لم يحدث في ما مضى من تاريخ الإعلام العربي أن وصل إنحدار الأخلاق المهنية  إلى الحد الذي وصل إليه في مثل هذه المرحلة الخطيرة التي تعيشها الأُمّة ، حيث تهاوت الأقنعة وتعرّت الوجوه وكشف الجميع بأنفسهم عن حقيقة ليس فيها أيّ لَبْسٍ أو تورية ، فتكشّف مستور العُهر والحقارة والعمالة الذي كان يتلطى خلف مساحيق الوطنية والقومية والعروبة والإسلام.
فما أسرعَ ما انقلب عشرات الكتّاب والمُثقّفون والإعلاميون على أنفسهم بين عشيّةٍ وضحاها من محاربين في خدمة الثورة على طُغيان نظامٍ وحاكم إلى مستشرسين في الولاء لطاغيةٍ تلبّس لبوس الوطنية وخدع الغالبية من عامّة الناس بشعارات واهية سُرعان ما تبيّن للقاصي والداني زيفها وبهتانها بعد استيلائه على السلطة تحت جناح انتخابات مشكوكٌ في نزاهتها ليس لأن صناديق الإقتراع زُوّرت ، إنّما لأن غالبية وسائل الإعلام لا سيّما منها تلك التي امتلكت إمكانيات هائلة مكّنتها  من السيطرة على مساحات واسعة من الفضاء الإعلامي  وكذلك الإعلاميين والكثير من مُدّعي الثقافة الذين شهرتم تلك الشاشات من خلال استضافتهم الدائمة وتكريسهم كمحللين سياسيين وعسكريين فأصبحت وجوههم معروفة، غالبية هؤلاء تحوّلو إلى أدوات وأبواق فزيّفوا الحقائق وزيّنوا الوجوه الكالحة ولم يتركوا مسحوقاً من مساحيق التجميل المغشوشة إلا وسخّروه للتعمية على الأبصار  فنجحوا في مهمتهم المدفوع أجرها من خزائن رموز الخيانة في الداخل والخارج، وتحوّلت الحورات حول قضايا الأُمّة من المحيط إلى الخليج إلى مُجرّد جدالات  تحريضية طائفية مذهبية تكفيرية .

بكل وقاحة وبداحة يخرج علينا العديد من متصدري شاشات التلفزة الذين يتوزّعون بين المشرق والمغرب فكيفما تحولت من محطةٍ إلى زميلتها تجد ذات الوجوه وكأنّما هم موظّفون بدوام رسمي مهمتهم تبييض طناجر الحكام والوزراء وأصحاب الرتب العالية من أزلام السلطة بسعي دائب لتبرير أفعالهم الخيانية وما أكثر الدلائل فمن بوقٍ مدافعٍ عن زيارة وفد رسمي صهيوني إلى ذلك البلد أو عن جولة وفدٍ سياحي بدعوةٍ من وزيرٍ صهيوني أو متصهين لا فرق في بلدٍ آخر  إلى كاتبٍ لا يُشرّف الكتابة يبرّر للصهاينة مجازرهم في فلسطين ويقلب الحقائق مزوّراً التاريخ لينفي ملكيّة الفلسطينيين في وطنهم ويدّعي أحقية الصهاينة بها، ووصل العُهر ببعضهم لينفوا عن القدس وعن المسجد الأقصى أهميتهما وموقعهما كرمزين دينيين أساساسيين من رموز  الإسلام والمسيحية والأنكى أن هؤلاء يسعون لإثبات آرائهم من خلال الإتيان بأدلة تاريخية مُزَيّفة  لخداع الرأي العام .
وهؤلاء جميعاً دأبوا منذ بضع سنوات  على التمهيد إعلامياً لجعل الكيان الصهيوني مقبولاً في المحيط العربي ولدى الشعب العربي وأنّ من الخطأ معاداته وأن العدو الحقيقي للعرب هو إيران ، ودبّجوا لأجل ذلك عشرات المقالات واللقاءات والحوارات ممهّدين لفتح أبواب الخيانة على مصاريعها ووصلت حقارتهم إلى حدّ الإساءة إلى شعبٍ جبّار قدّمته خيانة وعمالة ملوكهم وأمرائهم وليمةً على مائدة أسيادهم الصهاينة منذ قرن من الزمن ولا زال الأبناء والأحفاد يتوارثون الغدر والعهر  ووصل بهؤلاء الأمر إلى حدّ الترحيب بمن طردهم رسول الإنسانية (ص) منذ أربعة عشر قرناً ونيًف  من الديار المقدسة يرحبون بهم في تلك الديار  ويفتحون لهم البازلت والمراقص فيها للترفيه عنهم .
وسيبقون كذلك إلى أن يُيَسِّر الله أقواماً يطهّرون الأرض من رجسهم إلى أبد الآبدين .
سعى أولئك المُستأجرون عبر خطاباتهم وكتاباتهم وحواراتهم إلى "كَيّ الوَعي" لدى المواطن العربي الذي رضع حليب العداء للصهاينة وحلفائهم في الغرب والشرق وترعرع في أحضان رفض الإحتلال والظلم بالرغم من سواد الهزائم المتتالية، ولكنّهم وبالتأكيد لن يفوزوا  ولن يحقّقوا مبتغى أسيادهم لأنّ أحرارَ الأُمّة لن يستكينوا  مهما عظُم جبروت الحاقدين والمتآمرين والمتهالكين على أبواب الطّغاة من تجّار الهيكل وسيَركُلَهُم التاريخ ليدفُنهم في مزابله كما فعل فيمن سبقهم منذ ألفٍ وأربعماءة من السنين ، وإلى أن يأت ذلك اليوم سنستمر في تعريِتهم وفي ردّ كيدهم إلى نحورهم في القول والفعل.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه