل كل شيء؟

               كيف نُسمِع صوتنا للنخب؟ وكيف تُسمِع النُّخَبُ صوتَها للشعب والسياسيين؟
 
               هل يقتنع الجميع، بكل تواضع، بأن يثوروا على أنفسهم، أولا، لتتمّ ثورة الوعي، وثورة تغيير الذات، وثورة تغيير الأوضاع الشاذّة؟
 
               هل هناك بين النُّخب وأفراد الشعب والسياسيين من يجرؤ على الإعتراف، مثلا، بأنه إنسان تافه وسخيف وجاهل وأنانيّ وطمّاع ومتكبر ومغرور وضعيف وغير صادق وغير وفيّ؟ إنها صفات لا يخلو منها إنسان واحد على وجه الأرض، مهما علا شانه. لا، لن يعترف أحد بنواقصه وعيوبه بهذا الشكل، خاصة جماعة السياسيين، عندنا، في لبنان، وهم، في عين أنفسهم، آلهة الكمال.

               هل تتواضع وتتوحّد النخب في لبنان لتؤدي باستمرار واجبها تجاه الشعب (وقد صمّ الساسة آذانهم) في التوعية وفي قيادة الثورة؟ 

               هل تستطيع أن تكون شجاعة وصادقة، وتقنع نفسها، أولا، ثم تقنع الشعب: 

               -بأن الثورة ضدّ نفسه ممكنة وواجب، أي ضدّ جهله وتخلفه وضعفه وتردده وخوفه، وضد كبريائه "الطائفية" وال"قومية" وال"عائلية" وال"مذهبية" وال"عرقية"؟

               -وبأن حقوق الإنسان وكرامته وحريته أهم بكثير من عبادة "عروش" وأصنام آلهة المال والعظمة والظلم؟
 
               -وبأن الثورة الحقيقية الأخيرة، في نهاية المطاف، هي في صناديق الإقتراع حيث يقترع كل مواطن، ويكرّر الإقتراع، كل أربع سنوات، للشخص المناسب، بعد محاسبة دقيقة لأدائه خلال الحكم، بحسب أخلاق الشخص وفهمه وصدقه وإخلاصه للوطن وإنجازاته، لا بحسب "صِلات الرَّحِم" على أنواعها، والخدمات الشخصية والهبات أو المساعدات المالية السخية؟

               ما أجملها من ثورة حين يتفاجأ الساسة والحكام الأبديون، يوم الإقتراع، بمقاطعة شعبية شاملة للإنتخابات النيابية، مثلا، أو، بعد عملية فرز الأصوات، بوجود أسماء جديدة كثيرة غير أسمائهم في صناديق الإقتراع، أو بوجود مليون ورقة بيضاء في الصناديق، صناديق "الفرجة" والسحر والفَرَج والسعادة للسياسيين وحدهم؟

               وهل تستطيع النخب أن تقنع السياسيين:

               -بأن يكفوا عن إستدانة أو استجداء المال من الخارج لمشاريع وصفقات (مياه وسدود وكهرباء وغاز ونفط...) لا يستفيد منها الشعب اللبناني بخلق فرص عمل دائمة له، وعليه أن يضحي (كما يطلب منه الساسة) ويتحمل وحده تبعاتها الثقيلة، ويكفوا عن ممارسة سياسة الخداع مع الخارج والداخل معا، والتسبّب بالأذى للشعب اللبناني (تفرقة، ديون، ضرائب، بطالة، فقر، قهر، قلق، تلوث، أمراض، بيئة مشوهة، موت، إنتحار، جرائم، سرقات، هجرة...)؟

               -وبأن لا لزوم بعد اليوم لتمويل جيوشهم الصغيرة وتسليحها وإطعامها وإلباسها وإعطائها رواتب سخية، فقط من أجل حمايتهم الشخصية والطائفية، في الوقت الذي يدّعون فيه حبّهم للجيش اللبناني، ويتباكون على عدم قدرة "الخزينة" (التي أفرغوها وهدروا مالها) على تسليحه، ويسعون بجدية، ونخوة، وغيرة، وقوة، من أجل تأمين المال من منابع دول الشرق والغرب "الصديقة" للبنان، ومن جيوب الشعب اللبناني الفقير، دون تحقيق أي شيء؟

               -وبأن لا لزوم لهم، على سبيل المثال، لشراء قصور وقلاع مكلفة، وسيارات معتمة، براقة، مصفحة، وللمواكبات الضخمة، المسلحة، الصاخبة، وللتوظيف العشوائي للأزلام والأقارب في الدولة، وللتوريث السياسي العائلي، وللسفرات غير المفيدة للشعب أبدا، على حساب خزينة الشعب والمساهمة في إفلاس الدولة؟

               -وبأن يعيشوا حياة بسيطة مع عيالهم ومع الشعب الذي يدّعون محبته واحترامه، فقط في زمن الإنتخابات؟

