يا أحرار لبنان، 

               إننا نناديكم ونناشدكم وندعوكم، اليوم، وبإلحاح شديد، للمزيد من الوعي واليقظة. لا تؤجّلوا، كالمعتاد، ولا تفوّتوا هذه الفرصة الثمينة. 

               إن دعوتنا هذه هي بدافع الحبّ لشعب لبنان بكل أعماره وفئاته وطوائفه. إنه نداءُ حبٍّ نابعٍ من القلب والعقل، وموجّهٌ الى قلوبكم وعقولكم يا أبناء لبنان. أصغوا الى هذا النداء الحارّ، ثم احكموا انتم بأنفسكم على صدق نبرته وصدق الرسالة التي يحملها.

               إلى الوعي واليقظة ندعوكم، لأن الأخطار المُحْدِقة بوطننا لبنان، والمتغلغلة في ربوعه، مخيفة جدا، وهي تتكاثر كل يوم، وأنتم تعرفونها جيدا: الكيان الصهيوني العنصري، الإرهاب، صفقة القرن وما تعنيه من بيع وشراء ضمائر، وفرض تقسيم وقضم أوطان وترسيم حدود جديدة، وسرقة موارد طبيعية، وتشريد وتوطين ودمج شعوب وقتل قوميات وحضارات، والحالة الإقتصادية والأمنية والإجتماعية المزرية، إفلاس وفساد الدولة، إلخ... 

               إنها أخطار تهدّدنا جميعا في صميم كياننا، وفي وجودنا بالذات، وليست مجرّد غيمة صيف عابرة، مؤقتة. 

               إنها أخطار لا يبدو أنها تهمّ أو تقلق معظم ساستكم عندنا، لعلها، في ظنهم، لا تطالهم مع حلفاء المال والقوة. أو لعلها أخطار، على عظمتها، غائبة تماما عن إدراكهم ووعيهم، في سكرة شعورهم الدائمة بفائض العظمة والحصانة والمناعة، والإكتفاء الذاتي ماليا ونفسيا. 

               ولنتذكر جميعا أن أكبر الأخطار علينا هو نحن أنفسنا: 

               جهلنا وكبرياؤنا وتشرذمنا وتبعيتنا العمياء لزعماء وساسة عشقهم الوحيد عظمتهم وسعادتهم وتكديس ثرواتهم، ولا يريدون تحقيق وحدة الشعب اللبناني، ومِنْعَتَهُ، وكرامته، وازدهاره، ويَتَّبِعون ويُطبِّقون، في السرّ والعلن، وبباطنية خبيثة ولغة ناعمة، ووقاحة لا مثيل لها، خطّة "فَرّقْ تَسُدْ"، بالإنسجام التام مع أصدقائهم وحلفائهم من الطينة عينها، أي أثرياء ورجال أعمال واستثمارات وتجارة وأصحاب مصارف وصفقات في الداخل، العاملين في الخفية ضدّ مصلحة الشعب اللبناني، ومع حكومات الخارج المعروفة بأطماعها واحتقارها للمبادىء الأخلاقية والروحية، وبازدواجيتها المريضة بين شرّ مُخبَّأ وخير مُعلَن تجاه شعب الوطن اللبناني، وتجاه الشعوب المستضعفة.

               إن وعيك الكامل، أيها الشعب الحرّ، لجدّية هذه الأخطار، يؤدّي حتما الى يقظة كبيرة توحّد جميع أبنائك كتلة واحدة ضدّ قوى الشرّ، من أجل إنقاذ الوطن من الهلاك، وطنك أنت، وطن الروح والحضارة والرقيّ، لا وطن الساسة الذي يعني لهم محميّات وقصور وخزنات مال سرية في الأقبية والمصارف، وطائرات وجيوش خاصة ومواكبات صاخبة وتسخير قوى الدولة من أجل حمايتهم. فلنطبّق، كلنا معا، وبسرعة، في هذه الآونة العصيبة التي نعيشها، المثل القائل: في الإتحاد القوّة. إتحدوا، يا أبناء لبنان الأحرار، تتقوّوا. شاركوا الآخرين هذا الشعور وهذا الوعي، ولتنتقل العدوى بسرعة كالنار في الهشيم.

               إننا ندعوكم، إذًا، يا أبناء الشعب اللبناني، الى الوحدة في الشعور بكل الأخطار، ووعيها وعيا كاملا، وفي الشعور العميق، القويّ، بمحبة لبنان، الوطن الواحد والنهائي للجميع، وبنسيان كل الخلافات والعصبيات والأحقاد السخيفة، العبثيّة، حول أصلنا وفصلنا وأعراقنا ومذاهبنا، التي ورثناها جميعا من الأجيال السالفة، منذ ما قبل الإستقلال حتى اليوم، والتي دَأَبَ على تغذيتها وإذكاء نارها باستمرار، الساسة المتعاقبون على حكم الشعب اللبناني والتحكّم به بإسم العائلة والدين والمذهب والمال (وقد نجحوا بذلك نجاحا كبيرا، وحذفوا من الوجود كل من عاكسهم)، لكي نستطيع أن نجد معا هويتنا الإنسانية الحقيقية الضائعة، وشخصيتنا الوطنية المسلوبة، وسيادتنا المُمْتَهَنَة، وحريتنا المكبّلة، وكرامتنا المُداسَة، واستقلالنا المرهون لأبالسة الكبرياء والمال والطمع والقوة والشرّ. 

               أنت، يا شعب لبنان الأبيّ، بشيبك وشبانك وأطفالك، أنت الفجر المتفجِّر والغد المشرق من أعماق ذاتك لا من أية أعماق أخرى، خادعة، خؤونة، وهمية. أنت تستطيع صنع المعجزات إنْ توحَّدَ أبناؤك على حبّ بعضهم البعض وحبّ الوطن وبنائه معا.

               إن أبناءك يمكنهم، من مواقعهم المختلفة، وكلّ يوم، صنعَ المعجزة، معجزة الوعي والمحبة والوحدة والثورة، بالكلمة الطيبة والسلوك الحسن وروح التواضع والخدمة: في البيوت والحقول والمزارع والمعامل والمتاجر والشركات، وفي الجامعات والمدارس والمنتديات والمحلات العامة. فَلْيَدَعْ أبناؤك الأحرار، حَمَلَةُ مشاعل البشرى السارّة في قلوبهم، تمتدّ دون توقّف، وتُشعل قلوب جميع أبناء الشعب اللبناني.

               إنها عدوى الثورة. إنها معجزة الثورة على الذات أولا، أي الثورة على روح التفرقة والكسل والخمول والخوف والتردّد والعبودية، الثورة على روح التعصّب والحقد والإحباط وعدم المبالاة والقرف واليأس، وعلى روح الشك بالنفس وبشركاء الوطن، وروح الإستعلاء والتهكّم عليهم والسخرية منهم. 

               ومن ثمّ، سوف تحصل، لا محالة، معجزة الثورة، ثورتكم يا أبناء الشعب اللبناني، ثورة المقاومة الواحدة، قلبا وفكرا وإرادة، لا ثورة المقاومة المبعثرة المُجَزَّأة، ضدّ الساسة الفاسدين والمتسلّطين في الدولة الذين أوصلوكم إلى حالتكم المأساوية (بوجود حكومة أو بعدم وجودها، الفراغ هو سيّد الموقف في كلتا الحالتين، وهو مصحوب دائما بالعقم وزيادة الضرائب وإذلال الشعب وإفقاره وقمعه إن غضب واعترض وثار واعتصم وتظاهر)، ولم يُحْسِنوا يوما إدارة شؤونكم، ولم يُحَسِّنوا أبدا تفكيرهم وأخلاقهم وسلوكهم. إنها ثورة، في الوقت عينه، ضدّ أعداء الوطن المعروفين.  

               يا أبناء الأرز الأحرار، 

               إننا ندعوكم الى الثورة. إتحدوا. ثوروا. لا تخافوا.

               إنّ الأوان لم يفُتْ بعد، ولن يفوتَ بوجود شعب حرّ، واعٍ، طموح، موحّد، قوي، محبّ.

               ثوروا ثورة وعي نَضِرَة، متجدّدة، مُحِبّة، متطهّرة من روح الغضب العمياء، ومن روح الحقد، والضغينة، والإنتقام. فليكن غضبكم مقدّسا، يداوي جراح الوطن العميقة والمؤلمة، دون عنف ضدّ من خلق له جراحه ولم يتوقف لحظة عن نكئها.

               إختاروا، بوعي لا يخطىء، يوم الإقتراع القادم، تبعا لقانون انتخاب جديد غير كيديّ وغير خبيث، يكون من إختياركم أنتم وغير مفروض عليكم، قانون لا يحتقر كرامتكم ولا يقيّد حريتكم بالإختيار، ولا يجبركم أن تنتخبوا لائحة بكامل أعضائها مع بدعة الصوت التفضيلي، ولا يحجّم وجودكم بالذات في الوقت الذي ينفخ ويضخِّم فيه الساسة أحجامهم وأوزانهم الشعبية والتاريخية العريقة في القدم، والمستجدّة، ويتباهون بها، ويعطلون الحكم ويخلقون فراغا في الدولة (البقرة الحلوب لكل من يدخل جنات مزارع الحكم) ولو دام ذلك سنوات، من تأليف حكومة إلى انتخاب رئيس جمهورية، إلى تقاسم حصص الوزارات والتعيينات والوظائف "الدّسمة" (لهم وحدهم دائما)، وكل همّهم هو الحصول على أكبر قطعة من ال"جبنة"، بإسم أحجام وأوزان شعبية أنتم أعطيتموهم إياها، 

               إختاروا ساسة صالحين (ولو قلائل) يسوسون حياتكم باحترام وأمانة وإخلاص وصدق وحكمة، ولا يسيّسون القضاء والوزارات وكل مرافق وقوى الدولة من أجل مصالحهم الخاصة وحماية وجودهم وفسادهم، ساسة تستعيدون وتبنون معهم وطنكم المخطوف، المهدّم، وتستعيدون كرامتكم وأموالكم وسعادتكم المسروقة، وتحاسبونهم، فيما بعد، بشجاعة وموضوعية وصدق، إن هم فسدوا وأخطأوا وجنحوا عن الصراط المستقيم، ولا تعيدوا انتخابهم من جديد. 

               فليكن غضبكم، إذاً، على أنفسكم، أولا، لأنكم تخاذلتم كثيرا وطويلا، حتى الآن، في مجال المطالبة بحقوقكم التي تنصّ عليها "شرعة حقوق الإنسان"، وفي مجال القيام بواجبكم كمواطنين صالحين بمراقبة أداء ممثليكم في الحكم وبمحاسبتهم إن أساؤا الأمانة. ثمّ، فليكن، بعد ذلك، غضبكم على ساسستكم المتكبرين، الفاسدين، المتفوّقين جدا في احتقاركم واحتقار الوطن وشهداء الوطن، وفي استغلال مراكز الدولة لصالحهم الخاص، وفي خلق المشاكل والهموم لكم، والفاشلين جدا في مجال خدمتكم وازدهاركم وحمايتكم من الجريمة والإرهاب، وتخليصكم، مثلا، من شرّ النفايات والتلوث والامراض، ومن شرّ البطالة والفقر وغلاء المعيشة، ومن شرّ دراسة موازنة تُحَمِّلكم أنتم وحدكم وإلى الأبد هموم الدين العام (بسبب صفقات الإستدانة المشروطة والخبيثة للساسة-قاطفي الثمار وحدهم مع حلفاء المال والتجارة-من مصارف وحكومات خارج خبيث لإنجاز مشاريع وهمية و/أو فاشلة، وإنهاك الشعب وتجويعه وفرض توطين اللاجئين والنازحين)، ثم تُحمّلكم هموم ملء خزينة الدولة الفارغة، ومسؤولية هدرهم لمالكم، بفرض المزيد من الضرائب والرسوم وغلاء المعيشة عليكم وحدكم، دون رحمة ودون عدل، ويعفون أنفسهم من حمل هذه المسؤوليات والأحمال. 

               إنهم غير صادقين في تعاملهم معكم، وغير مخلصين لكم، ويفتعلون الخصام الدائم الشرس فيما بينهم، حول كل شيء يتعلق ب"المصلحة الوطنية العليا" (أنتم الوطن الحقيقي، لا هم)، وبخدمتكم انتم (دون خدمتكم بشيء، وحالكم من سيّء إلى أسوأ). إنهم يتفقون فقط، وتخفت أصواتهم، وتبطل، فجأة ومؤقتا، حفلات الكبرياء والغضب والهجاء المصطنعة فيما بينهم، حين يقرّرون، أكثر من مرة، وبإجماع قلّ نظيره في تاريخ الحياة البرلمانية في العالم، التجديد لولاية حكمهم بحجة الظروف الإستثنائية القاهرة، وزيادة رواتبهم (هم الأغنياء) بحجة غلاء المعيشة.

               فليكنْ غضبكم غضبا واحدا دائما، مقدّسا، لا فورات غضب مؤقتة، جديبة، عبثية، غضبا لا يفترُ نبضه ولا تخمدُ ناره، ولتكن ثورتكم ثورة واحدة مباركة لا تني ولا تذبل، من أجل ولادة لبنان جديد، حرٍّ، مستقلٍّ، سيّدٍ، موحّدٍ، مزدهرٍ، سعيد، خال من فساد الأخلاق والكذب والسرقة، قويٍّ بشعبه المقاوم وجيشه الوطنيّ، وقضائه النزيه، المتحرّر من أية ضغوط ونزوات وأطماع السياسيين وأصحاب المال والنفوذ. 

               لا تدعوا نار ثورتكم تشتعل فقط في صناديق الإقتراع، ثم ما تلبث أن تخمد وتنطفىء لدى عودتكم إلى دورة الحياة اليومية الرتيبة. إبدأوا بإشعالها اليوم، وأكملوها غدا، وبعد غد. لتكن ثورتكم ثورة وعي دائمة، لا تهدأ ولا تستكين ولا تشرد ولا ، في الإعلام، وفي الشارع حتى العصيان ورفض دفع الضرائب حين تدعو الحاجة وتعلو صرخات الألم، وحين يدعوكم، وها هو يدعوكم كل لحظة، اليوم، صوت الضمير والواجب، حتى تحقيق النصر، نصر الحق على الباطل، والتواضع على الكبرياء، والمحبة على الحقد، والحرية على العبودية، ونصر الصدق والإخلاص والأمانة والفضيلة على النفاق والكذب والخداع والخيانة والرذيلة، ونصر التقدّم والإزدهار والبحبوحة والفرح والكرامة على التخلف والذبول والفقر والحزن والإذلال. 

               إنه نصركم أنتم وحدكم، يا أبناء شعب لبنان المُسْتَحِقّ، يشارككم فيه، فقط، الرعاة الصالحون النادرون، الحكماء، الأوفياء، الأقوياء، الزاهدون بالمال والعظمة، الشرفاء، المتواضعون (إبحثوا عنهم)، الذين يبذلون أنفسهم، بصمت ودون مِنَّة، من أجل خدمتكم وإراحتكم وإسعادكم وتحقيق ازدهاركم، وحمايتكم من الوحوش المفترسة.

               لا تدعوا فرصة التحرّر من تجرُّع المرارات من يد ساستكم وجلاديكم المتجبرين الذين يعتبرون ويحسبون مسألة خدمتكم (من مال عرق جبينكم)، من وقت إلى آخر، وكأنها حسنة أو صدقة للفقير المحتاج، المستعطي، وكرمٌ فائق لا يوصف، وتنازل عظيم عن علياء عروش الآلهة، أجل، لا تدعوا الفرصة تفوتكم، كما فاتت آباءكم وأجدادكم من قبل، فأورثوكم ما تعانون منه، اليوم، من أوضاع شاذة وتعاسة، فهلمّوا، معا، الآن، دون تردّد وتلكّؤ وخوف، إلى ميدان الثورة الشريفة والجهاد الروحي المتواصل، والعصيان السلميّ للحكم المتسلّط الجائر، وتذوّق حلاوة ثمار الصبر الجميل بعد طول انتظار، في اللحظة الولوهة الآتية لا محالة، لحظة فجر الإنتصار الكبير ونضج شمس الظهيرة.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه