كأي شيء آخر في عالم لبنان السياسي، قد وُلِدَتْ الحكومة بعد طول وعسر مخاض، وسُمِّيَت ب"حكومة إلى العمل"، واستبشر الناس خيرا بالمولود الجديد، رغم كل همومهم وأحزانهم وقرفهم ويأسهم وقلة ثقتهم بالساسة. رافق هذا المخاض كلام كثير وصراع عنيف بين أباطرة السياسة حول إستحقاق، أو بالأحرى، إستملاك كل فريق ووضع يده، كحقّ شرعي ومكتسب له، على أكبر عدد ممكن من أهمّ الحصص الوزارية الوازنة، والسيادية، والخدماتية "الدسمة" (لا الوزارات التافهة، الخفيفة، غير المهمّة معنويا وماليا وغير اللائقة بمقام كل رئيس طائفة وطموحه)، بحسب عظمة كل زعيم من خلال حجمه الشعبِيّ وأولوية تمثيله هو وحده للأكثرية في طائفته. كان من الواضح والفاضح جدا أن الأولوية في هذا المخاض الطويل والصعب، هي، كالمعتاد، للسلطة والقوة والسيطرة على مقاليد الحكم ومفاصله، ولكمّية "الدسم" في كل وزارة ("البقرة الحلوب" في "مزارع" الدولة)، لا لخدمة الشعب الذي انتخب ممثليه في الحكم بعد أن وعدوه بالجنّة، والذي يتفاخرون، فقط، بحجم تمثيلهم له، وقت تقاسم وتناتش حصص وغنائم الحكم.

               ثمّ انهمكت الحكومة، بعد ولادتها القيصرية، في إعداد بيانها الوزاري، وكان بمثابة رسم مفصّل لخارطة طريق لتحقيق إصلاحات وإيجاد السبل الآيلة إلى إدارة الدولة الجيدة لشؤون الشعب. ليس سرا أنه، في رأس اهتماماتها، كان موضوع الإقتصاد وكيفية إنعاشه، وموضوع الفساد وكيفية محاربته. 

               وجاء دور دراسة بنود الموازنة، تمهيدا لإجراء الإصلاحات الضرورية والمرجوة في إدارة مال الدولة ووضع حدّ للهدر والسرقة والإفلاس. طالت دراسة الموازنة حوالي ستة أشهر، تخللتها دعوات ونداءات ومناشدات رقيقة، ناعمة، متكررة، من المسؤولين في الحكم إلى الشعب الفقير، من أجل أن يتقشف في حياته وأن يكون مستعدا للتضحية، أي، كما اتضح فيما بعد، لتحضير نفسه معنويا من أجل تقبل المزيد من الضرائب والرسوم عليه وغلاء المعيشة، دون توقع أية زيادة في رواتبه (إقتطاع الرواتب حصل مع متقاعدي قوى الأمن والجيش بنسب متفاوتة). سياسة التقشف هذه لم يعلن أحد من الساسة وجوب تطبيقها، أيضا، وقبل الشعب، على السياسيين أنفسهم، مهندسي السياسة والموازنة وبناء الثروات الخاصة، بمعنى أن يوقفوا حياة الترف وتبذير مال الشعب، وأن يبدأوا بالمساهمة، مع الشعب، بدفع الضرائب التي أعفوا أنفسهم منها من زمان، لأسباب ستبقى مجهولة، هي من أسرار الآلهة. هم يكتفون فقط بالتصريح عن نيتهم في تطبيق سياسة التقشف من خلال دعوة الشعب إليها، ومن خلال الكشف عن مصادر الهدر والفساد والعجز المالي في الدولة ومحاولة معالجتها وسدّها، ومن ثمّ محاسبة الساسة الفاسدين والمتلاعبين بالمال العام، أي مال الشعب. واتضح، في نهاية المطاف، أنه، نتيجةً لدرس الموازنة، ووعود بعض الساسة بمداراة وضع الشعب الفقير وعدم تحميله فوق طاقته، قد فُرِضَت ضرائب جديدة على هذا الشعب على ما أسموه "كماليات" مستوردة هم حددوها، وتركوا بنودا عجيبة غريبة مضحكة مبكية كثيرة لم يمسّوها، سوف نمرّ على ذكرها بعد قليل (الى جانب بنود تتعلق بالأملاك البحرية والمصارف، التي لا يجوز المسّ بها وبأباطرتها). وأيضا، وبسحر ساحر، توقف الحديث عن النية بمحاسبة الفاسدين واسترداد المال المسروق.

               لقد أثبتَ زعماء وساسة لبنان، العِتاق والجدد، بما فيه الكفاية، أنهم يجيدون فذلكة الأمور وحياكة الكلام البليغ، والكذب على الشعب وخداعه وسرقته ونتف ريشه دون أن يرفّ لهم جفن، ودون أي حياء، ويجيدون فنّ التذاكي وهجاء الخصم السياسي، وفنّ مديح الذات والفخر، ويجيدون تحدّي بعضهم البعض، بنبرات عالية، وكبرياء، ومبالغات أدبية ملحمية. كما أنهم يجيدون افتعال المشاكل والضجيج والكيدية فيما بينهم، وتسجيل المواقف على مسرح السياسة وأمام عدسات التصوير وآلات التسجيل للإعلام المرئيّ والمسموع (لعلّهم يدخلون ذاكرة وكتب التاريخ من أبوابه العريضة)، ثم الخلود إلى الهدوء والسكينة والهدنة المؤقتة، ريثما يختلقون، من أجل تجديد النزاع، أسبابا وأعذارا أخرى جديدة، تتعلّق، كالمعتاد، بمصالحهم المالية المقدّسة، وعظمتهم الذاتية المعبودة والتي لا تُمّسّ، لا بمصلحة وعظمة شعب الوطن كله. أما الإتفاق الدائم بين السياسيين على مسألة خدمة الشعب، كما يفرضه الواجب الأخلاقي، فهذا شيء لم يحصل أبدا حتى الآن، ويبدو أنه لن يحصل في المستقبل المنظور وغير المنظور.

                                  إن كل لبناني يحبّ بصدق أرض وشعب وطنه، مهما شكّ بنوايا الساسة وإخلاصهم وقدراتهم على خدمة الشعب، ومهما فقد الثقة بهم، ومهما غضب وعتب عليهم، بعد أن لُدِغَ من جحرهم مرات كثيرة، يظلّ يتمنّى، في أعماقه، ولو تمنِّيا غير فَرِحٍ ودون حماس كبير، بأن تنجح حكومة "إلى العمل" في تحقيق أهدافها التي تضمّنها البيان الوزاري، في مجال خدمة الشعب وتأمين حقوقه الإنسانية بحياة كريمة تليق بجميع أبنائه، وتأمين ازدهاره وحمايته من شرّ البطالة والفقر، ومن شرّ التوطين وسرقة المزيد من أرضه وبحره وموارده الطبيعية، ومن شرّ أعدائه الكثر المعروفين، وأخطرهم هو الكيان التلمودي العنصري الذي يهدّد كل يوم بتدمير لبنان وبإعادته إلى العصر الحجري.

               يهمّنا، هنا، موضوع الفساد، فساد أخلاق السياسيين في الحكم (وحلفاء المال والأعمال والتجارة والمصارف والإعلام)، واستغلالهم للسلطة من أجل تحقيق مكاسب سياسية ومالية شخصية، لا علاقة لها بمصلحة الشعب "العليا". هذا الفساد تنتقل عدواه، بسرعة عظيمة، إلى الشعب اللبناني، الذي، بمعظمه، يتخذ زعماءَه (لا الدولة) كحماة له، وكمثال أعلى يقتدي به.

               إنّ روح الفساد، بكل ما تعنيه من كبرياء وغرور وكذب وخداع وسوء إدارة، وطمع مريض بالمال والسلطة والقوة، هي، في الحقيقة، "أمّ" كل المشاكل الأخرى، المقلقة للشعب اللبناني وحده، لا لزعمائه: 

               -خيانة الساسة للوطن مع أعداء الوطن ومدّعي محبته من دول الخارج، وضدّ مصلحة الشعب اللبناني.

               -الإثراء غير المشروع، وكسر القوانين وتسييس القضاء. 

               -عدم إيجاد حلول لمشاكل الكهرباء، والمياه، والغذاء، والتلوث، والبيئة، والأمراض، والدواء، والإستشفاء، والفقر، والبطالة، وضمان الشيخوخة، والهجرة، وغلاء المعيشة، وفرض الضرائب، والجريمة، والسرقة، والنازحين واللاجئين والتوطين، إلخ...
 
               حتى اليوم، يُحْكى عن الفساد بشكل مبهم، لا عن الفاسدين. لا أحد يسمّي الفاسدين بأسمائهم، ويدلّ عليهم بوضوح وجرأة. حصل ذلك مرّة واحدة، بشكل موثَّق، منذ عدة سنوات، من قبل فريق ضدّ فريق آخر، ثم، وبسحر رهيب لساحر ملهم (موجود فقط في لبنان)، مجهول الهوية، نُسِيَ الأمر كلّيا، ولم يكن للقضية، بعد أن بدأ المواطنون يستبشرون خيرا ويتنفّسون الصعداء، أية ملاحقة في الإعلام أو مع القضاء.

               إن بعض الإعلاميين يذكرون، من وقت إلى آخر، وبشكل خاطف ودون ملاحقة الموضوع، كيف يتم هدر المال في الدولة على يد الساسة المتعاقبين على الحكم، ويبرزون أسماء بعضهم ضمن لوائحَ بأسماء عائلاتهم وثرواتهم واستثماراتهم وحساباتهم المصرفية في مصارف سويسرا، دون تسميتهم بالفاسدين، ولا أحد يعترض من هؤلاء الساسة. أما الشعب الكثير الشكوك وصاحب حدس قلما يخطىء (رغم أن معظم أبنائه لا يقفون ضدّ زعيم طائفتهم)، فهو يعرف الكثير عن هذه الأمور ويتساءل: من أين لهم هذا؟ ويتهكّم، قائلا: طبعا، من عرق جبينهم. ولا يجد غير كلمة "فاسدين" لكل الذين زاد ثراؤهم بشكل فاحش فوق ثرائهم الموروث، أو الذين أثروا بسرعة رهيبة، مشبوهة، بين ليلة وضحاها، في ظروف غامضة وغير قانونية خلال حرب 1975-1990، وبعد اتفاق الطائف، في الحكم وداخل لبنان وخارجه، وبنوا القصور والقلاع، واشتروا عقارات شاسعة وأسهما ضخمة في شركات عديدة، ويملكون يخوتا وطائرات خاصة، وجيوشا خاصة، وسيارات معتمة مصفّحة، وأرصدة مصرفية هائلة في لبنان وأوروبا والخليج. الغريب أن النيابة العامة والقضاء لا يتحرّكان أبدا نتيجة هذه المعلومات-الإخبارات، ليحققوا مع مُرَوِّجيها ومع المُتَّهَمين. والشعب سرعان ما ينسى هذه الامور، وهو منهمك بالتفكير في تحصيل لقمة العيش والبقاء حيا يرزق، أو في الهجرة. إن قانون "من أين لك هذا" المعروف والقديم (منذ ستينات القرن الماضي) في لبنان، بَقِيَ، حتى الساعة، حبرا على ورق، ومادّة للتهكّم والتسلية بين أبناء الشعب، وللتشهير المُتَبادَل بين السياسيين.

               أين نذهب من هنا؟

               الإتهامات بالفساد كثيرة، والمتَّهَمون كثر. الفساد يعني الطمع بالمال المؤدي إلى مغامرة الإثراء غير المشروع وبأي ثمن، ولو على حساب الآخرين. وهذا الإثراء يصبح جريمة كبرى حين يحدث داخل الحكم، مترافقا مع فرض ضرائب مرتفعة على الشعب الفقير، ومع فراغ خزينة الدولة من المال، وعدم القدرة، مثلا، على إتمام المشاريع الحيوية والعمرانية وخلق فرص عمل (شق وتعبيد طرقات، تأمين وتجديد شبكات الكهرباء والمياه، بناء معامل لإعادة تدوير النفايات ومنع التلوث الآتي من المحارق، ومن معامل الإسمنت، والمسبب لأعراض ضيق التنفس والإختناق والإغماء وأمراض السرطان، وتشجير البيئة المشوهة بالكسارات والمحافر والمرامل، وبناء سدود ومستشفيات ومدارس وجامعات وبيوت فقراء وأيتام وعجزة، إلخ...)، أو على تأمين ضمانات تربوية وتعليمية وصحية للشعب، أو على تسليح الجيش تسليحا كاملا لمجابهة تهديدات وخطر العدوّ الصهيوني وإرهابيّيه، ولحماية أرض الوطن وشعبه.

               إن الزعماء والساسة ليسوا بملائكة. قانون "من أين لك هذا" لم يُطَبَّق أبدا فيما مضى، ولا يمكن أن يُطَبَّق، اليوم. القضاء مُسَيَّس، أي يخضع لسلطة السياسيين والمال. وكل سياسي أو زعيم له قضاؤه الخاص المدافع عنه (مع أزلامه) مهما فعل ومهما خالف وكسر القوانين. إن الدولة مجموعة دول لزعامات طائفية تحت ستار أحزاب بأسماء علمانية، والوطن مجموعة أوطان لهذه الزعامات. الوطن والدولة مزارع أبقار حلوب يتقاسمهما زعماء الطوائف وعيالهم وحاشيتهم.

               إلى متى سوف نظلّ نسمع نغمة محاربة ومحاكمة الفاسدين، وهم في ازدياد مخيف، ومستقوون في الحكم وشعبيا، ومدعومون من حكومات الخارج، وهم دائما سعداء، لا خوف من محاسبة وعقاب يقلق بالهم أو يعكّر صفوَ عيشهم؟

               كم يتمنى الشعب لو يتوقّف دعاة الإصلاح عن ترداد هذه النغمة. إن الشعب مقتنع تماما بأنه سوف لن يتحقق أية محاربة للفساد وأية محاكمة للفاسدين. وهو يردّد بكثرة: من منكم بلا خطيئة؟ أو: مَن يحاكم مَن؟

               ما العمل إذاً؟

               من الآن فصاعدا، كل ما ينبغي لهذه الحكومة أن تفعله هو أن تعزز وحدتها، وأن تزيل عنها عوارض التفسّخ والإنحلال منذ ولادتها، وتتخطى، بحكمة، الأحداث المؤلمة في "قبرشمون" نتيجة اتباع بعض الساسة في الحكومة لسياسة نبش القبور والتحدي وشدّ العصب الطائفي في أجواء متوترة، وأن تبطل المبالغة في إعطاء الشعب وعودا، هي نفسها تعرف بأنها لا تستطيع أن تفيَ بها. كل ما يريده الشعب من حكومته هو أن تؤمّن له حقوقه بحياة كريمة، آمنة. من المفيد جدا، لا شك، أن يقرأ الوزراء والنواب والرؤساء وكل الساسة القدامى والجدد السكارى بخمرة مجد وعظمة الحكم، شرعةَ حقوق الإنسان، قراءةً متمعِّنة، وأن يحاولوا تطبيقها. 

               أما فيما يتعلق بمحاربة الفساد، فلتبدأ الحكومة بترداد وممارسة القول اللبناني المشهور: عفا الله عمّا مضى. هذا ما فعلته حكومات لبنان منذ الإستقلال حتى اليوم، بعد كل أزمة حكم عنيفة بين الزعماء، وبعد كل صدام دموي بين أبناء الشعب. عليها أن تنسى تعليق المشانق للفاسدين، كما يشتهي البعض، وتتصرّف بواقعية وحكمة وتواضع وصدق، وتكتفي، دون المزيد من العنتريات، بوقف الفساد. 

               على الحكومة أن توقف سياسة الإستدانة الخبيثة، العبثية، المشروطة، من الخارج، وتراكم الديون، وتبخر المال من خزينة الدولة وهطوله في جيوب الساسة أمطارا غزيرة، وفرض زيادة الضرائب على الشعب الفقير لملء خزينة لا تمتلىء أبدا. إن عملية تبخر المال (المستدان أو في الخزينة) بشكل سحري، مستمرّة.

               قبل كل شيء، محاربة الفساد وملء خزينة الدولة التي أفرغها الساسة، لا ينبغي أبدا أن يتمّا على حساب الشعب بزيادة الضرائب عليه. هذه جريمة كبرى لا تُغتفَر. 
  
               على الحكومة، لتستحق إسمها الجميل، الواعد (حكومة "إلى العمل")، أن تباشر بسرعة، بمراجعة دراسة الموازنة قبل الإستعجال في الحصول على موافقة الجميع إلا موافقة الشعب الفقير. إذا كانت الموازنة، كما يقول المتفائلون، فيها إيجابيات كثيرة، وأنها "أفضل الممكن"، وأنها قد راعت، بفضل جهود المخلصين، وضع الشعب الفقير، بتحميله فقط ما يقدر على تحمّله من الضرائب والرسوم، وإذا كانت، حقا، هذه الحكومة جادّة في عملها وتحمّل مسؤولياتها، فعليها أن تبدأ، إذاً، بشفافية، وعلنا، ودون صمت وتستير وباطنية خبيثة، على سبيل المثال لا الحصر، بمنع هدر المال العام بمئات ملايين الدولارات، ووقف صرفه في غير محله على أشياء تافهة، سخيفة، غير مفهومة، وغير منطقية (كما ألمحنا في المقدمة)، بقيت بنودها مستورة كما هي، ولم تُمَسَ، بعد الجهود المضنية المبذولة لدرس الموازنة (وكأنه تواطؤ بين جميع الساسة ومؤامرة على الشعب الفقير)، ممّا يرسم في ذهن المواطنين علامات إستفهام وتعجب واستهجان، ويخلق في نفوسهم شعورا قويا بالغضب والإمتعاض والقرف والدوخة والغثيان حتى التقيّؤ:

               -مباني الوزارات المبعثرة في كل مكان ببدل إيجار ضخم، قرطاسية للمكاتب، لوازم مكتبية، لوازم متخصصة، إعلانات ومطبوعات وعلاقات عامة، أعياد وتمثيل، علاقات عامة أخرى، مستشارون، بدلات أتعاب، تعويضات عن أعمال إضافية، مكافآت، تقديمات زواج وولادة ووفاة، نقل وإنتقال في الداخل، وفود ومؤتمرات في الداخل، نفقات طارئة وإستثنائية، إلخ... 

               هل من يجد أي معنى لهذه الهرطقات أو أية فائدة أو ضرورة؟ وهل من يحزر لماذا أخفاها وسكت عنها اصحاب "الجهود الجبارة" (التي لم تُبذَل بالفعل من قبل في تاريخ هذا الوطن المنكوب منذ نشأته) في درس الموازنة؟

               وعلى الحكومة أن تخفف السفرات والمواكبات، وتقلّص من عدد الحراس والمرافقين، وتوقف تمويل المشاريع والجمعيات الوهمية. وعليها أن تمنع المناقصات المشبوهة والصفقات والعمولات، وتراقب بدقة تلزيمات المشاريع على أنواعها، وفي كل مراحل تنفيذها.

               وأيضا، عليها بوقف ومنع الرشوة، من أية جهة أتت، في كلّ المراكز الحكومية.
 
               وعليها، قبل كل شيء، إطلاق حرية القضاء المُكَبَّلَة من أباطرة الساسة والمال، وإعادة الإعتبار له في ممارسته لرسالته المقدّسة في إحياء العدل، أساس المُلْكِ الصالح، ومحاسبة الفاسدين (كما وعد بعض الساسة) مهما عظم شأنهم، و"الكبار" قبل "الصغار" (ما حصل حتى الآن هو العكس تماما). 
 
               وأما التوظيف العشوائي للأزلام في الدولة، فينبغي أن يتوقف فورا، لأنه معروف من الجميع أن ثمّة فائضا مخيفا بالآلاف لموظفين غير منتجين ولا حاجة للدولة لهم، قد حصلوا على وظائفهم ب"واسطة" الزعيم (وهذا أمر قد بدأ وتراكم حتى اليوم، منذ ستينات القرن الماضي). هم، لا شك، سبب من أسباب هدر المال العام (كما هم موظفو سكك الحديد الصدِئة، الميتة، المعطلة، من زمن بعيد)، وعبءٌ ثقيل على خزينة الدولة، التي يموِّلها الشعب الفقير (وفائض الموظفين ينبع من هذا الشعب الفقير) بتعبه وعرق جبينه. لا لزوم، ربما، لطردهم وقطع أرزاقهم، إذْ لا ذنب لهم (وإلا فليطرد، أولا، كل من هو مسؤول عن توظيفهم)، ولكن، على الأقل، كلما شغرت وظيفة، لا لزوم لملئها، حتى الوصول إلى حالة من الإكتفاء بما تحتاج الدولة إليه من الموظفين الفعّالين، المنتجين.

               فهل تعمل حكومة "إلى العمل" على تحقيق كل ذلك، وقد وَلَدَتْ، بعد مخاض عسير وطويل (تماما كما وُلِدَتْ هي)، موازنة ناقصة، فاقدة التوازن، غير عادلة، ليست، في الحقيقة (مهما مدحها المتفائلون، ومنهم بصدق وواقعية ومداراة للأوضاع والتحالفات)، على مستوى آمال وطموحات الشعب الفقير، الذي بدأ بترداد القول المعروف: تمخّض الجبل فولد فأرا؟

               يبقى أمر واحد مهمّ جدا، وهو: 

               إن أراد الساسة والزعماء أن يحققوا معجزة عظيمة، غير مُتَوَقَّعَة لا من الشعب ولا من ملائكة السماء، معجزة تشكل صدمة مؤلمة لأبالسة الجحيم، وصدمة إيجابية للشعب اللبناني، فيمكنهم أن يعطوا المثال الصالح لكل الشعب اللبناني في مجال التضحية المؤلمة بالذات وبمتاع الدنيا، ويبدأوا، مثلا، بالتفكير الجدّي بمشاركة الشعب في عيش التقشف، وبالتخلّي عن قسم من فائض رواتبهم وضماناتهم ومُخَصَّصَاتِهِمْ وتعويضاتهم الخيالية (هم والمدراء العامون في الدولة والسفراء)، وبإلغاء إعفاءاتهم (غير المبرَّرَة) من دفع الضرائب، من أجل ملء خزينة الدولة وتمويل المشاريع المنعشة للشعب الذي انتخبهم ليمثلوه في الحكم، والذي وعدوه بأنهم سوف يخدمونه. هذه معجزة نعلم جيدا بأنها لن تحصل أبدا، كما حصلت، من قبل، معجزة اتفاقهم المؤقت، فقط، على زيادة رواتبهم لا رواتب الشعب، وعلى التمديد لولايتهم مرتين، وتمديد تعاسة الشعب إلى أجَلٍ غير مُسَمَّى.
 
               نعود لنكرّر السؤال على أنفسنا وعلى حكومة "إلى العمل": 

               ما العمل بالفاسدين في السياسة والحكم بعد مراجعة الموازنة وإقرارها؟ 

               الشعب اللبناني، في الحقيقة، لا يفرح برؤية الساسة الفاسدين مذلولين في المحكمة وفي السجن، ولو كان بعض المواطنين يتمنّون ذلك ويردّدون، في لحظة غضب وشماتة، أنّ كل السياسيين فاسدون، وهم يستحقون الشنق. إن لبنان، ساعتها، إن شئنا التهكّمَ قليلا في هذا المقام، ربما يفرغ كليا من الساسة والزعماء وحلفاء الدين والمال، وهم، شئنا أم أبينا، شرّ لا بدّ منه في الوقت الحاضر. وأحيانا، يتهكم بعضهم، ولكن بشيء من الجدية والحزن، حول إذا ما كان أفضل للشعب اللبناني أن يكون بلا أناس تحكمه وتتحكم به وتسيء إدارة أموره، ما دام الفراغ موجود بوجودهم وبعدمه.

               ولكنْ، وهنا جدّية الموضوع، إنْ حصل (في حلم الدولة الفاضلة، دولة القانون والمؤسسات) أية إدانة لأي زعيم أو سياسيّ بالفساد، وأية محاولة لإجباره على ردّ المال المسروق، فإنّ أزلامه وأتباعه وأقاربه ورؤساء طائفته سوف يرفضون ذلك، وسوف ينتفضون ويواجهون الدولة (والأكثرية الصامتة المسالمة المتألمة) حتى بقوة السلاح، ويشعلون الحرب الأهلية بسرعة البرق (إنّ مجرد إهانة الزعيم أو التهكم عليه أو إنتقاده، في لبنان، كافية لإشعال حرب أهلية، أو تعطيل الحكم، فكيف إذا حوكم أمام القضاء). وبالنتيجة، لن يتوقف الفساد. من ناحية أخرى، إن الساسة يعرفون بعضهم بعضا بشكل جيد. وسوف يسارعون إلى نبش ملفات كل من يحاول نبش ملفاتهم. وتنتهي القصة بلفلفة كل الملفات، وبالتسويات، والتزام الصمت، وإعلان العفو العام، بروحية القول المعروف، "مُكرَهٌ أخوك لا بطل"، لا بروحية "العفو عند المقدرة". كما قلنا منذ لحظات، لا ملائكة بين السياسيين، في لبنان. 

               لعلّه (ولو كنا نحلم، لا بأس) يأتي يوم لا يكون بعيدا، يقول فيه جميع الساسة والزعماء لبعضهم البعض:

               "تعالوا نتفاهم، بعيدا عن الفضائح التي تطالنا جميعا. عفا الله عمّا مضى. فلنبدأ، من الآن فصاعدا، أن نساعد بعضنا بعضا، بدءًا بأنفسنا، على التخفيف من الفساد شيئا فشيئا حتى محوه كليا، وعلى تشجيع ونشر روح ثقافة الحق والتواضع والقناعة والنزاهة والشهامة والصدق والثقة المتبادَلَة والمحبّة، واحترام القوانين، والإخلاص لشعب الوطن بأسره، والوحدة الوطنيّة، من خلال التربية المدنية والأخلاقية الدائمة برعاية الدولة والأهل والمعلمين والمرشدين الروحيين ووسائل الإعلام. تعالوا نعمل معا لقتل الجهل والفقر في لبنان لا الفقراء".

               في كل الأحوال، أعفا الله والساسة والشعب عمّا مضى أم لا، أَبَدَأَتْ محاربة الفساد مسيرتها الطويلة مع الحكومة الجديدة المتعثرة الخطوات أم لا، فإنه، مهما يكن من أمر، من واجب الشعب أن يتوحّد (لا خيار آخر له) لأن مصيبته بساسة الفساد واحدة، ومعاناته من الفقر واحدة، ومصيره واحد أكان خيرا أم شرا، وألّا يتعب وييأس من المطالبة الدائمة، بصوت واحد، ودون حقد، بمحاربة الفساد والفاسدين من الساسة وحلفاء المال على أنواعهم، بالإنتقاد البنّاء وبالكلمة الطيبة، الفعّالة، في الإعلام، وبالتظاهر السلميّ في الشارع، وصولا حتى إلى العصيان المدني ورفض دفع الضرائب، إن تمادى "أبناء" الدولة الأبديون في التساهل مع أنفسهم ومع الفاسدين، في الحكم وخارجه، وفي غضّ النظر عنهم، أو في مشاركتهم بالفساد. 

               لن يُحقِّق الشعب أيّ نجاح في تحركه ضدّ الفساد، إن لم يكن مُوَحَّدًا، وإن ظلّ مُشَتَّتًا، لاهثا وراء زعمائه ولقمة عيشه، عابدا ومطيعا لهم.

               إن بداية محاربة الفساد والقضاء عليه، تبدأ، في الحقيقة، بصندوق الإقتراع. فليعرف الشعب، قبل كل شيء، كيف يختار ممثليه في الحكم دون أن يخضع لإغراءات المال وروابط صلات الرحم والمذهب والعِرق والطائفة، وكيف يراقبهم بدقة وهم في الحكم، وكيف يحاسبهم على أدائهم، فيعاقبهم بالتوقف عن انتخابهم، إن هم خانوا الأمانة، ويكافئهم، إن هم أخلصوا له، بإعادة انتخابهم.

               الخلاصة البسيطة في نهاية المطاف: 

               على الشعب اللبناني ألّا يوقف نضاله لحظة واحدة من أجل تحرير نفسه من عبودية جهله ومخاوفه وتعصّبه الأعمى وعبادته للعائلة والطائفة والمذهب والعرق والزعيم، ومن إستعباد كل هذه الأصنام له. وعليه ألّا يثق ثقة عمياء بتوبة ساسته (مع كل محبته لهم) عن ممارسة الفساد، بين ليلة وضحاها، إن سمعهم يردّدون: عفا الله عمّا مضى. فليعفُ الشعب عن خطايا زعمائه، بمعنى أن يتجنّب الحقد عليهم. وليحكمْ على أعمالهم، لا على نواياهم الطيبة وأقوالهم المعسولة، وليكن له "حديث" خاص، صامت، صارخ، معهم، في صندوق الإقتراع.
 
               وأخيرا، فليعلم الشعب اللبناني أنّ الأوان قد آن ليفهم ويقتنع نهائيا، وبعد كل التجارب القاسية، المريرة، التي مرّ بها وعانى منها هو وحده لا مسبِّبوها، أي زعماؤه ومن وراءهم في الخارج، بأنّ خلاصه الوحيد من تعاسته ومآسيه المتكرّرة والموروثة من جيل إلى جيل، إنما هو بيده، إنِ اتّحَدَ، وبيده وحده. فليتحد الشعب اللبناني، إذاً، وليبدأ، شيئا فشيئا، بالتفكير الجدّي الدائم لا العابر، بخلق نظام علمانيّ خال ومتحرّر من التعصّب الديني والفساد.