               -وبأنهم، إن فعلوا ذلك، لن يعودوا، ساعتها، بحاجة إلى مدّ يد الإستعطاء إلى مصادر مال خارجية، فيتحرّرون هم أنفسهم (إن أرادوا حقا أن يتحرروا) من إستعباد آلهة المال لهم، ويحفظون كرامتهم وكرامة الشعب اللبناني؟

هل تنجح النخب في مهمتها؟

               لا يستطيع الإنسان أن يؤكد شيئا. المسألة صعبة وفوق القدرة البشرية. العادات السيئة بنظرنا، إنما هي، بنظر أصحابها، عادات جميلة، حسنة، يجنون من ورائها الأرباح والعظمة والمجد والسعادة. والعادة طبيعة ثانية (أي تَطَبُّع بالإقتناع والممارسة) تصبح أحيانا أقوى من الطبيعة الأولى (أي الطبع الفطري بالولادة). إن بناء أخلاق جديدة وأطباع جديدة، وعادات جديدة، واقتناعات سياسية وأخلاقية وفكرية جديدة، امر ليس بالسهل على أي إنسان. الوقوع في فخّ حبّ المال حتى العبادة، مثلا، أسهل بكثير من مقاومته ومحاولة الإبتعاد عنه. وأيضا، الإدمان على التدخين وشرب الكحول المقامرة، وعلى أي "عيب" آخر، يستحيل، في معظم الحالات، على الإنسان أن يتحرّر منه، حتى ولو حاول وحده، أو وجد من يساعده على المحاولة. "الإدمان" يصبح سجن عبودية لذيذة للمدمن، يرفض مغادرته، وإن حاول فإنه سرعان ما يعود إليه طلبا للأنس والأمان والطمأنينة. نتذكر، هنا، مثلين شعبيين معروفين: "عادة البدن لا يغيّرها إلا الكفن"، و"فالج لا تعالج".

               هل هذه هي حال معظم السياسيين، عندنا، وحال معظم أبناء الشعب؟ أجل، وإلى حدّ كبير.

               أمّا النُّخَب، في نهاية الأمر، التي نُحمِّلها مسؤولية خلق الوعي الشعبي وإدارة الثورة، فماذا عن حالها؟ هل هي موحَّدة الفكر والقلب والإرادة؟ هل هي مُهَيَأة وجاهزة لقيادة ثورة شعبية صعبة ضدّ الذات، ومن ثم ضدّ ظالميه؟

               لا، النُّخَب ليست مُوَحَّدة، وليست مستعدّة لإشعال نار الثورة. عملها الفردي، المستقل، المتقطّع، في الإعلام، مثلا، من وقت إلى آخر، في مجال التوعية والتربية والإرشاد الفكري والأخلاقي والروحيّ والسياسيّ، ليس كافيا، ولا يعطي نتيجة حسنة، ولا يؤدي إلى مكان. النخب، بمعظمها، هي مجموعة أشخاص يهمّ كل واحد منهم مجده الذاتي وحسب. وثمة قلة من هذه النخب لا تريد التعاطي مع واقع ميؤوس منه.

خاتمة: بارقة أمل لا تنطفىء

               في نهاية المطاف، نعود ونطرح الأسئلة الملحّة الدائمة التي تسكن نفوسنا القلقة والمشتاقة إلى التحرّر من سجن العبودية:

               هل تتّحِد النُّخَب؟

               هل يتّحِد الشعب؟ 
 
               هل يتوب السياسيون عن أخطائهم وأساليبهم الملتوية؟

               هل يكون في لبنان قيادة واحدة جديدة، قوية، حكيمة، لا تهمل الشعب ولا تخذله، كما عوّده معظم السياسيين والزعماء منذ الإستقلال حتى اليوم، ولا تتلهّى ببناء ثرواتها وأمجادها وعظمتها على حسابه، ولا تخضع لمشيئة غير مشيئته من خارج حدود الوطن؟

               هل يصبح في لبنان شعب موحّد يتجاوب مع هذه القيادة ولا يخذلها؟

               هل تكفّ الدول عن التدخل في شؤون وطننا لبنان؟ متى ينتهي هذا الكابوس المرعب؟

               نطرح هذه الأسئلة، ونحن ننتظر، على رجاء صالح بمستقبل أفضل، وبإيمان وطيد بإله الخير والحبّ، وننتظر، بصبر جميل على كل ما يضايقنا ونكره، أن تتحقق معجزة ما، في أقرب وقت ممكن، أكانت المعجزة من صنع السماء، أم من صنع الإنسان اللبنانيّ المتحرّر، المؤمن، القويّ، أم من صنع الإثنين معا، لا فرق، ولا بأس. المهمّ هو أن تتحقق هذه المعجزة.

               نودّ أن نتذكّر، هنا، في مسك الختام، قول السيّد المسيح (متى 17: 20):

               "الحقَّ أقول لكم، لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل، لكنتم تقولون لهذا الجبل: إنتقل من هنا إلى هناك، فينتقل. ولا يكون شيء غير ممكن لديكم".

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه