لا تجري الرياح في المنطقة العربية هذه الأيام بما تشتهي سفن الإمارات العربية المتحدة. البلد الثري والمتواضع من حيث المساحة صار لاعباً أساسياً في أكثر من موقع في الدول العربية. في اليمن أعلنت الإمارات عن انسحابها من المشهد أو –كما أعلنت رسمياً- إعادة تموضع قواتها. وفي ليبيا ما زال خليفة حفتر المدعوم من قبل الإمارات يراوح على أبواب العاصمة الليبية. وفي السودان ما زالت راية المتظاهرين ترفرف في وجه حلفاء الإمارات من العسكر.

هذه الأزمات وربما غيرها أيضاً طالت أكثر مما كان يتوقع أصحاب القرار في أبو ظبي عندما قرروا التدخل فيها. والآن ازدادت التكاليف المرتبطة بهذه التدخلات، كما تدفع الإمارات ثمناً سياسياً أيضاً: حيث يرتفع على الصعيد الداخلي ما يعرف بـ "القمع المالي" المرتبط بسعر الفائدة وسط تراجع شعبية الإمارات على الصعيد الدولي.

كانت احد أكثر المجتمعات العربية ليبرالية

كانت الإمارات ولفترة طويلة عقب تأسيسها عام 1971 المكان الذي كان يحلم الكثيرون – من منطقة الشرق الأوسط ومن خارجها - بالعيش فيه، فهو البلد الذي وجد كل شخص في عهد مؤسسه الشيخ زايد فرصته، التي لم تُتاح له في بلده الأصلي. وكان المجتمع هو الأكثر ليبرالية، وكان الحفاظ على التوازن السمة المهيمنة، داخلياً وخارجياً. أما اليوم فتريد الإمارات تحت القيادة الجديدة وعلى رأسها محمد بن زايد أن تصبح أشبه بشرطي في المنطقة العربية. وفي الداخل صار القمع هو الصبغة التي حلت محل الانفتاح السابق.

ثلاثة عوامل كان لها الأثر الأكبر في هذه التغيرات البطيئة عبر العقود الماضية. أول تهديد وجودي أحس به حكام الإمارات جاء إثر الغزو العراقي للكويت. فبدأت الإمارات بإيلاء التسلح اهتماماً خاصاً، تزامن ذلك مع صعود محمد بن زايد صاحب الخلفية العسكرية والذي تخرج عام 1979 من أكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية في المملكة المتحدة، ليصبح ولي عهد أبو ظبي ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة في الإمارات. ثانياً، بدأت ملاحقة الإخوان المسلمين الذين كان مسكوتاً عنهم فترة طويلة خاصة بعد النجاحات التي حققتها الجماعة في برلمانات الكويت والبحرين. وأخيراً كان سقوط أنظمة حليفة في المنطقة عقب ما عُرف بـ "الربيع العربي" في عام 2011.

النتيجة الأولى تمثلت في ظهور الإمارات العربية المتحدة إلى جانب المملكة العربية السعودية كشرطي في المنطقة والمسؤول عن بقاء الحال على ما هو عليه. وأصبحت الدولتان بإمكانياتهما العسكرية والمالية الضخمة قائدتين للثورات المضادة. أحد الأهداف كان الحيلولة دون تنظيم انتخابات، كذلك كان من الأهداف القضاء على الحركات الإسلامية التي كان من الممكن أن تفوز في انتخابات حرة. والعمل على رفع مستوى التسلح خاصة بفضل الأسلحة من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا كان له الفضل في تقديم الإمارات كجبهة قوية في الأزمة مع إيران.

عندما يكون الطموح أكبر من الإمكانيات

كانت طموحات الإمارات أكبر من قدراتها ومواردها بكثير، ففي اليمن كان الهدف الرئيسي من التدخل هو طرد جماعة أنصار الله الحوثية الموالية لإيران وتقطيع أوصال جماعة الإخوان المسلمين. لكن الإمارات اضطرت في نهاية المطاف إلى التراجع عن هذا النهج. خاصة مع ازدياد نظرة الازدراء إليها كقوة احتلال. فاضطرت هذه الأخيرة إلى تبني استراتيجية جديدة ربما يسهل معها السيطرة على الموقف فصارت تسوق لانفصال الجنوب، مستغلة بذلك ميليشيات يمنية مناصرة لهم.

كان للإمارات الدور الأكبر في الحصار المفروض على قطر. لكنه أيضا فشل وانقلب على قطر قوة داخلية وخارجية ولم ينل من الحدث المرتقب في عام 2022 والمتمثل في تنظيم بطولة العالم لكرة القدم.

مليارات الدولارات التي ضختها الإمارات إلى مصر بهدف تثبيت دعائم الحكم لنظام السيسي هناك، ما زالت لم تأت أكلها بعد. فالنظام لم يتمكن من إيجاد فرص عمل مستدامة للمصريين الذين يزداد عددهم بمليونين ونصف المليون نسمة كل عام. علاوة على القمع والاضطهاد المتزايدين في مصر.

ثنائي يفقد بريقه

الأزمات في اليمن وليبيا والسودان ومصر وقطر هي الأهم التي تضطلع فيها الإمارات بدور محوري. لكن الخطر الفعلي سيكون في حال ارتداد الفشل في دولة منها أو أكثر على قادة أبو ظبي.

محمد بن زايد لا يزال ممسكاً بزمام الأمور بقوة، ويشكّل اليوم مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الثنائي الذي يقود العالم العربي. لكن حتى محمد بن سلمان نفسه يبدو اليوم وقد فقد بريقه، فهو الذي كان له الدور الأكبر في إشعال فتيل الحرب في اليمن. تلك الحرب التي تحولت إلى أكبر كارثة إنسانية في العصر الحديث. هذا بالإضافة إلى الجريمة البشعة التي أودت بحياة الصحفي السعودي جمال خاشقجي والتي لا تزال أصابع الاتهام فيها تشير إلى محمد بن سلمان. الخروقات التي تشهدها السعودية في مجال حقوق الإنسان كلها ترتبط بشكل أو بآخر بمحمد بن سلمان.

لم تعد الإمارات ذلك البلد الذي كان يُضرب فيه المثل. فقد أصبح الشغل الشاغل لقادة البلد الوقوف في وجه تغيير فات أوانه في الدول العربية. وهو الأمر الذي سترتد نتائجه في وقت ما على منفذه.

 

 

 

 

المصدر: راينر هيرمان