تحت شعار "نموذج عالمي رائد"، طفى على السطح مشروع نيوم، الذي يعني لغةً وإصطلاحا "المستقبل الجديد"، والمشروع سيربط القارات الثلاث "آسيا وأفريقيا وأوروبا"، هذا المشروع أضخم مشروع رأسمالي على مستوى العالم، فكرة المشروع أن يصبح محوراً يجمع أفضل العقول والشركات معاً لتخطي حدود الابتكار إلى أعلى مستويات الحضارة الإنسانية. وتصميم المنطقة الخاصة به لتتفوق على المدن العالمية الكبرى من حيث القدرة التنافسية ونمط المعيشة؛ إذ من المتوقع أن تصبح مركزاً رائداً للعالم بأسره.

هذا الأمر من الناحية النظرية لا غُبار عليه، فكل دول العالم تطمح لأن تكون رائدة في كل شيء، وأن تفيد شعوبها وجوارها والعالم من هذه المشاريع الرائدة لتحقق هدفا إقتصاديا وإجتماعيا على الصعيدين الداخلي والخارجي.
لكن حقيقةً هل هذا المشروع سيطبق ذات الشروط التي ظهرت وتم نشرها؟ وهل من ينخرط فيه الدول الثلاث المذكورة "السعودية والأردن ومصر؟ وهل تسليم جزيرتي تيران وصنافير المصريتين له صلة بهذا المشروع؟

أسئلة مشروعة

يرد في ذهني عشرات الأسئلة وأعلم مسبقا الأجوبة، وأعرف تماما ما هو المخطط، ولوهلة يجعلني أستحضر في خبايا الذاكرة "وعد بلفور"، وفي الزمن الحديث الإقتتال المميت والربيع العربي الذي من أهم أسبابه طرق الغاز عبر سوريا التي تصل الشرق بالغرب وغير ذلك الكثير من مشاريع سرية وعلنية منها ما سمعنا به ومنها ما يزال طي الأدراج إلى حين زمانه ومكانه.
هذا المشروع في أساسه فكرة صهيونية، الهدف منه توسع الكيان الصهيوني وزيادة قوته وبأموال عربية لا بل أكثر من ذلك وبأيادٍ عربية، هذا هو الدرك الأسفل حقيقةً، أن نكون وقود توسع وزيادة في قوة قاتلنا، أن نكون الممول والخادم في نفس الوقت، هذا الأسئلة التي ذكرتها بعضا منها أعلاه تتزاحم في رأس الكثيرين، لكن ما عساهم فاعلين أمام آلة البطش، فبينما هناك شعوب تتقاتل لا على توسع أو زيادة قوة كما كيان الاحتلال بل قتال لأجل الحياة والعيش الكريم، والذي فقدوه بسبب مخططات محور واشنطن والغرب عموما.
الشعوب المظلومة تقاتل على حق منحها غياه البارئ عز وجل، بينما كيان الاحتلال يطمح الآن إلى تنفيذ مشروع لن يكتمل حتى العام 2050، وقبل أن يسأل أحد أن إسم كيان الاحتلال غير مطروح وهذا مستحيل لأنه المستفيد الأول والأخير ويعمل في السر كعادته حتى موعد إعلانه الرسمي فلا حياء أو خجل لديه من إحراج أي نظام عربي أو خليجي.

نيوم وصفقة القرن

مشروع المستقبل الجديد إذا ما غصنا في تفاصيله والرفاهية المدرجة ضمن قوائمه والصناعات والإقتصاد والزراعة والطاقة، كل هذه الأسباب، سبب وجود الكيان المارق في أرض فلسطين المحتلة، الغاز في المياه الإقليمية مع لبنان والغاز المكتشف في سوريا، ونفط العراق وثروات السودان، ومحاولات الإنقلاب المستمرة في أفريقيا والمعادن الثمينة في أفغانستان، وأموال ونفط الخليج، لنتوقف قليلا هذه الثروات لو وزعت على شعوبها بما يرضي الله عز وجل، فهل كنا عرفنا حروب، ولو هذه الثروات ذهب جزء منها لإنهاء معاناة شعب أنهكه الاحتلال الصهيوني، فهل كان سبعاني داخل الوطن المحتل، وحتى في بلاد الشتات؟!
لقد ذكرت في مقالي الماضي عن الوطن البديل، ومن هنا نفهم لماذا الأردن ومصر لهما دور في هذا المشروع الضخم، الأيدي العاملة ستكون عربية كما أسلفت، من هنا سيكون دمج الشق السياسي بالإقتصادي مفتاح لحل مؤقت بنظر أصحاب المشروع، من خلال إلهاء الشعب الفلسطيني بالعمل وإنهاكه، بعد إستحداث وطن بديل في المخطط الذي اتفق عليه في سيناء والأردن، من هنا كيان العدو يتفرغ لسحب المزيد من الثروات، إلى جانب إستمراره في الإستيطان وقمع الشعب الفلسطيني، فمشروع نيوم بنظرهم سيلهي هذا الشعب المناضل، الذي لا يُشترى بالأموال كالبعض ممن باعوا القضية، مع الأسف الشديد، نخجل من هؤلاء الذين يضعون حرمات وخطايا الأبرياء في رقابهم وهم يستطيعون تقديم العون لهم، فإلى أين وصلنا وكيف السبيل لإقناعهم بأن الله سيحاسب على كل صغيرة وكبيرة.

سلام ولكن

يعتقد البعض ان هذا المشروع   نهاية الأزمة الإقليمية التاريخية بين العرب وكيان الاحتلال الصهيوني، إذ سيبدأ المشروع من جنوب سيناء في مصر أولاً، ليمتد شمالاً لتشمل شبة جزيرة سيناء كاملة، وبذلك يكون ذلك المثلث العملاق الممتد في مصر والأردن والسعودية "منطقة اقتصادية حرة"، فأين هي نهاية الأزمة، والله لا أرى أي سلام قادم من العدو الذي قتل أجدادنا، وعبث بمقدساتنا، وعاث فسادا في دواخلنا، إن الزمن قريب ورأينا جميعا كيف تهافت إعلام العدو في البحرين على الصور في شوارعنا وحاراتنا، مفتخرا بما وصلت غليه حكومته، في حين البعض منا بات يجاهر في وقاحته، ولا يرى عدوا ومحتلا سوى إيران التي حملت على عاتقها هموم المقاومة ودعمتها بكل قوتها.
اليوم ان تتكلم بالحق وتنطق به هي تهمة، أن تكون مع محور يعادي كيان الاحتلال هي شبهة، أن تقف في صف الشعوب المظلومة هي عمالة، لكن هم والله يخجل الفم من النطق عن وصفهم، وماهية طرق تفكيرهم.
فكيف تحدثني عن العمالة وفي لقاءاتك تمسك بيد الصهيوني، وكيف تقول عني زورا وبهتانا، وسجونك مليئة بمن فكروا قبل المحاولة بالتغيير، فكيف أكون غير منصفا وأنتم بعتم أنفسكم وشعوبكم وقضاياكم، العروبة أن تشربها وتعيش وتتغلغل فيها، لا ان تخرج بشعارات جوفاء فارغة خالية من مضمونها، أن تقول الحق وتكون مسؤول عن كلامك خوفا من الخالق، لا من كيان مارق، أن تكون حرا لا عبدا، لأن مفاتيح الحرية في جيبك وهم يسلبوك هي شيئا فشيئا.

أعزائي ما حييت سأبقى مناصرا للقضية الفلسطينية، سأبقى وفيا لشعب فلسطين المقاوم، قد لا أستطيع تغيير الواقع، لكن لكلامي جمهور يسمعه وقد يحدث ذلك فرقا، وقد يكون حجرا أول لمشروع أمسى وأعلى مكانة ورفعة من نيوم وغيره، مشروع حق العودة وفتح أبواب القدس وعودة أهلها، مشروع تحرير فلسطين المحتلة الذي هو من أسمى المشاريع.
لي الفخر ان أكون من مناصري قضيتي الأولى، فما بعدها يعني الزوال.
كاتب ومفكر كويتي مستقل

المصدر: النهضة نيوز
المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه