مقدِّمة: فحوى خطاب الساسة وإصغاء الشعب

               يبدو، للوهلة الأولى، أن لا لزوم، ربما، لطرح هذا السؤال، كون الإجابة عليه مسألة تحصيل حاصل، كما يقال. إنه سؤال بسيط جدا إلى حدّ السذاجة. الجواب عليه سهل، لا يتطلّبُ أي عناء في التفكير، إذْ إنّ مخاطبة الشعب تجري يوميا وكل لحظة، على لسان الساسة من خلال الإعلام بكل أشكاله، لوضعه في أجواء ما يفعلون في الحكم من أجل خيره ومصلحته العليا. وقد تعوّدوا هذه المخاطبة بسلاسة فائقة وعفوية بريئة، وأبدعوا في مجال ممارستهم لها. كما تعوّد المواطنون، بدورهم، أن يصغوا، بإنتباه، لما يقوله ساستهم، دون أي اعتراض.

               لقد أصبحت لغة مخاطبة الشعب، في عالم السياسة، في لبنان، معروفة النوايا والغايات، وواضحة الأسلوب والمفردات والمعاني، ومُتْقَنَةً إتقانا شديدا، لفرط التكرار والإعادة من قِبَلِ كلّ من يمارس هذه المهمّة الشيّقة، غير الشاقة، ويتّخذ منها مهنةً دائمة، تتحوّل، مع الوقت، الى هواية ممتعة جدا، لا بل الى إدمان جميل ومؤنس ومفيد لصاحبه، يصعب التخلي عنه، لفرط ما يتأثر الشعب بإهتمام الساسة العاطفي به، ممّا يجعله يشعر ويعتقد بأنه حقا شعب عظيم، ويسكر بأنغام صوتية ولغوية، تدغدغ مشاعره، وأحلامه، وذكرياته، وتاريخه، وكبرياءه الشخصية والعائلية والعرقية والقومية والمذهبية والطائفية.

لغة خطاب لكل الفصول 

               إن اللغة هذه، لغة مخاطبة الساسة للشعب، كما هو معروف، تحمل في طياتها، خاصة في زمن الإنتخابات النيابية المصيرية جدا بالنسبة للمغامرين والمقامرين في حقل السياسة، نيّة التأثير والسيطرة على عقول الناس وتفكيرهم واقتناعهم وإرادتهم وسلوكهم، من أجل نفخ كبريائهم، ونيل رضاهم، واستمالتهم للحصول على أصواتهم.

               تتمحور لغة المخاطبة للشعب حول الإكثار من إغداق الوعود المستحيلة التحقيق عليه، وإيهامه بأن تحقيقَ أحلامه وسعادته رهنٌ بتصديق ما يسمع من زعمائه ومن إعلامهم ومن كل طامع في دخول نعيم النيابة. إنها لغة المبالغة حتى الكذب. بالفعل، من تراه لا يتقن هذه اللغة ممن يخاطبون الناس في دنيا السياسة؟

               ولكنْ، هل يفهم المخاطِبُ من يخاطِبُ فعلًا، أَيْ حقيقةَ طبيعةِ الشعبِ الذي يخاطبُه؟

               وهل يفهم الشعبُ المُخَاطَبُ ماذا يقول له المُخَاطِبُ؟ هل هو يقتنع دائما بالخِطاب؟ 

               ماذا عن مخاطبة الشعب لساسته وأولياء امره، وما يُسمَّى بقادة الرأي في الإعلام؟ هل هي موجودة فعلا؟ وهل هي فعّالة؟ هل ثمّة مخاطبةٌ بين فريقين، بين الشعب وممثليه وقادة رأيه، مخاطبةٌ تُسَمَّى حوارًا، أم أنه خطاب من حهة واحدة؟

               هل هناك خطاب واحد يخاطب به الساسة وقادة الرأي الشعب اللبناني أم ألف خطاب وخطاب لألف فريق وفريق؟

               بأية لغةٍ نخاطب خطابا واحدا الشعب اللبناني بكل فئاته وطوائفه ومذاهبه وطبقاته وأمزجته وأجياله ومستوياته الفكرية والنفسية والأخلاقية، وبكل "هَوِيّاته"، و"قوميّاته"، و"أعراقه"، وبأية لهجة، وبأيّ صوت؟

               إنها أسئلة ينبغي طرحها والتأمل فيها، من أجل شحذ وعينا لواقعنا المُعَقَّد، وتحتاج، لا شكّ، الى تفسير ونقاش، ولا تُحْسَمُ بمجرد الإجابة السريعة ب"لا" أو ب"نعم".

صعوبة مخاطبة الشعب 

               إنه أمرٌ ليس بالسهل، أمرُ مخاطبة الشعب اللبناني. ليس الشعب اللبناني شعبا واحدا. إنه، في الواقع، لا في الأغاني والأناشيد الشعبية واللغة العربية، شئنا أم أبينا، مجموعة شعوب واديان ومذاهب وطوائف وأعراق وقوميات وحضارات، وكل مجموعة هي متعصّبة جدا لمعتقداتها ومستعدّة، دائما، أن تقاتل من أجلها، وترفض الذوبان الطوعيّ أو بالقوّة مع اية مجموعة أخرى. إنها مجموعات تجيد الإختلاف فيما بينها وتتصارع على القوة والسلطة والمال وإثبات الوجود، ولا تمتلك، بعد، وعيا كاملا لقدراتها الكامنة فيها والتي تؤهلها لتحويل تنوّعها الغنيّ وخلافاتها ومشاكلها (كما فعلت دول أخرى هي خليط من عدة شعوب) إلى فرصة ثمينة للتلاقي والتلاحم والوحدة والتقدّم، من خلال مشروع تفاعل بنّاء، خلّاق، مثمر، فيما بينها. إن هذا المشروع لم يكتمل بعد، وما يزال طريّ العود، وعرضة للإهتزازات والفشل والصراعات العنيفة بين مختلف المكوّنات اللبنانية (الحاجة هنا الى دراسة انتروبولوجية وبيولوجية من قبل ذوي الإختصاص).

               علينا أن نعترف، إذا، ودون مكابرة، بأن الشعب اللبناني ليس، في الواقع، شعبا واحدا، متماسكا. ليس قلبا واحدا ينبض نبضا واحد، وليس عقلا مفكرا واحدا، وليس يدا واحدة، وليس له زعيم واحد، وليس له هوية واحدة لا خلاف حولها ولا نقاش فيها (كما هي حال الشعب الألماني أو الياباني، مثلا) لكي تهون مخاطبته بلغة واحدة ولهجة واحدة وصوت واحد. لذلك، يحاول زعماء وساسة الطوائف أن يوجهوا، ظاهريا، خطابهم، إلى الشعب اللبناني كشعب واحد، وهم، في الحقيقة، يخاطبون طوائفهم، ويسجّلون مواقف ترضي أبناء طوائفهم ليعيدوا إنتخابهم بحسب النظام الطائفي الدائم الإزدهار. 

               إذا أردنا أن نغامر في دراسة الطرق والأساليب التي ينتهجها الساسة في مجال التعامل مع الشعب ومخاطبته، والتي قرأنا عنها، وسمعنا بها، وعاينّا وعايشنا قسما منها حتى اليوم، لعلّنا نستخلص منها الدرس المناسب والمفيد لنا، فما عسانا نجد؟ 

               إن هذا الموضوع يتطلب دراسة طويلة ووقتا طويلا لتوثيقها بالوقائع والأمثلة. ولكن، في الوقت الحاضر، يمكننا أن نكتفي بالدلالة على الواقع المعروف وهو أن مخاطبة الشعب اللبناني، عموما، ومنذ حقبات تاريخ إستقلاله حتى يومنا هذا، لم تكن يوما صادقة إلا فيما ندر، وبشكل مؤقت. وقد دفع الشعب اللبناني، بكل طوائفه، الثمن غاليا جدا (من صحته وكرامته وأمنه واستقراره وازدهاره) بسبب خطاب الساسة الكاذب له، المحرِّض ضدّ سائر شركاء الوطن، وتجاوبه الأعمى مع هذا الخطاب. إذْ إن الشعب قد تعوّد ان يغضَّ النظرَ عمّا يقوله أو يفعله زعماؤه، وأن يتجنب محاسبتهم، لأنه، بحكم انتمائه الديني والمذهبي والطائفي والعِرقي والعاطفي والعائلي، وبحكم شعوره المُلِحِّ بحاجته الى حماية هذا الإنتماء أكثر من حاجته إلى حماية الدولة والوطن، يجد نفسه مرغما (ولكن بكل طيبة خاطر، وهنا المفارقة العجيبة) أن يحبّ ويسامح زعماءه، ويدافع عنهم، ويعذر أخطاءهم، ولا يسيء الظن بهم ولا ينتقدهم حتى في سرّه، وينخرط في صفوف جيوشهم الخاصة كجندي إحتياط للدفاع عن طائفته ضد طائفة أخرى، لا للدفاع عن الوطن. والأمر الغريب (الذي لا يلفت نظر أحد) أنه قد أصبح لكل طائفة شهداؤها في حربها ضدّ طائفة أخرى، تحت تسمية "شهداء الوطن". 

               ونحن قد عاينّا، في الماضي، أمرا غريبا، وما نزال نعاينه حتى الساعة، وهو أن كلّ من يحاول أن يكون صادقا مع الشعب وساسته وزعمائه، في القول والفعل، يلقى دائما من لا يريد تصديقه، ويصطدم بمحاربة شرسة من قِبَلِ الذين قد تعوّدوا على الكذب قولا وممارسةً وسماعا، ولهم مصلحة مادية ومعنوية في استمرار الكذب، من ساسة وأتباع وإعلاميين، ويكون نصيبه الإحتقار والصدّ والتهميش والتعتيم، فيملّ، ويتعب، ويقرف، وييأس، ويصمت، ويتنحّى جانبا، ويستأنس في العزلة بعيدا عن صخب برج بابل اللبناني.

هل يعي الساسة معاناة الشعب ورأيه فيهم

               في أيامنا هذه، هل يهمّ أي زعيم أو سياسي أن يعرف، مثلا، ماذا يقول الشعب عنه، وما هو موقفه من الحكام وقادة الرأي؟

               إنهم، أي أبناء الشعب، بمعظمهم، ينتقدون بغضب شديد وتهكّم وسخرية الى حدّ الشتيمة، الساسة (وأتباعهم وحلفاءهم من رجال فكر وإعلام ومال ودين)، ويتّهمونهم بالكذب والسرقة والأنانية والكبرياء، دون أي استثناء. وهناك بعض المواطنين الذين يجتنبون المناقشة الطويلة، المحرجة، مع الآخرين، بأي موضوع سياسيّ، فيتخذون موقفا باطنيّا لحماية عنفوانهم "المذهبيّ" المجسّد بصنم الزعيم. إنهم، ورغم معرفتهم الجيدة لمساوىء زعمائهم، لا يعترفون بها، وراضون عنهم مهما أخطأوا، ومهما انتقدهم الناس. 

               في كل الأحوال، على كل مسؤول سياسي (مدعوم بحلفاء المذهب والإعلام والمال) يريد ان يخاطب الشعب اللبناني، أن يحسن، قبل كل شيء، التخاطب مع سائر المسؤولين بروح الإحترام والصدق، لا بروح الإحتقار والإهانة والكيدية والخبث والنكاية والكبرياء، كما يفعل معظم الساسة، وخاصة أيام الإنتخابات والصراع المستميت في سبيل ربح أصوات الشعب، وايام تأليف الحكومات وتقاتلهم الشرس في سبيل تقاسم الحصص الوزارية والإستئثار بالوزارت "السيادية" و"الوازنة" و"الخدماتية" الدّسِمة، المربحة. الغريب والطريف في الأمر، هو أنهم يعيشون أجمل لحظات حياتهم حين يتفقون على التمديد لولايتهم أكثر من مرة، وحين يزيدون معاشاتهم بسبب غلاء المعيشة، وحين يدرسون الموازنة، والإستدانة، وفرض المزيد من الضرائب على الشعب، وتنقيص أجور وضمانات أبناء الجيش المتقاعدين لملء خزينة الدولة الفارغة، دون أن يبحثوا، مثلا، مسألة تخفيض معاشاتهم ومخصصاتهم وضماناتهم الخيالية، وفرض الضرائب على أنفسهم. 

               على كل مسؤول، إذًا، ان يعي ويحسّ بعمق، انه يخاطب شعبا هو، قبل كل شيء، قد حسم، سلفا، وبمعظمه، خياراته السياسية، واصطفّ اصطفافا نهائيا وراء زعاماته التقليدية أو المستحدثة، لذلك، لا يريد أن يتأثّر بأي خطاب يأتيه من خارج دائرة ولائه واقتناعه، مهما كان هذا الخطاب وطنيا وصادقا وبليغا ومعتدلا ومفيدا. ولكن، إذا كان لا بدّ من مخاطبة الشعب، فليعِ المسؤول أنه يخاطب شعبا، بأكثريته الساحقة، معذّبا ويائسا وغاضبا وعاجزا عن عمل أيّ شيء للخلاص من أوضاعه الصعبة، إلا الهرب من لبنان، إذا أتيحت له الفرصة، إلى بلاد الإغتراب، وأنّ قسما كبيرا من الشعب، ورغم كل المظاهر البراقة، الخادعة، معوز وفقير وجائع ومديون، يئنّ تحت ثقل المعيشة المضني، القاتل، ويلهث، في جوّ من تنازع للبقاء متوحش وموحش، وراء لقمة عيش ضنينة، هاربة، وأنه مريض لا يلقى العناية الطبية اللائقة، وأنه دوما قلق وخائف على يومه ومستقبله، لا يشعر بالأمن والأمان والطمأنينة، وأنه مهدّد، كل لحظة، بأعمال الإرهاب والعنف والتهجير والإنقراض. 

               ولْيَعِ المسؤولون أن الشعب يعاني، فوق كل معاناته من آلام الحرمان، من أعمال الإجرام والسرقة والفلتان الأخلاقي المخيف، في مدنه وقراه، ويعاني أيضا من وجود الأغراب والإرهابيين بكثرة على أرضه، ونزوح اللاجئين الكثيف الطاغي من حرب سوريا الى الوطن الصغير الضيّق، المستباحة حدوده وأرزاقه وأعناق بنيه وكرامتهم وأعراضهم.

               كل ذلك يجري على مرأى ومسمع من مسؤولين متكبرين وأثرياء حتى التخمة والبطر، منفوخي البطون والصدور والخدود والرؤوس والجياب والخزنات، قابعين في نعيم أبراجهم العاجية، الفخمة، المريحة، عاجزين عن فعل أي شيء يفيد ويحمي الشعب، عاجزين، بنوع خاص، عن تدارك وقوع المصائب قبل وقوعها. يجيدون التنافس في الكلام البليغ وحسب، ولكن بعد وقوع المصائب، وبعد فوات الأوان. ما يقدّمه المسؤولون هو التنظير عن بعد، ومن عَلُ، والإستنكار والشجب مع افتعال العبوس والإهتمام، وتوزيع ابتسامات التطمين، والتفسيرات المملّة لما حصل، والحلول العقيمة، والعجقات المفتعلة، والتحركات التي لا خير فيها ولا بركة، أمام عدسات المصوّرين، وأمام شعبٍ غارقٍ في المآسي. كل ذلك يسميه أبناء الشعب الواعون: جعجعة بلا طحين.

               وكان لا ينقص هذا الشعب، في آخر المطاف، بالإضافة الى كل مصائبه ومشاكله المتراكمة والمثقلة على كاهلة وقلبه طوال سنين وسنين، والتي لم تدعه يوما يرتاح، إلا أن يكون مهدّدا، باستمرار، بخطر النفايات الدائم التجدّد، وخطر آخر إسمه "الأمن الغذائي"، إذْ تبيّن أن بعضا من غذائه ملوّث وفاسد، وبعضا من مياهه ودوائه وهوائه. في خِضَمّ كل هذه الهموم والمخاطر، ثمّة ظرفاء كثر من أبناء الشعب، يتهكمون قائلين: لا خوف علينا، نحن اللبنانيين، بعد اليوم، من أي شيء، فقد عانينا الكثير في تاريخنا وذقنا كل أنواع المرارات، وبنَيْنَا، مع الوقت، مناعة قوية ضدّ أقوى الميكروبات والفايروسات، لا بل، إذا نحن بدأنا بالتوقّي الآن، فلا شك أننا نتعرّض، ساعتها، لضعف المناعة ولخطر الأمراض.

               لا ضيرَ من التكرار، هنا، أنه إذا أظهر المسؤولون معرفة ووعيا واهتماما بوضع الشعب هذا، فعليهم أن يعرفوا كيف يخاطبون، قبل كل شي، كما ذكرنا منذ لحظات، شعبا هو، بأغلبيته الساحقة، غاضب، جائع، خائف على مصيره. ثم عليهم أن يعرفوا كيف يقنعون هذا الشعب، وبلغة الصدق والإحترام لا بلغة الخبث والمواربة والتملق والمديح، بأن يثق برؤيتهم الجديدة لمستقبل لبنان إن كانوا يملكون أي رؤية، وأن يتجرّأوا على مصارحة الشعب بأن الحرية والإستقلال والسيادة والكرامة والعظمة أشياء جميلة لا يملكها الشعب. لماذا؟ لن يتجرّأ الساسة، هنا، على المتابعة والقول: بسبب انانيتنا وعشقنا للمال والسلطة والقوة والعظمة، وبسبب ولائنا، نحن، الساسة، وتَبَعِيَّتِنا لدول القوّة والمال والقرار، وبسبب تبعيتك العمياء لنا يا شعبنا العزيز والعظيم.

