إن الحلم بوطن جديد يراود مخيلة كل اللبنانيين منذ الإستقلال حتى اليوم. صحيح أن زعماء طوائف لبنان قد رضوا، في حينها، ونتيجة دعم ووصاية أجنبيَّيْن، بوطن طائفي يتقاسمون فيه المراكز والمسؤوليات والصلاحيات السياسية والوظائف في الدولة، على أساس كبر الطائفة أو صغرها عدديا، غير أن هذا النظام الطائفي الديمقراطي السيّء الذي كان لا بدّ منه، كأفضل الممكن، لنيل الإستقلال، قد أثبتت التجربة، مع الوقت، والممارسة السيئة له، بأنه نظام فاشل. الأوطان الجديدة التي حاولوا، منذ ذلك الحين، وبرعاية خارجية، تسويقها، من وقت إلى آخر، أو فرضها بالقوة على بعضهم البعض، هي أوطان طائفية أو مذهبية أو قومية أو علمانية. لم يكن، ثمّة، حتى اليوم، وجود لتصوّر واقعي واحد، في ذهن جميع اللبنانيين، لماهية ونوع الوطن الذي يلائم تكوينهم كمجموعة طوائف متناحرة على الدوام، ويمكنهم بأن يتفقوا حوله، ويجمع شملهم شعبا واحدا، بموافقتهم ورضاهم لا بالقوة.
  
               إن إمكانية تحقيق وطن علماني أو مدني، في الوقت الحاضر، كما يودّ ويتمنى بعض اللبنانيين، وطن خال من عقد وتخلف وفساد النظام الطائفي المتجذّر في نفوس اللبنانيين وذاكرتهم الجماعية (والذي يروق لمعظم الساسة وأتباعهم لأنه يوفر لهم إمكانية الإستغلال المالي والمعنوي لمرافق الدولة)، تبدو إمكانية صعبة جدا. في الواقع، إن ما يمكن أن يجمع ويوحّد اللبنانيين، اليوم، إن أردنا أن نكون واقعيين ومتفائلين، هو وطن يعكس ويجسد تفاعل وغنى تنوعهم الثقافي والروحي والحضاري، وطن يحمل رسالة إنسانية خاصة، لا خسارة فيها لأحد ولا انتقاص من مقام أحد. رسالة لبنان، كما نتمنّاه ونشتهيه، هي، ضمن نظامه الحالي، رسالة المحبّة والتآلف والتفاهم والتسامح بين كل مكوِّناته، أو بحسب تعبير نعتبره أجمل وأكثر إنسانية، وأقل برودة، بين كل عائلاته الروحية. هذا ما يريده ويسعى إلى تحقيقه، بصمت، بعض أبنائه المتواضعين، الواعين، المخلصين، المؤمنين بتراث لبنان الفكري والأدبي والروحي الغني، في جوّ رياح الإرهاب والعنف والفتن والإلحاد والفلتان الأخلاقي وبيع وشراء الضمائر وسرقة الأوطان وتشريد الشعوب وخلق أزمات لجوء ونزوح وتوطين، التي تعصف بالمنطقة كلها، وتقلق الشعب اللبناني بنوع خاص، وتفرِّقُه، ولا تدعه يرتاح لحظة واحدة، والتي تُجبِر جيشه ومقاومته على البقاء في حالة تأهب واستنفار دائمَيْن، من أجل مجابهة وصدّ نافخي رياح الشرّ. 

               إن فكرة لبنان كوطن يلعب دورا مهما في محيطه وفي العالم، يلامس معنى الرسالة، لم تنضج بما فيه الكفاية بعد، ولم تترسّخ في نفوس كل اللبنانيين، شعبا ونُخَبًا تربوية وفنية وأدبية وفكرية وسياسية وإعلامية، وزعماء ورجال دين وأعمال ومال، حتى اليوم، ممّا يجعل مناعة لبنان ضعيفة جدا، معنويا واقتصاديا، في مجابهة ومقاومة الشرور على أنواعها، صفّا واحدا وقلبا واحدا. 

               إن تاريخ لبنان القديم والمعاصر سلسلة طويلة من الفتن والحروب والمجازر بين سكان الأرض الواحدة والوطن الواحد. لم يهدأ لحظة واحدة تَدَخّلُ بعض الدول الكبرى في شؤون لبنان عبر تاريخه، لأن هذه الدول، إلى جانب أطماعها المعروفة بالسيطرة على مقدّرات الشعوب وإرادتها، كانت وما زالت مَدعوّة دائما للتدخل بالمال والعسكر والسلاح والسياسة، نزولا عند طلب زعماء الطوائف المتكبرين، القصيري النظر (إلا فيما يتعلق بمصالحهم الشخصية الأنانية)، المصابين بعقدة القوة والعظمة والإستعلاء، للإستقواء على بعضهم البعض. هذه الدول، مع زعماء الطوائف العظماء، حاضرة في كتب تاريخ لبنان، وفي ذاكرة اللبنانيّين، وفي الواقع اللبنانيّ الطائفي الذي فرضته بعض هذه الدول على لبنان بواسطة زعماء الطوائف، أكثر من حضور الشعب اللبنانيّ نفسه، الحاضر فقط بكل مآسيه ودمائه وأنينه، ذلك الشعب المغبون والمخدوع والمُحتَقَر على الدوام، والحامل لكل خطايا الدول وخطايا زعمائه، والساكت سكوتا أبديا على كل شيء، ضنًّا بأوهام إسمها "كرامة" الزعيم والعائلة والطائفة والمذهب والقومية، وخوفا من "التغريد" خارج السرب الشرس الذي لا يرحم. 

               إن بعض اللبنانيين يتحدثون، أحيانا، وفي حالات غضب وقرف ويأس من الأوضاع، عن وجوب حدوث ثورة لتغيير هذه الأوضاع. ولكنهم يعجزون عن تحديد إمكانية حدوث ثورة، ومن يقودها ولا قائد واحد للوطن، والشعب منقسم على ذاته، ويتبع أوامر زعماء طوائفه، ولو ضدّ اقتناعه.

               لقد حدثت ثورات عنيفة دموية كثيرة في تاريخ لبنان، ولكنها ثورات زعيم طائفة محميّ وسعيد ضد زعيم طائفة أخرى، مثله محميّ وسعيد. الطائفة بكل أبنائها، في كلا الطرفَين، هي فقط أداة للإقتتال، وهي وحدها تدفع الثمن من دمها ودموعها وأرزاقها وإعاقاتها وأحزانها وتعاستها وفقرها وتهجيرها القسري داخل الوطن، وخارجه إلى ما يُسَمّى ببلاد الإغتراب. وقد سمّوا، بكل افتخار واعتزاز، هذه الهجرة المأساوية، ب"ملحمة الإغتراب". والغريب أن الخارج يتدخل دائما لبثّ الفتنة، ثم يتدخل لإنهائها ("حوادث" 1958، والحرب الطائفية (1975-1990)، بحسب توقيته ومصالحه ومصالح حلفائه زعماء الطوائف، ويظلّ الشعب اللبناني، أو بالأحرى زعماء الطوائف، وبملء إرادتهم، أرضا خصبة جدا لاستقبال زارعي الفتن، بمنتهى الترحيب والتأهيل واللهفة، واحتضان وحصاد الشعب اللبناني وحده لشرّ زؤانهم وأشواكهم.

               لذلك، تبدو فكرة لبنان وطن الرسالة غريبة جدا عن تاريخ لبنان الدمويّ، وعن الأطباع المتكبرة والمتسلّطة لزعماء طوائفه المسلّحة بمعظمها، والمستعدّة دائما، عند أول إشارة من الزعيم، للنزال مع أية طائفة أخرى منافسة. إنّ صيت لبنان الذي بناه زعماء طوائفه في العالم، هو أنه مجموعة قبائل وعشائر تتناحر فيما بينها منذ مئات السنين، ولا أمل أن تتغيّر هذه الحالة. 

               وطن الرسالة، إذاً، هو حلم نصبو إليه، ونريد تحقيقه، من رحم المآسي والأحزان والكوابيس. وطن الرسالة هذا، نرى فيه الدواء الشافي الوحيد لأمراض الشعب اللبنانيّ وزعمائه المزمنة، المستعصية على الشفاء. إنها أمراض عائلية، طائفية، عنصريّة، مذهبية، وعوارضها تعصّب وحقد وتحدّ وتنافس عنيف على السلطة، والقوة، وإثبات الوجود. ويملك اللبنانيون، من جملة ما يملكونه من أمراض، ذاكرة شعبية قوية جدا فيما يختص بذكريات الحروب والمجازر بينهم، ومنهم من يستغل هذه الذاكرة لنبش القبور وإشعال أو شدّ العصب الطائفي (بحسب التعبير المعروف والمتداول بكثرة)، لتحقيق مكاسب سياسية. إنها أمراض تافهة بحدّ ذاتها، غير أنها قاتلة، قد اعتادها اللبنانيون، على ما يبدو، وأصبحت، بالنسبة للكثيرين، شعبا وزعماء، وكأنها طريقة حياة طبيعيّة، صِحيّة، سليمة، أو شرّ لا بدّ منه. إنّ رافضي هذا الواقع السيّء رفضا باتا، هم قلائل من العقلاء والمتواضعين والصادقين والزاهدين.

               إن فكرة الثورة بحدّ ذاتها، في وطن يعشق شعبه القوة والسلاح، وتاريخه مليء بأحداث عنيفة، فكرة لا تحمل إلّا معانيَ العنف والدمّ والدمار والإيذاء والإنتقام. الواقع اللبنانيّ المأساويّ الحاليّ، الذي يوصف بأنه دائما دقيق وعلى حافة الهاوية، لا يحتمل أية ثورة بمعناها هذا، المتعارف عليه، تحت إسم "الثورة الحمراء"، كونها تزيد من تعقيدات وضع الوطن، لا بل تدمّر ركائز كيان الوطن ومكوِّناته البشرية، ولا تشكّل أبدا الحل الأمثل المنشود في سكرات إرادة التغيير بسرعة البرق، ولا تتوافق مع حلم وطن الرسالة المسالم الجميل. ما ندعو إليه هو "ثورة بيضاء"، ثورة مسالمة، ثورة صبورة ومتطهرة من الحقد، وبطيئة، ولكن أكيدة، لا تُراق فيها الدماء ولا تُزهَق فيها الأرواح. 

               إن تحقيق وطن الرسالة لبنان، لا يتحمّل ثورة طائفة ضدّ طائفة أخرى. ولا يتحمل ثورة كل الطوائف مجتمعة ضدّ الحكم الضعيف الفاسد أي ضدّ نفسها، وهو، في الحقيقة، حكم زعماء الطوائف، لا حكم الشعب الواحد. إن الثورة الوحيدة في وطن الرسالة التي لها أمل كبير بالنجاح، هي ثورة كل لبنانيّ ضدّ نفسه أولا، ضدّ أنانيته وغروره وكبريائه وباطنيته ورفضه الإعتراف بالآخر إعترافا صادقا ونهائيا، لا اعترافا مخادعا وظرفيًا، من أجل تحقيق الإنصهار الكامل في بوتقة المحبة والوحدة الوطنية والإنسانية. إنها ثورة تتخطّى وتجمع وتُذوِّب وتوحِّد كل الأنانيات والمتناقضات القوميّة والعِرقيّة والعنصريّة والدينيّة والعائليّة التي كانت وما زالت تُغرق الشعب اللبنانيّ في مستنقعات الكبرياء والخلافات والمنافسات والفتن والعصبيات والتحدّيات. 

               إذاً، وبحسب شهادات التاريخ اللبناني، صار من الواضح أنّ أية ثورة عنفيّة في لبنان ضدّ الحكم أم ضدّ أحد المكوّنات اللبنانية، هي، حتما، ثورة تدميرية للكيان اللبنانيّ بكل مكوِّناته. لذلك، مهما ضاق اللبنانيون ذَرعا بوجود بعضهم البعض وبدولتهم، وبعد مرورهم بتجارب صراعات مريرة، فهم، سياسيّين وإعلاميّين، يردّدون دائما، وبصوت عال، بعض الشعارات، والشعب يردّدها بعدهم تردادا ببغائيا، وكلّها شعارات عاطفية ذات معانٍ عميقة ومفيدة، غير أنها قد أصبحت (كما الأغاني والأناشيد الوطنية الرائعة) باهتة، مملّة، سخيفة، وحتى محزنة، لفرط تردادها دون صدق، ولفرط بعدها عن الواقع المرير، ولغياب النيّة الصادقة والإرادة الصالحة لتطبيقها بشكل جدّي. هذه أهمها: 

               -لبنان واحد لا لبنانان.
               -الدين لله والوطن للجميع.
               -لبنان طائر لا يطير إلا بجناحَيه المسلم والمسيحيّ.
               -لا غالب ولا مغلوب.
               -كلنا إخوة ولا مفرّ لنا من أن نعيش معا. 
               -لا خيار آخر لنا إلّا أن نتحاور ونتفق. 
               -جرّبنا الخلافات والتجافي وأعمال العنف أكثر من مرّة، وكنا جميعنا خاسرين. 
               -لبنان لا يُحكَم إلا بالتوافق.
                -لبنان وطن نهائيّ لجميع أبنائه.
               -لا يمكن ولا يجوز لأحد أن يلغيَ الآخر. 

               يبقى أن ينتقل اللبنانيون من جوّ التنظير والتأسّف والتمنّي والتكاذب هذا، إلى جوّ العمل الجدّي من أجل تطبيق ما يردّدونه من الأقوال الجميلة. وهنا تكمن الصعوبة. فلنتفق، أولا، على فكرة لبنان "وطن الرسالة"، ومعانيها. هل جميع اللبنانيين متفقون على هذا المشروع أو مهتمّون، حقّا، به؟ لا. حتى النخب الروحية والفكرية نادرا ما تذكر هَاتَين الكلمتين: وطن الرسالة.

               إنه مشروع لا يؤذي أيّ فريق لبنانيّ. إنه لا يلغي أحدا، ويستطيع كل فريق، في جوّ من التآلف واحترام الآخر، أن يحتفظ بشخصيته وبفلسفته الدينية والمذهبية والقومية، دون أن يشكل أيّ تحدّ للفريق الآخر، وأي خطر على وجوده وكرامته. إن المشروع هو، بكل بساطة، أن يتعلم اللبنانيون، رغم تنوّع وتناقض أمزجتهم ومذاهبهم وخياراتهم السياسية والعقائدية، على احترام ومحبة بعضهم البعض. من هنا، تبدأ عملية بناء وطن الرسالة، بروحية جديدة، تمهيدا لنظام علمانيّ في المستقبل بعد أن تصفوَ كل النوايا وكل الأجواء وينضج ويرتقي وعي اللبنانيين لأنفسهم ولواقعهم. أما المشاريع الأخرى (من دينية أو قومية أو عرقية) التي تدور، من زمن بعيد، في خَلَد بعض الأفرقاء، والتي لا أمل لها بالنجاح في الوقت الحاضر (ولا في المستقبل، بحسب سُنّة التطور والتقدم والإرتقاء)، فيمكنها الإنتظار (وهي دائما مصدر خلاف وفتن)، وتتحمّل التأجيل إلى أَجَل غير مُسَمَّى. مشروع لبنان وطن الرسالة، لا يتحمّل التأجيل. إنه مشروح توحيد الشعب اللبناني حول رسالة المحبة والسلام والإزدهار والقوة المعنوية والمادية. إنه مغامرة مضمونة النتائج، وتستحقّ المجازفة. إنه رهان، هذا صحيح، ولكنّه رهان رابح. إنه يعني بقاء لبنان أو زواله.

               ثم، بعد اقتناعنا وقبولنا جميعا بالمشروع، فلنبدأ بالإقرار، بشجاعة ودون حياء أو خوف، بأن وطننا لبنان لا يستحق تماما، في الواقع، لقب وطن الرسالة بعد، كما أنه لم يستحقّ، تماما، من قبل، لقب وطن الحرف والإشعاع والنور، وهو دائم الغرق في مستنقعات الفساد والتعصب والحقد والحروب الطائفية. ولنكفَّ عن خداع أنفسنا، ولنكفَّ عن التبجّح الفارغ، العبثي، بالشعارات الطنّانة، الرنّانة، المُطرِبة، المُسكِرَة، وبأسماء حضارات وعظماء سبقونا في عالم السياسة والحرب والفكر والشعر والفنّ والفلسفة، ولنكفَّ عن التزيّن، من وقت إلى آخر، بريش الطواويس، وعن الإختيال بمشيتها، كلما شعرنا بضعفنا وتفاهتنا وبفراغ روحي وفكري وأخلاقي، في صخب حفلات تنكّر حضاريّ مُزرٍ وأوهام باطلة. 

               أجل، ما زال لبنان، وأبناؤه يعيشون في أجواء الكبرياء والغرور والجهل والعقم والحقد والإنقسامات والباطنية وسوء التفاهم وسوء النية، لا يستحق لقب وطن الرسالة، رسالة السلام والمحبة والتسامح والتفاهم والحوار بين جميع عائلاته الروحية، رسالة تكون مثالا حيّا يُحتَذَى في عالمنا اليوم، الخالي من الحبّ والرحمة والتواضع والسلام، والمليء بروح الأنانية والعظمة والكراهية والعنف. 

               لسنا بعد شعبا واحدا متّحدا. إن دربَنا ما زال طويلا وشاقا وشائكا لنصل إلى تحقيق وحدتنا تحقيقا كاملا، تنتفي فيها ومعها كل أسباب الخلاف والفرقة والشقاق.
 
               إن أعيننا وقلوبنا شاخصة دائما إلى الخارج الذي لا يؤمن برسالة لبنان السامية، طلبا للحماية الماديّة والمعنويّة من هذا الخارج ضدّ بعضنا البعض، وللسماح له بالتدخل في شؤوننا السياسية والإقتصادية والعسكرية. 

               إنّ مكوّنات الوطن اللبنانيّ هي مجموعة طوائف ومذاهب وأديان وقوميات يتنافس زعماؤها فيما بينهم (أحيانا بوحشية وعنف وحقد) على تناتش حصص الحكم من مراكز ومال، وعلى السلطة وإثبات الوجود، وليست بعد مجموعة "عائلات روحية" تعتمد الشراكة الفعالة في الحكم والمجتمع، والمصلحة العائلية-الوطنية الواحدة، والثقة المتبادَلة، مقياسا لوجودها معا على أرض واحدة.

               لا نتفق أبدا على انتخاب رئيس قويّ للجمهورية يكون، حقا، إبن الشعب اللبناني، لا إبنا لقيطا، مطيعا، مدلّلا، لسفارات ومخابرات بعض الدول المستقوية.

               لا نتفق على تسمية رئيس حكومة و/أو تأليف حكومة، بسرعة، وبشكل طبيعيّ، لتُستَجاب مطالب الشعب اللبناني الملحة، دون افتعال خلافات حادة بين الزعماء حول الحصص والأحجام والأوزان والصلاحيات، ودون تبادل التهم وإظهار مواهب السخرية والتهكم والهجاء فيما بينهم، ودون طلب رضى الخارج المموِّل لعروش عزّ ومجد وعظمة الزعماء وخلافاتهم. 

               لا نتفق (إلا بالكلام) على بناء وتسليح الجيش اللبناني تسليحا كاملا غير منقوص (ومععلوم من الجميع بأن الجيش ممنوع من التسلح بأمر من بعض الدول لأسباب معروفة، مهما ادّعى-لغاية في نفس يعقوب-أصحاب الشأن، عكس ذلك، وعزوا تقصيرهم إلى نقص في التمويل)، ليصدّ بعدّته المتطوِّرة وعديده، تعدّيات الإرهابيّين، وتعدّيات عدوّ عنصري سرق فلسطين وهجّر شعبها، وما يزال يهدّدنا كل يوم بإرجاعنا إلى العصر الحجري، ويخرق أجواءنا، ويتعدى على أرضنا وبحرنا ليسرق مواردنا الطبيعية من مياه وغاز ونفط، ويطمع إلى ترسيم حدود جديدة، من خلال وسطاء لا يهمهم إلا صالح هذا العدو، ليقضم المزيد من الأراضي). هذا العدوّ العنصري المستقوي بماله وسلاحه، لم يكفّ حتى الساعة، هو وبعض الدول الغربية والعربية التي تحميه وتأتمر بأوامر أهل التلمود، عن تدمير الدول العربية المقاوِمة له، ولبنان من ضمنها، والتي تشكّل خطرا عسكريا وحضاريا على وجوده. هذا العدو، نودّ أن نذكّر بعض اللبنانيين الذين حذفوا إسمه من قاموسهم وذاكرتهم، من سياسيين وأتباع، بإسمه: إسمه "إسرائيل"، وهو كيان عنصري مصطنع، و"شرّ مطلق"، قابع على أرض فلسطين وصدور أهلها الأصليين، ولا حقّ له ببناء وجوده (ولو اعترف العالم الفاسد كله بهذا الوجود) على جماجم الشعوب، وباضطهادها، وتشريدها، وإتعاسها. 

               لا نتفق على قانون إنتخابيّ جديد يكون منصفا وعادلا ومحترِما لوجود جميع مكوِّنات الوطن، قانون يختاره خبراء في القوانين والتشريع لصالح الشعب، لا يُفَصًّلُ (كما حصل مع القانون الأخير المُعقّد والمُقيِّد لحرية الإختيار)، على قياس زعماء الطوائف وأطماعهم، فيتقاسمون المناطق والناس بحسب تحالفات هجينة، مؤقتة، وبروح إقطاعية، تجارية، معيبة، ومُذِلَّة لشعب لبنان. 

               لا نتفق على من هو عدوّنا الحقيقيّ، ومن هو صديقنا الحقيقيّ، لكي نعرف كيف نتخذ المواقف الموَحَّدَة المناسِبة، كما تقضي مصلحة الشعب والوطن، لا مصلحة زعماء الطوائف ومصلحة أسيادهم في الخارج. 

                لا نتفق على معنى الإرهاب. بعض اللبنانيين، لأسباب مذهبية وعاطفية ومالية، يصنّفونه تبعا لتصنيف حكومات الخارج المعروفة له، راعية الإرهاب من الألف إلى الياء، بحسب أمزجتها ومصالحها، بين إرهاب متطرّف وإرهاب معتدل، وثورة ضد ظلم الحكم أو النظام. وهو إرهاب يهدّد كل أبناء الوطن، وكل دول المنطقة، باستثناء دولة الإرهاب وراعيته بامتياز، "إسرائيل". 

               لا نتفق على معنى المقاومة لهذا الإرهاب ولضرورتها. إنّ المقاومة الشريفة القوية ضدّ أصحاب المال والقوة والحلّ والربط من أفراد وعائلات تلمودية وحكومات مستبدّين ومستكبرين، وضدّ محرّكي الفتن والحروب والإرهاب، وضدّ القراصنة والغزاة والظالمين وسارقي موارد الشعوب وسعادتها، يصَنِّفها كل هؤلاء الذين يحملون الصفات الشريرة المذكورة أعلاه، إرهابا خطيرا ينبغي القضاء عليه، أو ب"محور الشرّ". وقد جعلوا بعض اللبنانيين، بقوة إغراء المال وإذكاء روح التعصّب المذهبيّ، يَحذون حَذوَهم في استعداء واحتقار المقاومة الوطنية، وخلق الشكوك حول نواياها وأهدافها.

               لا نتفق حتى على كيفية التخلص من النفايات التي أصبحت، مع سائر المصائب، ضيفا دائما على الشعب اللبناني، غير مرغوب فيه، ثقيل الظلّ، ينفث روائح القرف وسموم الأمراض والموت. فأباطرة الطوائف والمال قد عقدوا جلسات "حوار" ونقاشات ودراسات عدة، افتعلوا فيها جِدّية التفكير العميق والعبوس والرصانة، ودبّجوا الخطابات والتصريحات البليغة في الإعلام، حول مشاريع كفيلة بالتخلص من النفايات، سرعان ما تحوّلت إلى صفقات مشبوهة وإلى مصدر خلاف حول تقاسم الأرباح. أما النفايات، فقد بقيت على حالها، وهي في تراكم مستمر، وتتم معالجتها عشوائيا بتجميعها وتكديسها جبالا من المكبات البشعة، الخطيرة، أو بالطمر، أو بالمحارق الملوثة للأجواء والمؤذية لصحة المواطنين... الشعب اللبناني المقهور والمحتار، في حال انتظار لحلّ (أعجوبة)، يفكّ أسره ساسة الحكم المختلفين، كالمعتاد، على الصفقات والأرباح، يشمل كل الوطن، من أجل إعادة تدوير النفايات بشكل علميّ سليم، لا يضرّ بصحة المواطنين ولا يلوث ويشوه البيئة، ويفيد الإقتصاد اللبناني. لقد سبقتنا، في هذا المضمار، دول متقدمة، راقية، معروفة، من المستحسن أن يسرع المسؤولون المنهمكون جدا في بحث ومناقشة موضوع جنس الملائكة (دستور وقوانين وصلاحيات ومراكز وإستدانة وديون وهدر مال وتفريغ خزينة وصفقات ومشاريع وإثراء سريع وموازنة وضرائب وطلب تضحيات من شعب فقير مقهور...) في التعلّم من هذه الدول والإستفادة من خبرتها. 

               إنّ عدم الإتفاق على علاج النفايات يشمل كل أنواع التلوّث، من تلوّث البيئة وتلوّث الغذاء والمياه والدواء وتفاقم حالات الغيبوبة والإختناق، وتفشي الأمراض السرطانية المميتة، إلى التلوّث الأخلاقيّ لضعف أو إنعدام التربية المدنية والوطنية، وما ينتج عن ذلك من مخالفات وكسر قوانين على يد السياسيين والأتباع، وسرقة المال العام وإفلاس خزينة الدولة، وتزايد الدين العام والفوائد نتيجة الإستدانة الدائمة للمال من الخارج بإسم الشعب اللبناني ومن أجله، وسرقة أراض وأملاك بحرية، وخلق صفقات، وتبييض أموال، وغلاء معيشة، وبطالة، وارتفاع الضرائب، وتفكك العائلة، وتعاطي المخدرات والإتجار بها، وحوادث السير، وأعمال سرقة وعنف وتعديات وجرائم وضحايا، وانعدام الأمن والسلام والإزدهار. كل هذه المشاكل لا يتفق زعماء الطوائف حول رأي واحد وطريقة واحدة لمعالجتها كما ينبغي، لإراحة الشعب والتخفيف من همومه وإسعاده، هذا الشعب الذي يعيد انتخابهم باستمرار على أمل أن يخدموه، وهم لا يخدمون إلا مصالحهم الخاصة، مستغلين حصانتهم النيابية للتكثير من ثرواتهم وأملاكهم وانتفاخ عظمتهم وزيادة أجورهم وضماناتهم وتعويضاتهم، والإمعان في استغلال الشعب وخداعه واستعباده وإفقاره وإثقال كاهله بالضرائب لملء خزينة الدولة، خزينته، التي أفرغتها، وراء كواليس الدولة المعتمة، أشباح فساد لا تُرى ولا تُلمس ولا تُمَسّ، ما زالت مجهولة (أو، الأصحّ، مُجَهَّلَة) الإسم والهوية والإقامة حتى الآن. والغريب أن الساسة يطلبون من الشعب الفقير أن يضحي لسدّ عجز الخزينة، أما هم، فلا. ويتهمونه أحيانا بأنه مقصّر في دعمهم من أجل محاربة الفساد. ثم يطلبون منه أن يبرز أدلته وبراهينه لإثبات أية تهمة بالفساد يوجهها إلى الساسة، وإن لم يفعل، فالقضاء بانتظاره هو. وأما الذي أثبتت عليه تهمة الفساد وسرقة أوال الشعب، وأعلٍن عنه بأن تبرئته مستحيلة، فهو ما زال حرا طليقا يُرزَق، يسرح ويمرح وعين الله والدولة ترعاه، لأنه يتمتع بحصانة الطائفة والنيابة.
 
               أما معظم علاقات أبناء الشعب اليومية (فقراء وأغنياء على حد سواء) بين بعضهم البعض، في الأماكن العامة وعلى الطرقات وفي أي مكان تذهب إليه، فهي يشوبها الكثير من الحذر والشك والكبرياء والمنافسة والتباهي والتحدّي والسخرية والإهانة والوقاحة وقلة اللطافة واللياقة، حتى بين أبناء الطائفة الواحدة. يكفي أن تقود سيارتك على أي طريق، أو أن تتسوّق في أي سوق، لتتيقّن من صحّة هذا الواقع.

               هل نكمل الحديث عن التجّار الفُجّار، النصّابين، المُصابين بداء الطمع والربح والإثراء السريع، غير المشروع، والمحميين من الساسة، كيف يستغلون الشعب اللبنانيّ بأسره خاصة الفقراء، بتلاعبهم بالأسعار، وبتحميل الناس أعباء نفسية ومالية ثقيلة تفوق طاقتهم على التحمّل ولا حسيب ولا رقيب، ولا عذاب ضمير، ولا حياة لمن تنادي؟

               وهل نتكلم عن شعب يحبّ، بأكثريته الساحقة، وبتشجيع وحماية من زعمائه، السلاح، واقتناءَه، واستعمالَه في كل مناسبة خطبة أو زواج، أو جنازة، أو عيد، أو إستقبال، أو توديع، أو نجاح في الإمتحانات، أو غضب وتحدّ وتهديد وتباه وإثبات وجود؟

               نتوقف، هنا، قليلا، لنستنتج ما يلي:
 
               إن المشكلة الأساسية-أمّ المشاكل- في لبنان، هي، في الحقيقة وبكل بساطة، مشكلة أخلاق، من رأس الهرم نزولا حتى قاعدة الهرم، باستثناء القلة القليلة الصادقة، المخلصة، النزيهة، صاحبة الإرادة الحسنة والقلب النقيّ والحكمة النيّرة. إنها قلة تتألم بصمت، وعاجزة عن تغيير أوضاع الفساد والفوضى وغياب القانون، بالسرعة التي ترجوها. وإذا كان القول المعروف "كما تكونون يُوَلَى عليكم" صحيحا، وإنه لكذلك، كون الشعب (بمن ينتخب ولو أقل من نصفه) يختار ممثليه في الحكم على صورته ومثاله، لعلّه يمكننا أيضا أن نقول "كما يُوَلّى عليكم تكونون"، بمعنى أن عدوى الفساد وانعدام الأخلاق والقوانين الضابطة لها وانعدام المحاسبة القضائية للفاسدين في الحكم لأن الساسة يسمحون بذلك، تنتقل بسرعة رهيبة إلى الشعب من زعمائه في الدولة، وهم حماته ومثاله الأعلى في كل شيء. الإثنان، الشعب وزعماؤه، مرآة صافية، صادقة، لبعضهما البعض. 

               إذاً، وبوضوح لا يقبل الشكّ، يبدو وطن الرسالة، الوطن المثالي البديل لوطن الطوائف المتناحرة والتي يتأكلها الفساد، وَهْمًا، لا حلما، أمام هذا الواقع المأساويّ، المؤلم، الذي يعكس انقسام الشعب اللبنانيّ وانقسام الحكام، وانهيار المعايير الأخلاقية والروحية في التعامل اليوميّ وفي الحياة السياسية، مما يُظهر لبنان وكأنه أدغال خطيرة، غير آمنة، يسكنها الذئاب والأفاعي والدبابير، وكل أنواع الوحوش الكاسرة واللاسعة والسامة، يصعب السكن فيها والتعامل مع أهلها. وطن الرسالة الذي نحلم به هو بعيد جدا عن منالنا، ونحن ما زلنا غير متفقين على شيء، ولا نعامل الآخر باحترام ومحبّة، وما زلنا لا نؤمن بمفهوم واحد للديمقراطية وللوطن، وطن واحد يتعدّى كل القوميّات والعنصريّات والمذاهب والأديان، وطن قويّ يحضن الجميع، وطن محبّة، إسمه لبنان.

               في وطن يتعرّض كل يوم لضربات الإرهاب التكفيريّ والإرهاب التلموديّ، ولتدخّلات الدول النافذة، من عربية وغربية، في كل شاردة وواردة فيه، من خلال سفاراتها ومخابراتها، ويخسر شيئا فشيئا استقلاله وكرامته وحريته وسيادته إلى حدّ الإنمحاء والزوال (إنمحاء وزوال الشعب لا الزعماء)، في وطن هذه حاله، يحتاج تحقيق وطن الرسالة، خشبة الخلاص الوحيدة لشعب ينازع، إلى ثورة روحية وفكرية وأخلاقية، عاجلة. 

               من يقود هذه الثورة؟

               إنها، بكل بساطة، نُخَبُ الشعب الصالحة، المبعثرة، غير الموحَّدَة: الإعلاميون، النقابيون، المعلمّون، المربّون، المفكّرون، الشعراء، الأدباء، الفنّانون، رجال الدين، الأمّهات والآباء والجدات والأجداد، وكل إنسان يحمل في قلبه شيئا من المحبّة الصادقة لعائلته وقريبه وجاره ووطنه، ولله. سوف نترك عباقرة السياسة وملحقاتهم من الإعلاميّين ورجال الأعمال وأرباب العمل وأصحاب المصارف وجميع عبّاد أصنام الذات والمال والأسياد، خارج نادي الثورة النقيّة والثوار الأطهار، لأن الثورة المرجوّة هي، في النهاية، موجّهة ضدّ جشعهم وظلمهم وكبريائهم، وضدّ استغلال سلطتهم ومالهم من أجل استعباد الشعب، والسيطرة عليه، والتحكّم بمصيره. إن الثورة تهدف أيضا، وفي الوقت عينه، إلى هدايتهم إلى الصّراط المستقيم إن هم تنازلوا وتواضعوا وأرادوا الهداية.

               أجل، إنها ثورة الفكر والأخلاق والروح والمحبة. إنها ثورة على الذات الشعبية اللبنانية الخانعة، اليائسة، المنقسمة على نفسها، المستسلمة لمشيئة قَدَر مُبهَم، والمتعصِّبة تعصُّبا أعمى لدينها، والمؤلِّهة والعابدة لزعمائها، وفي الوقت عينه لذاتها. إنها ثورة ضدّ كل هيرودوسات وبيلاطوسات السياسة في لبنان، وكل حلفائهم من كتبة وفريسيين وإسخريوطيين وبرأبّسيّين وبروتسيّين، الذين أدمنوا على خيانة الشعب اللبنانيّ (في غياب أية محاسبة شعبية أو قضائية أو حكومية أو إلهية) مع حكومات الخارج القوية، الغنيّة، التي تتملّكها الأطماع الشريرة المريضة في غزو العالم، والتقليل من عدد سكانه بخلق الحروب والأمراض والمجاعات، والسيطرة عليه واستعباده وسرقة موارده الطبيعية، والتي لا تريدنا أن نبنيَ وطنا قويا بوحدة أبنائه وإيمانهم بقِيَم الحبّ والعدل والحق والخير والجمال. 

               إنها ثورة ضرورية ملحّة، يحتاج لبنان إليها اليوم، لأنه مهدّد بالتفسّخ والإنحلال السياسي والإقتصادي والروحي والأخلاقي، وبخسارة أرضه واستقلاله ووجوده في زمن العهر السياسي العالمي والمتاجرة، علنا، بأوطان الشعوب ووجودها وكرامتها. إنها ثورة تمهّد لبناء لبنان جديد، معافى، منيع، مقاوم، مسالم، قويّ بوحدة أبناء شعبه وجيشه وقياداته الزمنية والروحية، إسمه وطن الرسالة. 

               أجل، إنها ثورة روحية أخلاقية فكرية محبّة، ولكنها ثورة صامتة خاشعة، لا تُرَاقُ فيها نقطة دم واحدة، ولا تَروقُ أبدا لعباقرة الشرّ ومصّاصي الدماء وأسياد العالم، ولا لأذنابهم المُعّاقين عقليا وروحيا وأخلاقيا عندنا في لبنان، وفي كل أرجاء الأرض، الذين لا يَكفّون عن التلذّذ المريض بإغراق شعوب هذا العالم، كل يوم، في مزيد من بحور العنف والدماء والتهجير والتشريد والتجويع، ولا أحد يستطيع أن يردعهم أو يوقفهم.

               هل تستجيب النُّخَب القليلة، الجيدة، لهذا النداء الحارّ الصادق، وتبدأ فورا بإشعال نار الثورة الجديدة في نفوسها وفي نفوس اللبنانيين وإنارتهم بنورها، وإنارة العالم؟ 

               هل يتجاوب الشعب المُشتّت كقطيع بلا راع مع نداء الثورة والتحرّر الآتي من رعاة صالحين؟
   
               هل يرى نور الثورة والهداية، ويبدأ ببناء واكتساب وعي جديد وإرادة جديدة، ويبدأ هكذا ثورته على نفسه الأنانية الجاهلة الضعيفة، فيفكر أكثر بشريك الوطن، ويهتمّ به ويحترمه ويحبّه، ويتقوّى ويتحرّر معه من نير ثقيل جدا قد أرهق كل أبناء الوطن على مدى عقود من الزمن، هو نير ظلم السياسيين والعائلة والمذهب والطائفة والعشيرة والغرور، ونير نبش القبور والذكريات الدموية السيئة بين الطوائف، ونير غلاء المعيشة والضرائب، ونير الفرقة والإنقسام والتوتر والقلق على المصير؟ 
 
               هل يكمل ثورته المباركة الدائمة بتحقيق هدف عظيم لم يكن يجرؤ حتى على التفكير به من قبل، ألا وهو القرار الحازم بعدم انتخاب من خان الأمانة والعهد من السياسيين، مرة ثانية، وبالتجرُّؤ، في المستقبل، على انتقاد ومحاسبة من ينتخب، إن حاد عن طريق الحقّ؟ 

               إن هذا الحلم البريء، والجميل، والعظيم في زمن رديء جدا هو، ودون مبالغة، من أردأ الأزمنة على الإطلاق، ونحن محاطون فيه من كل جانب بكوابيس الحقد والعنف والإرهاب والموت، أجل، وطن الرسالة هذا، ما يزال ينتظر الحالمين الأنقياء القلوب، الرحماء، الودعاء، الأتقياء، الأبرياء، محبّي الحق والبرّ، فاعلي السلامة، الشجعان، الصادقين، الحكماء، لكي يحقّقوه بقوّة، سليما، كاملا، مُعَافى، جسدا وروحا، أرضا وشعبا، ويُنقِذوه من آلام مخاض عسير قد طال كثيرا في رَحِم أوهام نفوسهم وأحلامها المعتمة، إلى أنوار الواقع الحقيقيّ، وينتزعوه انتزاعا من أشداق وبراثن الوحوش الكاسرة، مرّة واحدة وإلى الأبد.

               وطن الرسالة هو الحلم الأفضل والوحيد للبنانيين بوطن جديد.