إنه أمر بديهيّ أنّ الأوطان لا تنشأ ولا تُبنى برمشة عين وبسحر ساحر. وإن نشأَتْ وبُنِيَتْ، بفضل صراع أبنائها ضدّ الظلم من أجل تحقيق الحرية والإستقلال والسيادة، فبناؤها لا يتوقف هنا. إن البناء الشاق والطويل الأمد والمتجدّد مع كل جيل، هو بناء اخلاق الشعب وتفكيره من خلال تربية أطفاله وشبابه تربية وطنية واحدة، وبناء وعي الشعب لتاريخه وحقوقه وواجباته وأهمية وحدته، وبناء الثقة بين أبناء الوطن الواحد، وبينهم وبين قادتهم، وبناء حياة إستقرار وإزدهار ورفاهية لجميع أبناء الشعب، وبناء جيش قوي لحماية الوطن بشعبه وأرضه وموارده وإنجازاته ومكتسباته، ضدّ تعدّيات الحُسّاد والطامعين والمستقوين والإرهابيين من نسل روح قايين وهولاكو وأتيلا وجان كيزخان وغيرهم.       
        
               في لبنان، ثمة شعب متعدد الطوائف، يحبّ حتى العشق، وبجميع طوائفه، وطنه لبنان، ويمارس النظام الديمقراطي، ويتنفس هواء الحرية والسيادة والإستقلال، ويفتخر بذلك في أناشيده الوطنية وأغانيه. ولكن، علينا أن نسأل أنفسنا، نحن وساستنا: 

               إلى أي حدّ نحبّ وطننا لبنان بصدق، ونجيد ممارسة النظام الديمقراطي، في واقعنا، بعد خبرة 76 سنة من الإستقلال، وما زلنا، حتى الساعة، نختلف حول مفهومنا للوطن، والديمقراطية، والحرية، ونختلف على كيفية حبنا لوطننا الواحد لبنان، وقد تبيّن أن لكل طائفة لبنانها؟

               في الحقيقة، إن أيّ نظام حكم، ربما، يمكنه أن يكون جيِّدا لأي شعب، إذا مورِسَ بشكل جيّد، إنسانيّ، حكيم، ولفترة غير وجيزة، من قبل النخبة الحاكمة، أكانت مُنْتَخَبَة رأسا من الشعب، أم كانت عائلة مالكة بالتقليد والوراثة، أم كانت ديكتاتورية مدنية أو دينيّة أو عسكرية قد فرضت نفسها على الشعب جرّاء ثورة على حكم جائر.

               طبعا، وفي كل الأحوال، النظام الديمقراطي هو الأفضل، كون الشعب يساهم رأسا في انتخاب ممثليه في الحكم، وكون الأمل بتجديد أو تغيير السلطة وانتقالها من يد إلى يد بشكل سلميّ، موجود من خلال الإقتراع، كل فترة معينة مُتفَق عليها في دستور الحكم، دون اللجوء إلى القوة والثورة والعنف وإراقة الدماء.

               ولكنّ نعمة الديمقراطية سرعان ما تتحوّل إلى نقمة حين يسيء الشعب وسياسيوه إستعمال هذا النظام الجيّد بحدّ ذاته. إن طريقة ممارسة النظام الديمقراطي تعكس مستوى الوعي والتربية والأخلاق والمسؤولية لدى اللاعبين السياسيين، وهؤلاء، بدورهم، يعكسون هذا المستوى لدى الشعب الذي اختارهم في عملية الإنتخابات. أي، كما يكون الشعب يُوَلّى عليه، بحسب المنطق الطبيعي السليم، وهي حتميّة العلاقة بين السبب والنتيجة. والعكس أيضا صحيح: كما يكون الساسة يكون الشعب، سلبا أو إيجابا.

               في لبنان، عندنا مشاكل ومصائب طائفية وسياسية واقتصادية وتربوية وأخلاقية كثيرة، معروفة من الجميع، ولا لزوم لتعدادها. إننا نُحسِنُ، عادة، لوم الدول التي تتدخل في شؤوننا على خلق مشاكلنا. ولكننا لا نلوم أبدا أنفسنا، كون سياسيينا، ونحن الساكتين عنهم، نُفسِحُ المجال لتلك التدخّلات. إن السبب الرئيسيّ لهذه المشاكل والمصائب هو ممارسة المسؤولين ممارسة سيئة جدا للنظام الديمقراطي الذي ارتضوه لأنفسهم وللشعب، ووافقت عليه وتوافقت حوله النخب اللبنانية السياسية والدينية منذ الإستقلال مرورا بالطائف حتى اليوم، وهو نظام يناسب روحية الشعب اللبناني الذي يعشق الحرية ، ويناسب تكوينه الطائفي المتنوع، في ظلّ استحالة تبني نظام علمانيّ يَجمَعُ كل الطوائف، وينسيها التعصّب لدينها ومذهبها وعرقها، ولكن يحرمها، بقيادة رؤسائها، وهنا الطامة الكبرى، من إدمانها التاريخي، المريض، على تناتش ولهط حصصها في الحكم.

               في لبنان، عندنا نظام طائفي يُجمِع كل الأفرقاء على سوئه ويودون التخلص منه، ولكن لا بديل آخر يرضيهم، ويبقون على نظامهم الفاسد الذي يتمتع زعماء الطوائف وأتباعهم بحرية استغلاله، دون محاسبة القضاء (المُسَيّس) لهم (توظيف عشوائي، إحتكار مشاريع-صفقات وعمولات، إثراء سريع، توريث عائلي، كسر القوانين وتجاوز الصلاحيات (بحسب ميثاق الطائف) وتفسيرها تبعا لأمزجتهم ومصالحهم، إلخ...)، ويصرون على تسميته بالنظام الديمقراطي. إنه نظام سيء كان لا بدّ منه، ربما، في البداية لإرساء أسس الإستقلال بسرعة وحماس. أما اليوم، وقد تمادى الساسة خلال سبعة عقود ونصف باستغلاله وإفساده من أجل زيادة ثرواتهم وتمتين عروشهم وترصيعها بالذهب، وإفقار الشعب وإتعاسه، وتوريث الأجيال الطالعة وطنا تفوح منه روائح الفساد والنتن، فقد تخطّاه الزمن، وينبغي تغييره، ولكن، لا أحد من الساسة يريد أو يجرؤ على التفكير بتغييره بنظام علماني، و/أو بتغيير نفسه نحو الأفضل.

               هل نُحَمِّل المسؤولين اللبنانيين مسؤولية مشاكل ومصائب الشعب اللبناني الاخلاقية والإقتصادية المتفاقمة بشكل مخيف؟ نعم. ونحمّل أيضا الشعب اللبناني هذه المسؤولية، لأنه لا يحسنُ اختيار ممثليه، ولا يهمّه أمر محاسبتهم، ويعيد انتخابهم كل أربع سنوات، لأنهم زعماء طوائفه وأقربائه بالدمّ والروح والمذهب والمصلحة والمال، مهما تجاهلوه وجلدوه وعذبوه وأفقروه واحتقروه وخانوه مع حكومات المال والقرار في الخارج. هذا أمر يتكرر منذ الإستقلال حتى اليوم.

               هل من حلّ لهذه المشكلة المزمنة؟ 
    
               يبدأ حلّ المشكلة بتوعية كل أفراد الشعب، صغارا وكبارا، على حقوقهم، أي حقوق الإنسان بحسب "شرعة حقوق الإنسان" التي بٌنِيَتْ على أساسها الأمم المتحدة، وبتوعيتهم، بنوع خاص، على واجباتهم تجاه المجتمع البشري الذي يكوّنونه، والذي يشمل كل الوطن لا طائفة واحدة. المشكلة هي، في الحقيقة، أخلاقية وفكرية. ثمة قلّة وعي في مجتمعنا، أو ربما إنعدام وعي، أو ربما أيضا رفض لهذا الوعي، فيما يتعلق باحترام حقوق الآخر ووجوده، واحترام قوانين السير والنظافة والضجيج والبناء، على سبيل المثال، وباحترام الذات الوطنية من خلال انتخاب ممثلين ذوي كفاءة في الحكم. فلنسمِّ خلق هذا الوعي "تربية مدنية وطنية". وإذا كان المثل القائل "العلم في الصغر كالنقش في الحجر" صحيحا، وإذا كان صحيحا بأننا شعب مثقف وواع وذكي ومهذب وصاحب لياقة ويحب وطنه كما نحب أن ندّعي، فلماذا لا يبدو على صغارنا حين يكبرون، من خلال تفكيرهم وسلوكهم في مجتمعنا الديمقراطي الطائفي، أن ثمة مبادىء أخلاقية قد أحسنَ نقشَها في نفوسهم معلمو التربية المدنية الوطنية في المدارس أو أهلهم في البيت؟ إن الأدلة على ذلك الواقع كثيرة، منها: التعصّب الديني المُبَطّن، روح التحدّي والإستعداد للخصام والقتال وحتى لاستعمال السلاح لأتفه الأسباب، عدم إحترام الآخر، خاصة المسنين، عدم إحترام قوانين السير وعدم التقيّد بها، السرعة الجنونية في قيادة السيارات، معاكسة وجهة السير، عدم إحترام المشاة، التسبب بحوادث قاتلة، عدم رمي النفايات في أماكنها المحددة لها، عدم الإستجابة لبعض مبادرات إعادة التدوير أو التصنيع (ولو بشكل محدود لا يشمل كل الوطن) والحفاظ على البيئة، تلويث الهواء والبحر والبرّ ومياه الشرب والأنهار، عدم الإهتمام بتجديد الحياة السياسية في الوطن وبوعيهم لها من خلال الإنخراط في العمل السياسي مع أحزاب أو تيارات غير طائفية تناسب ميولهم وطموحاتهم على مستوى وطنيّ... و سبحة الأدلّة طويلة جدا.

               الشباب هم، في الحقيقة، منذ صغرهم، ضحية لإهمال "الكبار". التربية، قبل كل شيء، ينبغي أن تكون واحدة، جيدة، ودائمة، وتركِّز، باستمرار، على محبة واحترام الإنسان وشريك الوطن ونشر السلام لا العنف، وعلى وعي الحقوق والواجبات المشتركة تجاهه وتجاه الساسة والوطن، من خلال دراسة معمقة ل"شرعة حقوق الإنسان"، من قبل مربين جدّيين وواعين، مربين يتوجب عليهم أن يكونوا هم أنفسهم القدوة الصالحة لتلاميذهم، لا أن يجيدوا فنّ التنظير والبلاغة وحسب. لعلّ كتب التربية عندنا تحتاج إلى إعادة نظر من ناحية التقليل والتخفيف من الحفظ الببغائي عن ظهر قلب (لإستحقاق علامة جيدة في الإمتحان فقط)، ومن النظريات القانونية والسياسية، ومن أساليب لغوية هي أقوى من قدرة الطلاب على الإستيعاب والفهم في أعمار معيّنة، ومن ناحية الإكثار من وقائع وأمثلة حياتية يومية سهلة الفهم والتطبيق. يُستحسن هنا أن يقوم المربون هم وتلامذتهم (بالإضافة إلى اطلاع التلامذة على ما تقوم به بعض حكومات الخارج من أجل خلق روح وطنية جامعة واحترام القانون والنظام في مجتمعاتها) برحلات عمل، إن صحّت التسمية، في أرض الوطن، يكتشف خلالها الشباب ما هو الخطأ وما هو الصواب، جراء مراقبة تحركات الناس على الطرقات، وفي سياراتهم، وفي الأماكن العامة، وفي المحلات التجارية الضخمة، وكيفية تعاطيهم مع بعضهم البعض، ومع البيئة.

               هذه بعض أفكار لعلّها تكون بداية حسنة في التربية المدنية. هذا أمر نتركه للمربين والأهل والدولة.

               أما السياسيون، فالمسؤولية الكبرى تقع عليهم أيضا، وبالدرجة الأولى، دون أدنى شك. إنهم، وهذا ليس بسرّ خاف على أحد، لا يطبقون القوانين لا على أنفسهم ولا على أتباعهم، ويكبّلون يد القضاء، ويعطلون المشاريع العمرانية والحيوية ويهملون واجباتهم في تأمين حاجات الشعب اللبناني وحقوقه من مياه وكهرباء وتعليم وعمل وطبابة وصحة وغذاء وبيئة غير ملوثة، ولا يحافظون على كرامته، ولا يعطونه، بمعظمهم، من خلال حياتهم وسلوكهم وأدائهم السياسيّ، المثالَ الصالح، الحيّ، الجاذب للشباب، في مجال الوعي والتفكير والفهم والصدق والأمانة والإخلاص والشهامة والأخلاق واحترام القوانين والدساتير. الشباب اللبناني يعيش دائما وسط أجواء فضائح الساسة المالية وخلافاتهم على تيجان القوة والسلطة والحكم والتحدي وإثبات الوجود، ووسط أجواء مفردات سلبية، غير مفرحة، يتداولها الإعلام من وحي الواقع السياسي (عدا عن الكمية الهائلة لمفردات التهكم والسخرية والإحتقار والشتائم التي يتبادلها أتباع الساسة المتخاصمين على مواقع التواصل الإجتماعي)، مفردات مزدهرة جدا، هذه بعضها: الكذب، الكيدية، الطمع، الرشوة، السرقة، "الواسطة"، الصفقات، العمولات، "البلطجة"، إفلاس الدولة، الدين العام، الإستدانة، الهدر، الضرائب، الرسوم، غلاء المعيشة، على الشعب الفقير أن يضحّي، رواتب الساسة وتعويضاتهم ومخصصاتهم وثرواتهم الخيالية، وحياتهم المترفة، التلوّث، الأمراض، التوطين، صفقة القرن، حرب عالمية، حصص الحكم، الفساد، محاسبة الفاسدين، الأحجام والأوزان و"الحيثيّات" الشعبية، المصلحة الوطنية "العليا"، إلخ...

               لا بدّ، هنا، من طرح بعض الأسئلة، لعلنا نتلمّس دربنا في ليلنا الضبابي، وننير، قدر المستطاع، هذا الدرب، ونحيي في قلوبنا نور الأمل والإيمان بمستقبل أفضل:   
    
               من يعلِّم الشباب، يا ترى، كيف يختارون جيدا ممثليهم في الحكم، ونادرة جدا هي المثالات الصالحة التي تستحق بأن يُحتذى بها، وتستحق الإختيار؟

               هل يتعلم الشباب شيئا أفضل مما تلقنوه في بيئتهم العائلية والدينية والمذهبية والطائفية؟ هل يستبدلون لغة الكبرياء والتحدي والعنف بلغة التواضع والليونة والحوار؟

               هل هم موجودون المربون المدنيون المسؤولون عن التربية المدنية للشباب، وهل تربّوا هم أنفسهم تربية جيدة ليستحقوا أن يصبحوا بدورهم مُرَبِّين؟

               هل يقبل ويتقبّل الشباب اللبنانيون، بطيبة خاطر وطواعيّة، أية تربية وطنية شاملة، جامعة، رغم ارتباطهم ببيئتهم الطائفية إرتباطا وثيقا؟

               هل يستطيعون أن يوفِّقوا بين حبّ الوطن والإخلاص له، كما تُعَلِّم التربية المدنية، وبين ارتمائهم في أحضان زعماء طوائفهم، وارتماء زعماء طوائفهم في أحضان حكومات الخارج حيث المال والقوة والعظمة؟ وإلى أي حدّ؟

               هل يمكن للتربية المدنية، في عصر العولمة الطاغية، أن تحمي الشباب من سطوة الأفكار السياسية الجديدة، المبنية على فلسفة العنف وتطبيقها، عمليا، من قبل الدول القوية والغنيّة، من أجل خلق "شرق أوسط جديد" ضمن مشروع "نظام عالمي جديد" يكون خاضعا لسيطرتها، وأن تحميهم من سطوة جنون الموسيقى الصاخبة، والإدمان على الهواتف الخليوية، والحواسيب، وأفلام العنف والإباحية، وتعاطي المخدرات وعبادة الشيطان والإنتحار؟

               هل يُجْبِرُ الشبابُ أنفسَهُم أن يعيشوا إزدواجية في الشخصية، كي ينسجموا قدر المستطاع مع بيئة طائفية أخرى، دون أن يغيظوا بيئتهم السياسية والطائفية الأصلية، أو أن يهاجروا إلى بلاد الغرب ليعيشوا فيها بحرية وبدون عقد نفسية واجتماعية وسياسية؟

              في الحقيقة، ثمة صعوبة كبيرة تكمن في تطبيق مبادىء التربية المدنية الوطنية في المجالَيْن السياسي والأخلاقي. يجد الشباب، مثلا، صعوبة فائقة في الإنخراط في الحركات السياسية من أحزاب وتيارات مستقلة، لا تصطبغ بصبغتهم الطائفية والمذهبية والدينية، مهما انفتحوا على آراء وأفكار علمانية. هذه طبيعة تكوين شعب لبنان، وقليلون جدا هم المتحررون من سطوة التعصب للعائلة والطائفة والمذهب والدين. كما أنهم يجدون صعوبة في احترام الشخص الآخر بصدق، واحترام البيئة والمحافظة عليها، واحترام القوانين على أنواعها وعدم محاولة كسرها.

               كيف يتم إقناع الشباب بنظام حكم جديد مثلا، يقيهم شرَّ الضياع واليأس والهجرة وهجمات الإرهابيّن، ويكفل لهم مستقبلا أفضل في وطنهم، ويقي الشعب اللبناني تجدُّدَ النزاعات بين ما نحب أن نسميهم عائلاته الروحية؟ هل ذلك ممكن؟ هل يصدِّق الشباب من كل الطوائف مشروعا لم يتعرفوا عليه بعد، ولم يناقشوه، ولم يتوافقوا عليه، ولم تتبناه نخب الطوائف، أو معظمها على الأقل، في وطن التوافق والحوار؟

               إذا قدرنا على إقناع الشباب بالحوار والمناقشات، ماذا بعد ذلك؟

               "إذا" الشَرطيّة كلمة صغيرة جدا، ونستعملها بكثرة. ولكنها كبيرة جدا، أي أنها تفترض شرطا سهل التحقيق أو صعبَه أو مستحيلَهُ. إنها تهوِّن الأمور للحظات قليلة، وتحلّها في ذهننا وخيالنا. غير أنها تشكل حافزا قويا لأصحاب الإرادات الطيبة للعمل الدؤوب من أجل تحقيق رؤيا مستقبلية تبدو مستحيلة، والإنتقال من عالم الحلم والخيال إلى عالم الواقع.

               نحن، في لبنان، أمام خيارين لا ثالث لهما: أن نكون أو لا نكون. وعلينا اليوم، رغم كل الصعوبات والمخاطر، أن نبدأ في مكان ما مغامرتنا الشاقة والطويلة نحو تحقيق وحدة الشعب اللبناني بكل تنوعه وتناقضاته. ليس من مكان أفضل من التلاقي والحوار حول موضوع التربية المدنية المُوَحَّدَة المُبَسَّطَة، وموضوع تجديد وتحديد أسس الحكم العادل الخالية من أي خلل، والتي تراعي التوازن في السلطة بين جميع الطوائف، وتكفل المحافظة عليه ضدّ التفسيرات الخاطئة التي يجيد السياسيون اللبنانيون تلوينَها بألوان أمزجتهم ومصالحهم، وضدّ الإستغلال من قبل أي فريق.

               بين الحياة والموت، وبين الكرامة والعار، هل نختار الموت والعار؟ طبعا، لا. إذا كنا شعبا يحبّ حقا الحياة الكريمة، فعلينا أن نحاول المستحيل من أجل الخلاص من وضعنا المأساوي كوطن منقسم على ذاته، وكوطن مُستضعَف ومُستَهدَف دائما من قوى خارجية غير صادقة وغير صديقة، بسبب لعبة أحصنة طروادة لحكومات الخارج، التي يجيدها ويعشقها الكثيرون من زعماء الطوائف وأصحاب المال والمصارف، ومن أجل أن نحقق، قدر الإمكان، القدْرَ الأكبر الممكن من الشروط المتوفرة لتحقيق النجاح في أصعب مهمّة، ألا وهي التربية المدنيّة الصحيحة، التي ينتج عنها، حتما، مجتمع راق، ونظام ديمقراطيّ سليم يؤمّن، إذا أحسن الشعب والسياسيون تطبيقه، الإستقرار والإزدهار والسعادة للشعب اللبناني الطيّب، المعذب والمظلوم من سياسيّيه بالذات.

               ولا بدّ أن ينضج الشعب اللبناني بكل طوائفه، أفرادا ونخبا (ولعله يسبق قادته في عملية النضوج هذه المرفوضة من قبلهم)، أجل، لا بدّ للشعب أن ينضج في مستقبل نتمنى ألّا يكون بعيدا، وأن يسعى إلى اختيار وتحقيق نظام علمانيّ ديمقراطي، يحرّره من كل عقد الطائفية ومشاكلها ومصائبها (التي يعشقها الزعماء، ويطيلون بعمرها ليفرّقوا فيسودوا ويحكموا ويتحكموا ويقتنصوا فُرَصَ الإثراء السريع)، ويتيح له فرصة العمر من أجل النموّ والتطوّر والإزدهار.

               فلنبدأ معا، نُخَبا وشعبا وسياسيّين، من "إذا" الشرطيّة إلى الواقع الملموس، بصنع المعجزة. إن الجميع مدعوّون إلى أن يكونوا فعلة صالحين في حقل التربية والخير والحق والفضيلة والجمال. إن الجميع مدعوّون إلى المشاركة في تعب زرع البذور الجيدة في تربة النفوس الجيدة، وفي الفرح الموعود بأعياد مواسم الحصاد.

               نحن، دائما، في لبنان، نواجه رهانات مصيرية كثيرة، نتردد في أخذها، لأننا متفرقون. أعظم رهان أمامنا اليوم هو رهان أن نتوحد ونبقى أحياءا نرزق ونحتفظ بكرامتنا ونحمي وجودنا وإنجازاتنا، في زمن تحاول فيه قوى الكبرياء والموت والإفناء محونا من الوجود أو إستعبادنا. نحن نعرف جيدا ما هو واجبنا، شعبا وسياسيين. واجبنا هو أن نراهن، معا، بشجاعة، على أن يبقى وطننا لبنان واحدا موحّدا، قويا، حرا، سيدا، مستقلا، مزدهرا.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه