كتب الدكتور رائد المصري  في صحيفة البناء اليوم مقالا بعنوان:

"من الذي يروّج ويريد من الرئيس الحريري أن يَستقيل؟ "

بهدوء… فهي تلك القوى السياسية الراديكالية التي انخرطت في صفوف 14 آذار ولا زالت بقاياها وفلولها تراهن على وهم قد انقضى بعد أن عبثوا بالحكم منذ عام 2005 واستثمروا بالدم حتى الثّمالة، ويريدون اليوم بعثرة الأوراق الحكومية من جديد بوجه حزب الله والتيار الوطني الحر. وهذا يدلّل على انكشاف اصطفافاتهم الحادة وممانعتهم أيّ حوار يفضي الى نتائج تريح البلد بعد أن تمّ إقرار الموازنة كبادرة حسن نية. وهم اليوم يقفون في صفّ الاندفاعة الأميركية وعقوباتها وتهديد لبنان بسيادته وكيل الاتهامات بوجه المقاومة والتحريض عليها من دون أن يكون لهم موقف على الأقل متساو مع الموقف الدستوري للرئيس سعد الحريري في ما يخصّ انتظام العمل الحكومي وإدارة البلد بالشراكة المطلوبة بواقعية سياسية كما يفعل باقي الأفرقاء السياسيين رغم تحفظاتهم واعتراضاتهم…

الغريب في الأمر هي تلك الطبقة الشعبية أو ما تبقى منها المسحوقة والمتشنّجة خلف مواقف باتت خارج الزمن السياسي اليوم وتعمل على الترويج لاستقالة الحريري علّها تصبح واقعاً. ذاتها هذه الطبقة ورموزها الذين وقفوا ضدّ رئيس الحكومة يوم احتجز وأجبر على تلاوة بيان استقالته في محاولة لزجّ لبنان واللبنانيين في أتون توتّرات وصدامات تدفع هذه الطبقات المسحوقة اقتصادياً من أمنها ولقمة وعيشها وشبابها الثمن، وهي التي تميل من أقصى اليمين الى أقصى اليسار تطرّفاً لأنّ عقلها الجمعي تقوده مجموعة من الذئاب العنصرية التي تقتات كالعوالق على حساب دم الناس وعواطفها المجيّشة نحو الصدام والتصادم.

يريدون من الرئيس الحريري اليوم إظهار أنيابه وأظافره السياسية بحجّة الطائفة وموقعها وتآكل قوتها، فحتى لو كانت أحلامهم صحّية – وهي غير ذلك تماماً – فهي غير قابلة أن تتحقّق لأنّ الرئيس الحريري أدرك واقعية تعاطيه مع القوى السياسية التي فاقت حجمه وتمثيله حتى لو شكّلت خصومة معه، وثانياً لأنّ المظلّة الإقليمية التي كانت تعطي الدفع له قد تبدّدت أو فقدت على الأرجح وهذا ما تدركه قوى الثامن من آذار ومعهم التيار الوطني بهدف السير بالبلد الى شاطئ الأمان، ريثما تستقر أوضاع الإقليم وتتموضع القوى فيه بشكل نهائي للانتقال نحو الاستثمار الاقتصادي الذي يبدو بعيداً حتى الآن.

يريدون من الرئيس الحريري أن يقف ضدّ سورية ويمنع عودة النازحين السوريين حتى لو كانت على حساب اقتصاد الفقراء المتهالك وأن يواجه إيران انطلاقاً من لبنان، وأن يتواطأ مع قضية عمالة الإخوة الفلسطينيين اللاجئين تسهيلاً لمندرجات صفقة القرن، يريدون منه مواجهة كل محور المقاومة وكل شركائه في الحكومة وكذلك تسهيل العقوبات الأميركية على بعض نواب الأمة. ويريدون تسهيل مهمّة الترويج بالادّعاء الإسرائيلي في سيطرة حزب الله على الموانئ والمرافئ والمعابر بين لبنان وسورية تحت عنوان تمرير السلاح وتزويد المقاومة بمنظومات من الصواريخ المتطورة. ويريدون من الرئيس الحريري مواجهة كل هذه المعضلات المحقّ منها والمضلّل، وهو الذي فقد مظلّته الإقليمية التي طالما استظل بها راديكاليو تيار المستقبل وتوابعهم الذي وقعوا بين الأرجل ضحية التسوية التي حصلت بين الحريري وباسيل، ودفعه الى الاستقالة عندما يعجز عن القيام بمهمته المطابقة لوصف الانتحار السياسي.. فكيف له أن يقبل؟

إنه جهل الوحشية العنصرية لدى البعض وممّن لم يتعلّم، فحقائق السياسة واضحة بأنهم لا يريدون إحالة قضية محاولة اغتيال وزير في الحكومة الى المجلس العدلي بهدف عدم التئام جلسات مجلس الوزراء وإحراج الرئيس سعد الحريري لدفعه صوب الزاوية ويتشدّقون كلّ ساعة عن صلاحيات رئاسة الحكومة المحاصرة.. يمانعون ويقفون ضدّ عودة النازحين السوريين الى بلدهم ووطنهم للانتهاء من العبء الإقتصادي الذي طحن اللبنانيين من الفقراء وفي الوقت نفسه يتآمرون على تمرير قضية إجازة العمل للفلسطيني الذي هجّر من دياره وأخرج من وطنه عنوة تحت حجّة تنظيم العمالة الأجنبية في لبنان ومن قوى سياسية لا زالت أحلامها تشعّ وتأمل في إبادة الشعب الفلسطيني وتصفية قضيته في حق عودته الى دياره…

فلول الذئاب المنفردة التي اقتلعت أنيابها السياسية جراء مرور الزمن أقلّه منذ العام 2005 ما زالت تراهن لأخذ البلد نحو صدامات مذهبية حيناً وطائفية حيناً آخر، علّها تفتح البلد على تدخلات خارجية أكبر من عقوبات اقتصادية لإحكام الطوق أميركياً وخليجياً وصولاً للاستدعاء المباشر والوصاية والحجر على لبنان الذي رسمت له المقاومة معادلة توازن القوة مع الكيان الصهيوني، وصار يحسب له الحساب الأكبر في ظلّ التشكّل الإقليمي، فيتقدم هؤلاء صفّ المواجهة العبثية فيما ترامب يستجدي مواصلة الانفتاح والرغبة في التفاوض مع إيران، وفيما السعودية خفّفت من لهجتها ومن مواقفها تجاه سورية وهي تبحث عن إعادة تموضع يحفظ لها مكانتها الجديدة في الترتيب الإقليمي التي تخشى أن تضيّعه عليها سياسات ترامب ورهاناته الفاشلة.

إنها الإفرازات الطائفية والمذهبية التي خدمت وظيفتها وأحيلت الى التقاعد مبكراً ولا تملك اليوم إلا استحضار نوستالجيا تاريخها الدموي الذي كشفت فيه البلد على كلّ التدخلات الغربية في استعمار جديد عنوانه السيطرة الاقتصادية والتحكم عبر الأدوات الوظيفية الجاهزة غبّ الطلب… فلن ينجحوا لأنّ الأصيل يبحث عن مخرج لهزيمته في الإقليم.

أستاذ في العلوم السياسية والعلاقات الدولية