بهدوء… لأنّ نظام الفصل العنصري في لبنان وطبيعة تكوينه يؤسّسان دائماً للحروب الأهلية كلّ فترة تفصل بين زمنين، فهذه هي الحال منذ نشأة الكيان المنحكم للطوائف والمذاهب ورجالات الدين بالاستقواء على الضّعاف من أبناء جلدتهم، جاعلين من محميّاتهم قلاعاً وحصوناً تتظهّر الى السّطح تارة وتختفي طوراً، بحسب المصلحة الرّيعية التي يبتغيها الزعيم وليس المصلحة الوطنية، وكانت مسرحية جلسات مناقشة الموازنة خير تعبير في إظهار الصورة الديمقراطية والنقاشات الحرّة في الشّكل دون مسّ الخطوط الحمر لحدود امتيازات الأزلام والمحاسيب المذهبية الفتنوية المحرّضة والمستحضرة دائماً كأدوات جاهزة وغبّ الطلب للتدخّلات الخارجية العربية منها وغير العربية. إنّه التفسير الطبيعي والعلمي والمنطقي لديمومة واستمرار محنة نظام سياسي تعفّن وسقط ولا يجرؤ أحد على طلب التغيير أو التعديل خشية استهداف محمية طائفية وتوسّع صلاحياتها أو تقويضها عن وعلى حساب شقيقاتها الأخريات. فالمنطق الطبيعي لدورات الحياة الاجتماعية تفضي الى ضرورة إعادة تشكيل هذه البنى المترهّلة ضمن معادلات الحرب الأهلية المرسومة حكماً بعد كلّ عشرين عاماً…

هذا النظام القائم على الفصل العنصري يضع اللبنانيين أمام معادلتين لا ثالث لهما: إمّا الإبقاء وعنوةً على نظام التحاصص الطائفي ودوام الامتيازات الريعية، أو العودة للحرب الأهلية والتمترس كلٌّ في خندقه أو على الأقل التجاهر بها وممارسة التجارب على الناس بالقتل وقطع الطرقات والبلطجة وترويعهم وتذكيرهم بالماضي المجيد الذي أصابهم في مقتل الحرب الأهلية.

إنّها مأساة.. ووحشية بممارسات عنصرية يرفض أهل الحكم أن ينصاعوا للقانون ويحتكموا إليه وتحويل جريمة محاولة اغتيال وزير في حكومة ومقتل مرافقين إثنين له الى المجلس العدلي، فنرى الزيارات المتبادلة المكثّفة للقوى السياسية بغية الاستقطاب السياسي والطائفي وحشد الطاقات المذهبية لتدارك الأمر، فيما لم يجرؤ أحد منهم على معالجة النفايات التي لا زالت في طرقات لبنان الى اليوم، ولا زالت معضلة الكهرباء عالقة رغم صرف مليارات الدولارات عليها، ولا زال المهجّرون في بلدي مهجّرين وغير مرغوب بهم في قراهم التي كرّس معادلات عودتهم إليها اتفاق الطائف رغم تعويضات واستحداث الطائف لوزارة المهجّرين والتي نهب منها سماسرة الطوائف ما يفيض ويعادل ميزانيات دول…

لم يكتفوا برفع الجدران الطائفية وإقامة المتاريس فيما بينهم، ولم يكتفو باستباحة القانون والمؤسسات الأمنية الحامية له، بل شرع البعض منهم في محاولة إقامة حمائية لبنانية مزيّفة بوجه عنصريٍّ مقيت بحقّ الأجانب المقيمين على الأرض اللبنانية في محاولة لتمرير الطابة الفلسطينية بما يتناسب مع مندرجات صفقة القرن ببعدها الاقتصادي الضاغط على الشعب الفلسطيني الذي أخرج من دياره وأرضه عنوةً واستقرّ في لبنان بانتظار العودة، هؤلاء العنصريين الترامبيين في لبنان تجاهلوا تماماً وتقاعسوا عن العمل لتسهيل عودة النازحين السوريين الضرورية الى بلدهم، لأنّها تثبّت استقرار الدولة السورية وتعزّز كرامة المواطن السوري النازح، وتعزّز اقتصاد لبنان وتبعده عن أزماتٍ اجتماعية هو بغنى عنها… إنه منطق الانهزام أمام الوحشية العنصرية المتفشّية هذه الأيام والتي انتقلت عدواها من العرق الأنكلوسكسوني في أميركا وتتلمذ على يدها بعض الخرّيجين من مدارسها وتقدّموا صفوف القيادة السياسية لبلد اسمه لبنان بكيان وظيفي لا زال يلعب بعض ساسته الدور نفسه المرسوم لهم منذ النشأة عام 1943.

إنّها عدوى العنصرية التي زرع بذرتها ترامب منذ وصوله الى السلطة في البيت الأبيض، وأراد تنفيذها بحق أبناء جلدته من السود واللاتين والمسلمين المهاجرين والعرب والإيرانيين، ويجعل من دول وشعوب الخليج خدماً وعبيداً، ويبدو أنّ البعض في لبنان تلقّح من هذه البذرة في وحشيتها العنصرية محاولاً ترجمتها في أكثر المسائل والقضايا حساسية في منطقة الشرق الأوسط ونعني بهم الفلسطينيين وأزمات لجوئهم وضياعهم، فلا مأمن بعد اليوم ولا ضمان لمنع الشّطط وتكرار الأخطاء القاتلة التي تقسم ولا تجمع على خيارات صار لازماً وواجباً حسم مصيرها والاتفاق على إدارتها إدارة مشتركة، طالما أنّ لبنان قد تعزّز بمقاومة أرست قواعد التوازن في الرّدع مع الكيان الصهيوني فلماذا نفتح له الأبواب والنوافذ والثغرات ليدخل منها ويعبث بأمننا وباستقرارنا؟

هناك معادلات إقليمية ودولية ترسم في الخليج بين أميركا وإيران اليوم وعلى أساسها يتمّ حكم الشرق الأوسط بأبعاد استراتيجية يجب أن لا يكون للأميركي والإسرائيلي يدٌ فيها، ومعادلات ترسم في سورية بين الروسي والتركي ودوره مع الكيان الصهيوني في غرب المتوسط، ومعادلة ترسم بين المقاومة في لبنان وغزة مع العدو الإسرائيلي يجب أن لا يكون للصهاينة دورٌ في رسم مستقبلها على حساب شعوب وتضحيات أبناء المنطقة… فحذار من العبث واللّعب بالنار الفتنوية وتقوية النزعة العنصرية المتوحّشة.. لأنّه بسببها خسر ترامب وأفقد أميركا دورها الرّيادي الذي رسمته منذ العام 1945 حول العالم.