               إنها كلمات (حرية، سيادة، إستقلال، كرامة، عظمة) تبقى فارغة من أي معنى، إن لم يتمّ تحقيقها من قبل الشعب بالكفاح المستمرّ والوعي والإخلاص والوحدة. وعلى مخاطب الشعب أن ينفخ دائما في الشعب روح الأمل (لا روح الكبرياء والعظمة) وروح الثورة على الذات قبل الثورة على الآخرين من أبناء الوطن الواحد. ثم عليه أن يحاول جهده فعل شيء ما مفيد لخدمة هذا الشعب، وبتضافر جهود مسؤولين صادقين آخرين في حقل السياسة والإعلام والمال والتربية والأخلاق والروح، للإسهام الجدّي، الفعّال، بتخفيف آلامه ومعاناته اليومية، وبتخليصه كلّيّا من محنه الكثيرة، أو على الأقل، من بعضها، ولتحقيق إزدهاره قدر المستطاع.

               إن المسؤول السياسيّ الصادق، المخلص، في الحكم، إذا وَجَدَ نفسَه عاجزا عن أن يفعل أي شيء، أو إذا كان ثمّة من يعرقل نشاطه، فعليه أن يملك الشجاعة الكافية ليصارح الشعب بعجزه، أو أن يفضح إسم المعرقلين أمام الشعب، مصدر السلطات، كما هو مفروض في النظام الديمقراطي الذي يتشدّق به الساسة وإعلاميوهم، أو أن يستقيل من الحكم إذا دعت الحاجة وأيّده الشعب في ذلك.

               نحن نعلم أن ما نقوله، هنا، هو من عالم الأخلاق المثالية، خاصة في لبنان. غير أنه لا بدّ من قوله إذا كنا نتوخى، بصدق، قول الحقيقة، ولا شيء سوى الحقيقة، والدعوة إلى العمل بها.

من المخاطبة إلى الحوار بين الساسة والشعب

              ولكن، هل يكفي أن تتم مخاطبة الشعب من جهة واحدة دون أن يسمعَ المهتمّون بشؤونِهِ صوتَهُ؟

              إن المخاطبة ينبغي أن تصبح تخاطبا. التخاطب يعني الحوار بين جهتين. الإصغاء الى ما يريد الشعب قوله جزءٌ مهمٌّ، لا بل الأهم، من هذا الحوار. ومعروف من قادة الشعب والرأي ماذا يريد الشعب، وهذا بعض ما يريده، دون أن يَجبروا هذا الشعب جبرا على اللجوء إلى التظاهر في الشارع وسدّ الطرقات وحرق الدواليب وتعطيل حياة اللبنانيين وإزعاجهم، لإسماع صوته وإثبات وجوده وتحصيل حقوقه، والساسة، مُدّعو الفهم والحكمة والتفهّم والإصغاء، مرتاحون جدا في قصورهم وفي قلاح الحكم المحصّنة والمحميّة ضدّ الشعب الثائر:

               -إحترام وجود الشعب، واحترام كفاحه عبر تاريخه المأساوي الطويل على درب جلجلة لم تنتهِ بعد، واحترام كل شهدائه الذين استشهدوا في مواجهاتهم لكل الغزوات والإحتلالات من أيام العثمانيين حتى اللحظة الحاضرة، في سبيل حماية حريتهم وكرامتهم وتحقيق استقلالهم ووحدتهم.

               -أن يكفّ الساسة والزعماء عن الإختلاف والتناحر فيما بينهم على حساب الشعب، وعن بناء ثرواتهم وأمجادهم وسعادتهم على إتعاس الشعب وإفقاره وتمزيق شمله. وأن يكفوا عن الإتفاق فيما بينهم فقط على الكذب على الشعب، وعلى نهب خزينة الدولة أي الشعب، وعلى زيادة رواتبهم والتمديد لولاية حكمهم والتضييق على معيشة الشعب بفرض الديون والضرائب والرسوم عليه حتى خنقه. 

               -الرفض القاطع للعودة إلى أجواء الفتنة والحرب الأهلية، وتوقٌ كبيرٌ إلى السلام وإلى بناء الوحدة بين أبناء الشعب.

               -خلق فرص عمل بأجر محترم يكفي للعيش الكريم اللائق بكل إنسان، دون أن يكون بالضرورة خياليا كأجور النواب والوزراء والرؤساء والسفراء والمدراء العامين في الدولة.

               -تأمين ماء، كهرباء، بيئة نظيفة وغير مشوهة بالنفايات والمقالع والكسارات والمرامل، غذاء ودواء وهواء غير ملوثين.

               -تخفيض أسعار ضروريات الحياة، ولجم طمع التجار.

               -طبابة مجانية، تعليم مجاني، ضمان شيخوخة. 

               -عدم زيادة الضرائب، لا بل تخفيضها، وعدم إعفاء  الساسة لأنفسهم منها وإعفاء أصدقائهم من أصحاب المصارف والمال والأعمال.

               -بناء جيش قويّ بالسلاح والرجال دون طلب إذن من الدول الحاضنة للعدوّ الصهيوني والممانعة لذلك، ودون الخضوع لمشيئتها. احترام الجيش واحترام شهدائه، وعدم تحميله أكثر من طاقاته، وعدم المس بأجوره وضماناته في سبيل إنجاز موازنة ظالمة له وللشعب الفقير. بناء الجيش من مال اللبنانيين أنفسهم (مقيمين ومغتربين)، خاصة الأغنياء الكثر من ساسة ورجال أعمال، لا من مال حكومات الخارج الخبيثة النوايا والأهداف والمرامي. بناء الجيش بأسرع وقت ممكن هو من الأولويات الملحّة ليَحْمِيَ (بمؤازرة المقاومة القوية جدا والمُستهابَة من العدوّ وداعميه) الشعب اللبناني وأرضه، من شرّ الإرهابيين وصنّاعهم المتفاقم يوما بعد يوم.

               -قضاء مستقلّ، منيع، بعيد عن فساد الساسة ورشوة المال. قضاء حرّ ونزيه وعادل. قضاء يحاسب ويحاكم "الكبار" قبل "الصغار".

               -وقف مشاريع الإستدانة كليا (واستشارة خبراء إقتصاد صادقين لا يقعون في شَرَك الرشوة)، لأنه قد تبيّن بالدليل القاطع للشعب اللبناني وللخبراء الصادقين ولبعض الساسة أن هذه الإستدانة فاشلة جدا في مجال خدمة الشعب، وناجحة جدا، فقط، في ملء جيوب الساسة المستدينين (بإسم الشعب ومن أجله) وملء خزناتهم السرية في قصورهم وحساباتهم المصرفية السرية في لبنان والخارج، وضبط الهدر والسرقات في الحكومة، وصفقات المياه والسدود والكهرباء والغاز والنفط والأملاك البحرية وغيرها، ومحاسبة القضاء لكل من خالف القوانين ومدّ وما يزال يمدّ يده حتى هذه اللحظة على مال الشعب من ساسة وأصحاب مصارف وتجّار وكلّ من نسَجَ وما يزال ينسج صفقات وعمولات على حساب الشعب المخدوع، المقهور، العاجز، الصامت، وإيفاء الدين العام المخيف، وملء الخزينة اتي أفرغها الساسة من مال هؤلاء الساسة وحلفائهم المعروفين، لا من مال الضرائب والرسوم المفروضة فرضا على الشعب. 

               -تطبيق القوانين على جميع اللبنانيين بالتساوي ودون أي استثناء، وخاصة على من يسمّون أنفسهم ب"أبناء الدولة". 

               كيف يتمّ التخاطب-الحوار من أجل تحقيق كل ذلك؟

               بعقد لقاءات وندوات ثقافية بشكل دائم مع الشعب، لا في زمن الإنتخابات فقط، لوعي حاجاته وهمومه وأحلامه وشكاويه، ولإشراكه في رسم وبناء مستقبله، وعدم الإكتفاء بالتصاريح والتعليقات العامة بقوالب لغوية جامدة، عن بعد، تتسابق في نقلها وسائل الإعلام بشراهة غريبة وراء السَّبَقِ الإعلامي، وبصخب مزعج، وبتواتر مملّ ومُوَتِّر.

               هذا التخاطب يتطلب تضافر جهود ومشاركة جميع نُخَبٍ المخلصين الصادقين المهتمين بشؤون الشعب، والإعتراف المُتَبادَل، بكل تواضع، بوجود وقيمة وفاعلية بعضها البعض، وعدم الإدّعاء بإحتكار فضيلة الوعي والصدق وروح الخدمة.

الخطاب السياسي الواقعي والصادق

               إذًا، معروف ما يريد الشعب، وما العمل للتخاطب مع الشعب والحوار معه. تبقى العبرة بالتنفيذ.

               لذلك، على كل مسؤول سياسيّ، أكان قديما أم جديدا، أن يكون متواضعا وصادقا، وأن يعرف حدود إمكانياته قبل أن يبدأ بإغداق الوعود الكثيرة، المستحيلة التحقيق، على الذين انتخبوه أو يتحضّرون لإنتخابه من جديد، أو لأوّل مرة، كي لا ينتهي، في نهاية مطاف المبالغة والكذب، الى تصديق كذبته بالذات والترويج لها، حين لا يجد أية محاسبة له على فشله. 

               إن الصدق الذي يعني، اليوم، السذاجة، في بلادنا وفي العالم بأسره، هو أفضل لغة للتخاطب مع الشعب، مهما كانت الظروف والعقليات والأمزجة. إن المثابرة والإصرار على استعمال لغة الصدق، ولا شيء سواها، تجارة ورهان رابحان، دون أدنى شك، إنْ صَبَرَ الصادقون حتى النهاية. إنما ذلك يتطلب غَيْرَة رسولية نارية، وروح خدمة متفانية متواضعة، أين نجدهما، اليوم، في عالم يفقد باستمرار فضيلة المحبة واحترام الشخص الآخر، ويغرق أكثر فأكثر في مستنقع عبادة آلهة المال والقوة والسلطة والكبرياء والبطر، في عالم مخيف، غير آمن، ينجرف، يوما بعد يوم، وبسرعة رهيبة، الى ممارسة عبادة مريضة لصنم ذاته، ويضرب بعرض الحائط كل ما يُسَمَّى ب"المبادىء الأخلاقية" و"المثل العليا"؟

               إن كل الكوارث والمآسي التي تصيب الشعوب باستمرار، ودون أي إستثناء، على مرّ التاريخ المعيد لنفسه بكل شروره وتفاهاته وتعاسته وقرفه، سببها بكل بساطة سياسة الكذب والكبرياء والطمع، تلك السياسة التي انتهجها، فيما مضى، وما يزال ينتهجها، حتى اللحظة الحاضرة، معظم ساسة الشعوب، ومن جملتهم ساسة لبنان، المصابون إصابة بليغة جدا بعقدة القوة وجنون العظمة وحبّ المال.

               في لبنان، لو كان الساسة صادقين ومتواضعين ومخلصين دائما للشعب، لما وصل هذا الوطن-الرسالة (كما أراده بعض أبنائه، لا وطن برج بابل وسدوم وعمورة كما أراده وخطط له أبالسة الفتنة والشرّ)، أجل، لما وصل الى ما وصل اليه اليوم:

               -من سوء تفاهم وفرقة وتشرذم وانقسام بين أفراد الشعب، وتباعد ونفور بينهم وبين الحكم، وبين الحاكمين المتكبرين أنفسهم،

               -ومن تسييس لمؤسسات الدولة بكاملها دوناستثناء (من خلال توظيف الأزلام والأقارب توظيفا "طائفيا" عشوائيا لا تتحمله الخزينة)،

               -ومن حالة إقتصادية يُرْثى لها، يعاني منها الشعب الفقير وحده لا زعماء الطوائف الأثرياء والسعداء، ولا كل من يعمل من حلفائهم السعداء أيضا في حقل السياسة والتجارة والمال، 

               -ومن فوضى فكرية وأخلاقية، ومن قلق وضعف وقرف وتعاسة ويأس، وغموض في رؤيا المستقبل. 

               إن تراكم هذا الإرث الثقيل من المشاكل والمصائب والهموم على كاهل الشعب اللبناني، يجعل من هذا الوطن، بشكل حتميّ، وطنا مستضعَفا ومستباحا على الدوام، ومُعرّضا لصفقات الخيانة والتوطين والقضم والضمّ والتقسيم والإفلاس والفوضى والإندثار، من الأعداء والأقرباء، والغرباء، وشذّاذ الآفاق، والإرهابيين، إلى هذا الحدّ المخيف والمذلّ الذي نشهده اليوم، والذي نعاني منه الأمرّين، والذي لا يبشِّر أبدا بالخير، رغم كل التطمينات البليدة، المخدِّرة، غير المُطَمْئنَة أبدا، للسياسيين الأثرياء السعداء جدا على عروش السلطة والمجد، في طلاتهم الباسمة من وقت إلى آخر، عن وضع الليرة اللبنانية الجيد (فقط في جيوبهم وجيوب أصحاب المال والمصارف الكثيرة، الواسعة، العميقة)، وعن قرب بزوغ فجر جديد، فجر حياة أفضل ومستقبل واعد، مزدهر، مشرق، سعيد، للشعب اللبناني.

مسؤولية الشعب ونخبه في إنجاح التخاطب

               لا شك أن الشعب أيضا، لا الساسة وحدهم، يتحمّل، بسبب من جهله وعصبيته وكسله وسكوته عن أخطاء ساسته، قسطا كبيرا من المسؤولية عن تعاسته. على الشعب أن يذكِّر نفسه (لأنه لن يجد مسؤولا واحد صادقا لينعش ذاكرته) بأنه هو وحده مصدر السلطات، وبأن صوته هو حقا من صوت الله، وأنه لا عذر له بأن يتوانى عن القيام بواجبه في ممارسة حق المحاسبة والعقاب (حتى من خلال العصيان المدني ورفض دفع الضرائب إذا دعت الحاجة، وقبل الوصول إلى صناديق الإقتراع) تجاه من يخون الأمانة من المسؤولين الذين اختارهم ليمثلوه في الحكم. فلنتذكّر، هنا والآن، قولَ المسيح: كما تكونونَ يُوَلّى عليكم. ولنتذكر أيضا الحكمة المعروفة: مهما تزرع تحصد.

              إن واقع الحال المحزن في تاريخ شعوب الأرض كلها، إنما هو ناتج من جبلة الإنسان المفطور على الأنانية والجهل والخطأ والنقص والطمع والكبرياء والعنف، أكان سياسيا أم من أفراد الشعب. قليلون جدا هم الذين يتحرّرون، بقوة الإرادة والوعي، من سجن الشرنقة الخانق ليحلّقوا بأجنحة قوية في سماء الحرية الصافية والصدق الخالص. فهل يكون الشعب اللبناني من المتحرّرين القلائل المحظوظين؟

               ونتساءل، هنا: هل تجرؤ النخب المسؤولة عن مصير الشعب، على طرح السؤال: 

               كيف نخاطب الشعب اللبناني وكيف نتخاطب معه وكيف نعمل من أجل ازدهاره وسعادته؟ 

               نطرح السؤال وكأن عملية المخاطبة هذه محكوم عليها بالفشل سلفا (كما هي الحال في كل العلاقات الإنسانية) بحسب ما تعلمنا خبرة الحياة، وبحسب دروس التاريخ، وبحسب الواقع المرير الذي نعيشه في لبنان.

               أجل، على كل مواطن واع، مسؤول، أن يتابع طرح السؤال عينه باستمرار، وعليه المساهمة في محاولة الإجابة عليه، وفي تنفيذ المبادىء الصالحة التي تنير درب أبناء الوطن الواحد، وتوجّه مسيرتهم، معا، على درب الخلاص الطويل والوعر من روح الجهل والكبرياء والأنانية والبغض والتعصّب والكيدية والنكاية والفرقة.

خاتمة: تجديد الأمل 

               رغم كل شيء، ينبغي أن يبقى الأمل كبيرا بغدٍ أفضلَ لوطن الرسالة لبنان. إنه مشروع وطن الروح والمحبة في طور النموّ، وبحاجة ماسة لقرار جميع أبنائه بأن يكونوا رسلا مخلصين، صادقين، من أجل تحقيق هذه الرسالة بالقول والفعل، وأن ينذروا أنفسنهم لخدمة بعضهم البعض، ولتحقيق وحدتهم وإزدهارهم. 

               إن الساسة (وكل إنسان في موقع مسؤولية تربوية أو روحية أو فكرية أو مالية)، هم "الكبار" الذين أعطتهم الحياة الكثير من الحظّ والمال والذكاء والقوة والشهرة، لذلك يُطلب منهم الكثير من التضحية وبذل الذات والعطاء. سوف يُطلب منهم أن يكونوا، بكل بساطة، وقبل أي شيء آخر، "خداما" متواضعين ل"الصغار" من أبناء الشعب، ومنارةً لطريقهم صوب مستقبل آمن، سعيد، لا أسيادا، وأسيادا مستبدين، ظالمين، عليهم.

               هل، يا ترى، يشرق ذلك اليوم السعيد على لبنان، الذي يحظى فيه الشعب اللبناني، من خلال حسن إختياره لممثليه في الحكم، بساسة حكماء، متواضعين، صادقين، مخلصين، شرفاء، شجعان، أقوياء، يحاورونه بإستمرار، ويخدمونه، ويحمونه ضد عين الحاسدين والأعداء الشريرة، ويخلقون له حياة كريمة، حرّة، مزدهرة؟

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه