لماذا ينسانا الساسة بعد أن ننتخبهم؟
 
               إنه سؤال يتكرّر دائما، وبكثرة، على ألسنة أبناء الشعب اللبناني. 

               كثيرون عندهم أجوبة على هذا السؤال، وتفسيرات شتى له، وهم واعون لواقع الحال، ومتأقلمون معه كأمر واقع لا تأثير لهم ولا طاقة لهم على تغييره. ومنهم من يقرّرون (مؤقتا وفي ثورة غضب مفتعلة، غير جدّيّة، معظم الأحيان) أن يتوقفوا عن ممارسة حقّهم في الإنتخاب في الجولة القادمة، كبادرة إعتراض على إهمال من انتخبوهم لمصلحتهم الشخصية بالدرجة الأولى، ومن ثمّ، ربما، لمصلحة الوطن.
    
               أجل، لماذا ينسى الساسةُ الشعبَ الذي انتخبهم بسهولة فائقة، وبملء إرادته، بعد دغدغةٍ لمشاعر الدين والعائلة والعِرق والمذهب باسم الوطن، وبعد إنفاق المال الكثير الآتي من أغنياء الداخل اللبناني، ومن دول المال والقرار، في لعبة ديمقراطية تصِلُ، معظم الأحيان، الى حدّ المهازل بالرشوة وتزوير إرادة الشعب المتحمّس جدا لزعمائه يوم الإنتخاب؟

              بكل بساطة، لأنهم واثقون بأن الشعب لن يحاسبهم. ولأن الشعب المنهمك والمهموم بتحصيل معيشته، ينسى هو نفسه الساسة وما يفعلون، ويغضّ النظر عن تقصيرهم في القيام بواجباتهم تجاه الوطن، هذا إذا اعتبرهم مقصرين، فهم أبناء طائفته وحماتها، وهم "منه وفيه"، ومن "عظام الرقبة"، والدم لا يصير ماءا"، وفضلهم عليه كبير. 

               يمكننا، هنا، أن نطرح على أنفسنا بعض الأسئلة التي يتجنب معظم أبناء الشعب اللبناني، أو لا يخطر أبدا ببالهم، أن يطرحوها على أنفسهم: 

               لماذا ننسى الساسة بعد أن ننتخبهم؟ 

               لماذا لا نراقب أداءهم بصدق وموضوعية؟ 

               لماذا لا نحاسبهم على أي تقصير؟

               إن "سعادة" النائب المُنْتَخَب، يعيش دائما في ذروة سعادته ونعيمه، لأنه محميٌّ ومحصّنٌ بماله وعظمته الشخصية وطائفته ونيابته. هو أيضا محصَّنٌ بدعم "خارجيٍّ" ماليٍّ ومعنويٍّ دائمٍ، ودعمٍ عسكريٍّ عند اللزوم ضدّ شركاء الوطن الواحد، ولا شيء يخيفه أو يقلقه أو يخجل به. بالإضافة الى هذا الدعمِ الخارجيِّ وقبض "مَكرُمات" موسمية سرّية، وعلنيّة، من أولياء أمره في الخارج، على قدر رضاهم عن أدائه المنسجم مع مشيئتهم، فإن "سعادة" النائب محصَّنٌ أيضا ب"حصانة" النيابة التي لا تُرْفَعْ أبدا عنه لأية ملاحقة قانونية، ومُحَصَّنٌ براتبه الكبير (مع شيء إضافي إسمه "مخصّصات")، له ولعائلته بعد تقاعده، إن تقاعد طوعيا، أو أقعده الشعب برفض انتخابه، أو بعد انتقاله إلى رحمته تعالى، بعد عمر طويل. كل ما عليه أن يفعله، هو، بكل بساطة، إطلاق كلام، من وقت الى آخر، يمدح ويشكر به الخارج، ويُظهر اهتمامه بمعاناة الشعب، والتصريح، من وقت إلى آخر، حول قضايا وطنية مصيرية، بنبرة دراماتيكية وصوت مأساويّ، والوقوف امام عدسات التصوير، واصطناع الجدّية والعبوس، أو الإبتسام والتهكّم على من يخالفه الرأي، بحسب المناسبة. وأيضا، ثمّة واجبات على "سعادة" النائب أن يقوم بها، كحضور الأعراس والمآتم، والتسليم الحارّ، على الناس، والتعبير عن قوة الإشتياق إليهم، والإستفسار عن صحتهم. 

               إن الشعب يسكر ويفتخر بحضور النائب، والنائب يسكر ويفتخر بحضور الشعب. المسرحية الهزلية تستمرّ. لا أحد يحاسبُ أحدا. يظلّ النواب سعداء كل الوقت، حتى موعد الإنتخابات القادمة بعد أربع سنوات. الشعب يعود إلى تعاسته المعهودة، بعد انتهاء سكرة الإحتفالات بالإنتخابات، وبوعود المُرَشَّحين الخاصة والوطنية، وبدماثة أخلاقهم.
 
               صحيح أن الساسة جميعهم سعداء دائما. غير أنهم يعيشون، أو يفتعلون أجواء خلافات سياسيّة (هي، في الحقيقة، اقتصادية-تجارية-مالية) مستمرة، في جنّة الحكم الغنّاء وخارجها، حول كلّ شيء إلا مصلحة الشعب. عندهم لذة غريبة ومصلحة شخصية في عرقلة مشاريع عمرانية حيوية، مثلا، وخاصة في عرقلة تأليف الحكومة بسبب حسابات الربح والخسارة الأنانية، المتكبرة، المنفوخة، لكل زعيم، ودون اعتماد معيار وطني عادل واحد، حول الأحجام والأوزان الطائفية والمذهبية، وحول أهمية وقيمة وفائدة الوزارات الخدماتية والسيادية وضرورة التنافس للحصول عليها. وكل ذلك من أجل امجاد الساسة الباطلة، لا من أجل خدمة الشعب وخيره. لم ننسَ، هنا، التدخلات الخارجية، كالمعتاد، من خلال غمز بعض الساسة للعرقلة، من أجل تحجيم المقاومة، قدر الإمكان، في تمثيلها الوزاري، وتضخيم حجم المعرقلين، وربط الموضوع ربطا لا جدوى منه بمعارك خارجية في سوريا. 
  
               أما الشعب المتفرّج على مسرحيات الساسة الذين منحهم صوته وثقته في الإنتخابات الأخيرة، والغائب كليا عن حساباتهم السخيفة، التافهة، فإنه قلق على مصيره، ومحتار بأمر ممثليه في الحكم، ويشعر بأن ثمّة خَلَلًا دائما في الدولة، وفراغا معيبا وخطيرا. ما يراه الشعب ويعيشه ويعاني منه الأمرَّيْن، كل يوم، هو جحيم لا يشعر بها ولا يعاني منها سكان جنّات النعيم من ساسة وزعماء، جنّات تجري من تحتها، وتتدفق، بلا انقطاع، أنهار اللبن والعسل والمال والقوة والراحة والسعادة. هذه بعض المظاهر التي تمثل وتجسد جحيم الشعب: 

               فلتان إقتصادي وأمني وأخلاقي. غلاء معيشة. تدنّي الأجور. ضرائب ثقيلة ظالمة. تهريب وتعاطي المخدِّرات. بطالة. تسوّل. جريمة. سرقات. حوادث سير قاتلة. إنعدام الإحترام للقانون ولممثليه ولحماته. حدودنا مشرّعة فالتة. جيشنا الباسل الشريف، القليل العدد والعدّة، لم يُعْطَ أبدا السلاح الكافي الضروري لكي يواجه، وحده، العدوّ الصهيوني وإرهابيّيه. استضعافنا واحتقارنا من قبل الأصدقاء والأعداء على حدّ سواء. هل نكمل؟ قرف وقلق وخوف ويأس وقهر وفقر ومرض وانتحار ونفايات وتلوث وموت مبكر وشيخوخة تعيسة وهجرة قسرية بلا رجعة للمحظوظين.

               أجل، لماذا ينسى الساسةُ الشعبَ بعد ان ينتخبهم؟ 

               إن رؤوسَهم تُضْرَبُ بكلّ أنواع وأشكال الغرور والكبرياء والأنانية والقوة والعنفوان، وروح العظمة وحبّ المجد داخل الوطن وخارجه، وشهوات المال والإثراء السريع. إنه واقع محيّر، ومأساوي، ومقرف، فقط للشعب اللبناني. أما رجال السياسة وحلفاؤهم من رجال مال واعمال ودين، فهم في جنات النعيم الأرضيّ الأبديّ، لا يعوزهم شيء. إنه واقع مُخزٍ جدا، من واجب الشعب المقهور إجتثاثه من جذوره، في صندوق الإقتراع، وعدم الإكتفاء بلفت النظر إليه ووصفه، وانتقاده وهجائه إلى الأبد، دون الوصول إلى أية نتيجة، وكأنه شبح شرير، لا يمكن مقاومته، خلق نفسه بنفسه وله كيانه الخاص، مع تجهيل الفاعل دائما، وتجهيل خالق هذا الواقع "الشبح"، أي الساسة الذين انتخبهم وخلقهم الشعب بنفسه. فهل يفعل الشعب؟

               نتساءل، هنا، بمرارة: حتى ولو لم يحاسب الشعبُ الساسةَ، أليس ثمّة صوت ضمير في داخلهم، هو صوت الله، يحاسبهم؟ يبدو أنّ الضمير فيهم ميت. قتلته شهوة المال والسلطة. وميتة، أيضا، وبالتالي، روح الواجب تجاه الوطن بأسره. الساسة يجهلون أو يتجاهلون واجباتهم ومسؤولياتهم. روحُ الصدق والخدمة الحقيقية الفعلية لشعب الوطن، مفقودة. ومفقودةٌ عندهم كلّيًّا، وعند إعلامهم وجميع حلفاء المال والدين، إرادة التوعية للشعب. وكم هي مقصِّرة في أداء واجب التوعية هذا، نُخَبُ الشعب من مثقفين وأدباء وشعراء وفنانين ومفكرين، باستثناء بعض الأصوات اليتيمة، الضعيفة، بين الفينة والأخرى، وكأنّ أبناء الشعب اللبناني قد تخدّر إحساسهم كلّيا، وفقدوا الأمل نهائيا بالقدرة على تصحيح الأوضاع الشاذّة التي خلقها ساستهم لهم، وعلى مواجهة قوى الشرّ العالمية التي غزت وغمرت وكادت أن تُغْرِقَ وطننا الصغير الممزّق، الضعيف، وكأنّ الجميع يحبسون أنفاسهم بانتظار معجزة ما من السماء للخلاص من هلاك وشيك محتوم.

               إننا نعي تماما كل المشاكل والمخاطر، ونتألم للواقع الذي يتخبط فيه شعب لبنان. إننا نعتقد اعتقادا راسخا أنه على الشعب اللبناني أن يتكل على نفسه أولا، مع اتكاله على السماء، وأن يتّحد وأن يقلِّع شوكه بيده. لذلك، ودون توقّع إجتراح أية معجزات بسرعة البرق على أيد بشرية أو إلهية، نحن نضع ثقتنا وأملنا باتحاد ما تبقّى من النخب الجيدة الحرة (وهي موجودة وتملك مشاريعها، غير أنها مبعثرة ومضعضعة) لطرح أفكار واقعية، بنّاءة، وتقبُّل النقاش وآراء الآخرين بكل تواضع، في مشروع واحد يحمل رؤية جديدة من أجل لبنان الغد. على المشروع أن يضع أصبعه بجرأة ودون مداراة خاطر أحد، على جرح لبنان النازف، ويصف الدواء الناجع. ولا مفرّ من حوار يجمع النُّخَب الواعية، المخلصة. 
 
               المعجزة التي نرجوها، قبل كل شيء، هي خلق واستمرار الحوار بين النُخَبِ المستقلة، ثم بينها وبين  مختلف الأطراف اللبنانية المتنازعة على مصالحها الشخصية لا الوطنية، في الحكم وخارج الحكم، من أجل تأمين أجواء سليمة، دائمة، لا احتقان فيها، ولا وجود للأشباح. إن أجواء الحوار وحدها يمكن أن تخلق إمكانية حلّ كل المشاكل، المعقدة، فقط، في رأس مفتعليها. حينئذ، المعجزة، معجزة شفاء لبنان من أمراضه المزمِنة المستعصية، يُعطى لها فرصة كبيرة وأمل كبير بأن تحدث فعلا، حين يتحد ويجتمع ويناقش اللبنانيون، من خلال نخبهم الجيدة، بتواضع وعقلانية وصفاء نية وقلب، مشروع هذه النخب في كيفية تكوين السلطة من جديد، ويتفقون عليه.

               فهل تتحقّق هذه المعجزة، معجزة الحوار والتواضع والإتفاق والوحدة، ومعجزة الوعي في الشعب اللبناني المُعَذَّب، وتحرّره من تأييده الأعمى لساسته وزعمائه، حتى لو كانوا فاشلين وفاسدين؟

               نتوقف، هنا، قليلا، لنقول بين هلالَيْن: 

               (نحن نعلم أن قسما كبيرا من الشعب اللبناني راضٍ، ربما غصبا عنه، لاعتبارات عائلية ومذهبية وطائفية ومالية ونفسية، عن زعمائه مهما فعلوا، ولا يريد أن يرى فيهم أي عيب أو نقص، ولا غنى له عنهم، ولا يريد تغييرهم. هؤلاء يريدون التغيير، ولكن يرجونه ويأملونه ويتوقعونه ويشعرون بالأمان أكثر، من خلال زعاماتهم التقليدية المتجدّدة بالوراثة وبالروح، لا من خلال مرشحين مستقلين جدد، للنيابة، من أجل خدمة الشعب، غير معروف شرهم من خيرهم بعد. هذا واقع لا نستطيع إنكاره ولا تحدّيه ولا إزالته، إنما نعترف به ونقدّره ونحترمه. لا بل ينبغي إشراك الزعماء التقليديين، كما درجت تسميتهم، والزعماء الجدد ايضا، إن هم أرادوا ذلك، طبعا، في أي حوار بين النخب. في الحقيقة، يزيد اقتناعنا، يوما بعد يوم، بأنه لا مهرب من ذلك. ويزيد اقتناعنا أيضا بأن ثورة شعبية في الشارع لا تنجح لان شعب لبنان لن يتوحد ابدا بسبب انتماءاته الطائفية القوية، ولأن أركان الدولة، مهما اختلفوا على مصالحهم الشخصية، يجمعون دائما على قمع أي تحرك يهدد وجودهم).

               نتابع لنقول: إن معجزة الخلاص الواقعي، الحقيقي، المعقول، تحصل، شيئا فشيئا، لا بسرعة البرق، حين يقرّر الشعب الواعي ألّا ينتخب، كل أربع سنوات، كما تعوّد أن يفعل، دون محاسبة، من نسيَه وخانه وأفقره واحتقره وأتعسه طيلة فترة وجوده في الحكم، وتلهّى في تجميع المال لنفسه ولعائلته، والممتلكات والرجال والسلاح والمجد والعظمة. إن عدم انتخاب هؤلاء واستبدالهم بعناصر نزيهة، صادقة، مخلصة، مستقلة، يُعتبر تحدّيا غير مسبوق في تاريخ الشعب اللبناني، وإنجازا عظيمَا جدا، لو أنه، فعلا، يحصل. ولا خوف على الشعب اللبناني، حينئذ، من أن يقع في هوّة الفراغ أو المجهول، إن قبل هذا التحدي وقام به.

               بكلمة واحدة، إن مأساة الشعب اللبناني تبدأ وتتجدّد، كل أربع سنوات، هنا: 

               1) قانون إنتخابي لا يلائمه بل يلائم الزعماء والساسة فقط.

               2) سوء الإختيار في صندوق الإقتراع.

               3) عدم مراقبة ومحاسبة الساسة على أدائهم في الحكم.

               هل ينتفض الشعب اللبناني ضدّ قانون إنتخابي مجحف بحقه، يقيّد حريتة في الإختيار، ويفرضه عليه الساسة أنفسهم الذين خلقوا له، باستمرار، كلّ المآسي والأحزان؟
 
              هل يُحسِنُ، بعد ذلك، الإختيار، بواسطة قانون يناسبه، هو يختاره؟

              هل يحمل، دون خوف، مسؤولية محاسبة نوابه؟ 

               هذه هي أولى الخطوات وبداية طريق الخلاص الطويلة الوحيدة للشعب اللبناني من كل مآسيه وأحزانه المزمنة والمتفاقمة.   
     
              خلاصة القول: 

              إن مجلسا نيابيًّا جديدا، كل أربع سنوات، يعكس ويجسّد، أكثر فأكثر، مشيئة الشعب اللبناني المتنامي وعيه، يعني التقدّم، خطوة خطوة، بشكل صبور وبطيء، ولكن أكيد، على طريق الوحدة والتحرّر والإستقلال والسيادة والرقيّ والإزدهار والسعادة.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه