إن الإنسان المحب للحقيقة، الذي يحاول أن يُعمل فكره بصدق وجدّية في مسائل حيوية تهمّ شعب وطنه الذي يحبّ ويقدرّ ويحترم، لا يستطيع، أبدا، أن يتجاهل هموم ومخاوف هذا الشعب المحاط بالأخطار من كل جانب، ويسكت ويختم نشاطه النبيل هذا، ويعلن توقفه عن التفكير، مهما قلّ قرّاؤه، وقلّ سامعو صوته اليتيم الصارخ في برية اللهو والضجيج والضياع، ومهما وجد نفسه في عزلة وجودية صامتة، هي، بحدّ ذاتها، رغم غيمة الكآبة الموحشة التي تظلّلها وتسكنها أحيانا، مؤنسة لروحه الثائرة دوما على ذاتها، وعلى الأوضاع السيئة في العالم وفي الوطن، والمكتفية بأنس عشرة الحقيقة ونورها وسلامها.

               يستمرّ العمل، إذًا، تأمّلا وكتابة، بدافع حبّ الحقيقة، وبدافع الغيرة على مصير شعب مُعذّب، مشتّت وراء رعاة كثر دائمي الخلاف والتناحر، لا يتفقون إلا على سلخ جلده، شعب غير موحَّد وراء راع صالح يجمعه في حظيرة الوطن الواحد ويحميه من شر الذئاب الخاطفة. إنه شعب مُهدّد على الدوام بخسارة ما تبقى من هويته المبعثرة، الباهتة، وسيادته غير المكتملة، المخطوفة، وأرضه المستباحة، وعنفوانه الذابل، وكرامته المُداسَة، المُهانَة، ووجوده المنازع.

               إن نشاط المفكّر إنما هو من أجل توعية كلّ من يحبّ وكل من يجرؤ أن يعيَ الحقيقة، من أبناء الشعب أو من ساسته ونخبه، ويجاهر ويبشّر بها دون تردّد، ودون خوف من أعدائها الكثر، ويعمل بموجب ما تأمره به. 

               المفكر الصادق، الحرّ، الذي يؤمن بقدسية الكلمة، لا يحاول أبدا أن يسوّق أفكارا لأية عقيدة أو فلسفة سياسية، أو أن يدعم أية حركة سياسية تبعا للمصلحة الذاتية، أو أن يمدح ويؤلّه ويعبد صنم الزعيم وآلهة المال والقوة. وإنْ كان ثمة أية محاولة تسويق ودعم لأي شيء، فإنما هو تسويق ودعم لمبادىء الأخلاق والروح وحسب، ودون انتظار أية مكافأة أو حتى أية كلمة شكر من أحد. إنها مبادىء قد فُقِدَتْ، اليوم، لا بل كانت، معظم الأوقات، مفقودة، ولم تُعْتَمَدْ إلا في فترات نادرة جدا، منذ الإستقلال حتى اليوم، في التعاطي السياسي بين الساسة اللبنانيين أنفسهم، وبينهم وبين الشعب.

               لبنان هو وطن بالجسد والروح. أرضه هي جسده. الطوائف المتنافرة فيه والمستنفرة دائما وراء زعمائها ضدّ بعضها البعض، هي روحه، لذلك نودّ ونفضّل أن تُسَمّى ب"العائلات الروحية"، لتكون عائلة واحدة، وتصبح روح لبنان الحيّة. "التعايش" البارد، الحذر، الكاذب، المؤقت، في لبنان، بين الطوائف، ينبغي أن يصبح ويُسَمّى "مشاركة" صادقة، ودّية، حارة، محبة، محيية، منتجة، خلاقة، دائمة، في الحياة الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والوطنية. وهكذا يتحوّل إسم لبنان، في نهاية هذا المطاف، من "بلد" تسكنه مجموعة قبائل تملك أنانيات ضخمة، تدّعي كل واحدة منها التفوق في الحضارة والرقي، وتفتخر بماض عريق، وتتعايش بخبث وباطنية وكيدية، حينا، ويتنافس ويتناحر زعماؤها على حصص الحكم وخيراته وعروشه بعنف شديد، معظم الأحيان، إلى "وطن"، وطن ذات رسالة سامية، رسالة محبة وسلام ورقيّ حضاري حقيقي، تسكنه عائلة واحدة بالفعل تجمع أبناءَها المصلحةُ الوجودية الوطنية الواحدة، والمحبة. 

               كل هذه المعاني الروحية للبنان، ينبغي أن يعيَها جميع اللبنانيين، وأن يعملوا، معا، على تنميتها وحمايتها. إنها تعني وجودهم واستمراريتهم، ونجاتهم من الإندثار، في عصر العولمة والصفقات والمراهنات التجارية التي يجريها "الكبار" بحياة الشعوب والأوطان. بهذه الروحية يفكّر المفكر ويكتب من أجل خلق وعي في نفوس أبناء الوطن لرسالتهم الروحية الفريدة في هذا العالم الماديّ، المضطرب، المتوحّش، المؤمن فقط بالقوة والمال والخداع، والرافض والمحتقر للقيم والمبادىء الأخلاقية والروحية.

               يحاول المفكر أن يمارس عملية التفكير بموضوعية وصدق وحرية واستقلالية وتواضع، ويحاول أن يستكشف حقيقة ما يجري في وطنه لبنان وحوله، وأن يستكشف الحلول لمشاكل الوطن المعقّدة العارمة، المتفاقمة بشكل مخيف، وأن يشارك شركاء الوطن الواحد بهذه الحقيقة وهذه الحلول، لحثّهم على ممارسة التفكير بدورهم، بجدّية وصدق وشجاعة، وتكوين وعي سليم مٌوَحَّد لواقعهم ولواقع العالم، وتحديد من هو العدو الحقيقي ومن هو الصديق الحقيقي للوطن واتخاذ موقف صريح وواضح من الإثنين، والعمل الموحّد من أجل بناء الوطن الواحد، القويّ، المقاوم، الخالي من الضعف والفساد، في كل المجالات والحقول (إقتصاد سليم، دولة غير مفلسة بسبب السرقات والنهب، فرص عمل، حياة كريمة، ضرائب ورسوم معقولة على الشعب الفقير، ضمانات صحية ومالية لكل الأعمار، تربية وطنية وأخلاقية، علم، ثقافة، قضاء نزيه غير مسيَّس، جيش كامل العدد والعدة، غير مسيّس أيضا...)، ومن أجل حماية هذا الوطن الواحد من كل شرور الإرهاب وفرض صفقات التوطين ودمج الشعوب بالقوة، وبإغراءات المال، وبإسم الأخوة الإنسانية والقومية وحقوق الإنسان، ومن شرور الرذيلة والفساد والمادّية والإلحاد. كلها شرور تحملها إلينا وإلى "الشرق الأوسط الجديد" أمواج العولمة الطاغية، التي لا تهدأ ولا تستكين. إن الكيان الوحيد الذي حافظ على نفسه وبقي بمنأى عنها، هو الكيان الصهيوني اليهودي العنصري الذي اغتصب  أرض فلسطين وقتل وشرّد وأسر شعبها، وهو الشريك الأساسيّ للغرب في خلق وتوزيع وزرع وإدارة هذه الشرور.

               ليس المقصود النيل من كرامة أحد من ساسة وشعب، حين يقرّر المفكر التعبير عن رأيه وتوضيح وجهة نظره. المقصود هو التوعية فقط، وشحذ همّة جميع أبناء الشعب اللبناني والساسة لوقف إضاعة وقتهم وطاقاتهم البناءة في الإصطفاف المذهبي الأعمى، الباطل، العبثيّ، وتبادل الحملات العنيفة وغير المجدية في جولات إعلامية متتالية من الشتم والسخرية والحقد والتخوين والإتهامات، ونبش قبور الماضي والتذكير بأعمال العنف بين الطوائف خلال عهود الغزوات والإحتلالات والوصايات، وادعاء البعض إحتكار الوطنية والنقاء والطهارة والقداسة والكمال والعصمة لأنفسهم، في وطن قد أثبت الواقع السياسي والإقتصادي والإجتماعي المرير، المعيد لنفسه حتى الساعة، والشديد الوطأة على الشعب وحده دائما، بأنه لا ملائكة فيه بين جميع الساسة والزعماء دون استثناء، خاصة الآتين منهم من مستنقعات المال وأوحال الحرب الأهلية والطائفية. في هذا الجوّ المحموم والمسيء لكل أبناء الوطن، من واجب الجميع أخذ المبادرة السريعة إلى الإتفاق من أجل العمل معا على إنقاذ الوطن بشعبه الطيب المعدن، ولكنْ غير الموَحَّد وغير السعيد، وإنقاذ أرض الوطن الرائعة الجمال، ولكنْ المعرّضة، بإستمرار، لمزيد من التلوث والتشوّه على يد بعض الساسة وحلفاء المال والمصالح، ولمزيد من القضم والضمّ وسرقة الموارد الطبيعية على يد العدو الشرس، الطمّاع، المخادع، الغنيّ عن التعريف، هو، وداعموه. 

               إن وطننا لبنان يسير، منذ نشأته، على شفير الهاوية، ومعرّض، دائما، للإنهيار، حتى هذه اللحظة. نكرّر نداءنا لأبناء الشعب وساسته وزعمائه: 

               إن الحاجة ملحّة جدا، اليوم، لعملية إنقاذ سريعة للوطن، تجمع كل قوى وطاقات ومواهب "العائلات الروحية" المهدورة، سُدى وعبثا، في حفلات التحدّي والنزالات المتكبرة، العقيمة، التي ينظمها ويحييها زعماء الطوائف، ويجرون أتباعهم إليها والإعلاميين، وكأنه لا وجود من حولنا وبيننا، لخطر أعداء وإرهابيين يتربصون بنا شرا، ويتحيّنون فرص تفسخنا وتشرذمنا وضعفنا لينقضّوا علينا ويفترسونا افتراسا.

               إن التوعية ينبغي أن تركِّز على لفت نظر الجميع إلى معنى لبنان "وطن الرسالة"، ومعنى حقوق الإنسان، وقبول الآخر، واحترامه، وإلى وجوب وعي وتحقيق ذلك بقلب واحد، رغم كل المعاكسات لمنعه من قبل قوى الكبرياء والطمع والمال والسلطة والسيطرة، داخل الوطن وخارجه.

              ولا بدّ لعملية التوعية الصادقة أن تركّز بجرأة على توجيه الإتهام بالتقصير إلى معظم الساسة بالدرجة الأولى، وإلى الشعب أيضا، بنسب متفاوتة، لا إلى دول العالم الطامعة بالسيطرة علينا واستعبادنا، بحكم طبيعتها العدوانية، والتي لا تنصت إلى صراخ الموجوعين، أو إلى مشورة ونصح الحكماء والعقلاء. فمعظم الساسة، وبحسب تقليد موروث ومُحَبَّب إلى قلوبهم قد أصبح جزءا من "التراث" الشعبي السياسي، يهتمون دائما بمصالحهم الخاصة وبالتعامل مع الخارج ولو ضدّ مصلحة الشعب. إن همّهم، وهذا أمر معروف من الجميع، ينصبّ على النجاح بالإنتخابات النيابية بأي ثمن، لا من أجل خدمة الشعب كما تقضي بذلك روح الواجب، بل من أجل تأمين مركز في الدولة، مع ما يجرّه هذا المركز من شعور بالعظمة، وحصانة، وإعفاءات ضريبيّة، ورواتب و"مخصّصات" وتعويضات خيالية لهم ولعيالهم حتى بعد الممات، وفرص ثمينة لكسر القوانين وعقد صفقات وربح عمولات وتكديس ثروات، دون أية رقابة ومحاسبة من الشعب أو من أية سلطة نيابية أو حكومية أو قضائية. 

               أما الشعب، فهو لا يحاسبهم أبدا على ما يفعلون، أي على إهمالهم له بعد وعودهم الكاذبة له خلال حملاتهم الإنتخابية، بإدخاله جنات النعيم، ويثابر (وهذا أصبح أيضا تقليدا موروثا وجزءا من "التراث" الشعبي السياسي) على إعادة انتخابهم لأسباب تافهة ومعروفة تتعلق بعنصرية الإنتماء العائلي والطائفي والمذهبي، لا بروح الإنتماء إلى الوطن الواحد.

               إنها حقائق جارحة لكبرياء الإثنين، الشعب والساسة، ولكن ينبغي أن تُقال بصدق ومحبة، ودون نية الإدانة والإهانة، من أجل خير الإثنين، وشفاء الوطن من أمراض الجهل والكبرياء والتعصّب والفساد المزمنة.

               المقصود، إذاً، هو توعية الشعب والساسة على واجباتهم المنسيّة تجاه بعضهم البعض، وخلق أمل متجدّد بدور لبنان الأخلاقي والروحي المحبّ والقويّ بوحدة شعبه وبجيشه، وبقدرته على النهوض من كبوته، وعلى تحقيق الإزدهار وبناء مستقبل آمن، في عالم يجنح كل يوم أكثر فأكثر، وبسرعة رهيبة، نحو عبادة آلهة المال وعبادة الذات وتأليه القوة والحرب وأدواتها المتطورة، واحترام وتمجيد الأقوياء والأغنياء فقط، واحتقار وسحق الضعفاء والفقراء.

               إن ما يُجهِد المفكر نفسه في سبيل كتابته، ينتظرُ من يقرأه بصبر، وفكر ناقد، بنّاء، ومن يتقبّل الحقيقة بعقل منفتح، واع، صادق، متواضع، محبّ، وموقف غير متهكّم وساخر أو رافض، ومن يجاهد في سبيل اكتشاف المزيد من الآفاق الجديدة لتحقيق مسيرة الثورة الروحية والأخلاقية على الذات، وفي سبيل نقل عدوى روح الثورة هذه، بكل نقاوتها وطهارتها وسموّها، إلى سائر شركاء الوطن الواحد لبنان، وطن الرسالة.

               إنها، في الحقيقة، وببساطة، محاولة طموحة من المفكر (تبدو، ربما، ساذجة وشبه مستحيلة في عالم شرير)، لكي يشعل ثورة الرجاء الصالح القويّ بملكوت سلام ومحبة وازدهار سماويّ/أرضيّ في لبنان، لعلّه يصبح، إن قُدِّرَ لهذا الملكوت أن يرى النور وينمو على يد رعاة وفَعَلَة صالحين، منارة تطرد ظلمات العالم، ومِلْحًا صالحا لهذا العالم الفاسد، وقدوة صالحة لمن يشاء الهداية، بحسب ما وُعِد به الصابرون، ومجاهدو الروح، وفاعلو السلامة، والودعاء، والمساكين بالروح، والنقية قلوبهم، والرحماء، والمضطَّهَدون من أجل البرّ.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه