ما يحدث في لبنان وبالتحديد في جبل لبنان ليس غريباً ولا جديداً على تاريخه وسيرته منذ مئتي سنة.

— لمحة عن تاريخ الصراع في جبل لبنان الشوفي 1820-2019:

في العام  1820 واثناء حكم الأمير بشير الشهابي الماروني لجبل لبنان قامت ثورات شعبية ضدّه احتجاجاً على سياسته الضرائبية التي تسببت بمعارك خاضها الأمير في جبيل وكسروان، بعد سنة واحدة دعم الأمير والي عكّا ضد والي دمشق فأرسل العثمانيون جيشهم إلى جبل لبنان لتأديبه فاضطر للهرب إلى مصر ، وأثناء غيابه دعم الزعيم بشير جنبلاط الدرزي أحد أقرباء الأمير من الشهابيين بهدف الإبقاء على الإمارة الشهابية، إلى أن عاد الأمير بشير من منفاه بدعم من زعيم الجنبلاطيين،ولكنه وأثناء استقباله استاء من اتسّاع النفوذ الجنبلاطي في الجبل وتولّد لدى الأمير شعور بالحقد لدرجة التنافس مع بشير جنبلاط على من يتقدّم الآخر في السير على حصانه  بعد الإستقبال، ورفض  دعوته إلى قصر المختارة وتوجّه إلى قصر بيت الدين ،في بيت الدين حصل الإفتراق بين البشيرين حيث توجّه الأمير بشير الشهابي إلى بشير جنبلاط قائلاً :

" إنّ الجبل لا يتّسعْ لبشيرين ". وبالرغم من وقوف عدد من الأمراء الشهابيين إلى جانب بشير جنبلاط وإعتبارهم أن الأمير بشير طعنه في الظهر ولم يحفظ له دوره في الحفاظ على الإمارة الشهابية أثناء غيابه في مصر  ودعمه لعودته ، إلاّ أن ذلك لم يمنع من وقوع المعركة بين "البشيرين "التي سرعان  ما اندلعت وإنتهت بهزيمة بشير جنبلاط ووقوعه في الأسر  وإرساله إلى عكّا حيث أُعدِم بضغط من الأمير بشير الشهابي.

عمد الأمير الشهابي بعدها إلى إثارة الخلافات والصراعات القيسية اليمنية واليزبكية الجنبلاطية بين الدروز ونجح في شقّ صفوفهم وقام باضطهاد قسم منهم ومصادرة ممتلكاتهم،فحدثت حركات تمرّد واسعة وحروب بين الموارنة والدروز كان أهمها التي وقعت عام 1840 والتي انتهت بنشوء نظام "القائمقاميتين"وإنهاء حكم الشهابيين. 

— فتنة 1860:

تجدّد الخلاف الماروني الدرزي عام 1860 ووقعت معارك دامية في جبل لبنان  ودعم الإنكليز الدروز وأمدوهم بالسلاح والمال كما دعم الفرنسيون الموارنة وأمدوهم بالمال والسلاح وتدخّل جميع قناصل الدول الكبرى داعمين طرف ضد الآخر  انتهت المعارك  بإنشاء نظام "المتصرفية" الذي انتهى بدوره مع دخول الحلفاء إلى لبنان مع نهايات الحرب العالمية الأولى عام 1918وفرضهم نظام الإنتداب .

لكن الصراع لم ينته ، ففي ثورة العام 1958 ضد رئيس الجمهورية الماروني كميل شمعون حاصر أنصار الزعيم الدرزي حينها " كمال جنبلاط" سرايا بلدة"دير القمر "ذات الثقل الماروني في الجبل وتدخّل الجيش اللبناني بطلب من "فؤاد شهاب" وفك الحصار  عنها  وأنهى الصراع سلميّاً الأمر الذي أثار حفيظة الموارنة الذين كانوا يرغبون بحل الأزمة عسكريّاً .

—الشوف خلال الحرب الأهلية :

مع نشوب الحرب الأهلية  عام 1975 حدث توافق ضمني بين الزعيم الماروني كميل شمعون ابن بلدة دير القمر و كمال جنبلاط على تحييد الجبل عن الصراع الدائر ، ولكن بعد اغتيال الزعيم كمال جنبلاط عام 1976  حدثت مجازر في الجبل الشوفي وتمّ تهجير الموارنة منه ، وعام 1984 حاصر أنصار وليد جنبلاط مجموعات القوات اللبنانية التي تحصّنت في دير القمر  وانتهى الحصار  بصفقة أدّت إلى إخراجهم بمقابل عدم الهجوم على البلدة.

وهكذا فإن جبل لبنان مثَلُه مثل جميع محافظات لبنان يتنازع النفوذ فيها أمراء  الإقطاع السياسي الذين تمّ تنصيبهم من قبل الخارج غرباً وشرقاً ، بعضُهم توارث الزعامة في طائفته "أباً عن جَدّْ"كما توارث السلطة وكلّ ذلك بدعم من القناصل والسفراء ودولهم،والبعض الآخر حديث النعمة في الزعامة ويسعى لتكريس نفسه وليّاً لأمر طائفته المقسومة على ذاتها والمتعدّدة الولاءات بين الزعماء "المتصارعون "داخل كل طائفة والذين بدورهم يدينون بالولاء لزعامات من خارج طوائفهم.

وهكذا تعدّدت القائمقاميات والمتصرفيات التي يتوسّع نفوذها أو يتقلّص حسب قوّة ونفوذ الزعيم ليس داخل الطائفة فقط وإنّما بمقدار الدعم الخارجي له من باقي الزعامات الطائفية كما من سفراء الدول .

ولذا نجد المتصرفيّات والقائمقاميات مُتداخلة فيما بينها فبعد أن كان جبل لبنان ينقسم إلى قائمقاميتين شماليّة وجنوبية يفصل بينهما خط شبه مستقيم هو طريق "ظهر البيدر" المعروف ب:"طريق الشام" أضحى اليوم هذا الخطّ مُتعرّجاً متكسّراً ، بحيث من السهل قطع أوصال تلك المتصرفية من قبل أنصار الزعيم في أي وقت يقع فيه حادث بين أولئك الأنصار "الموزّعون والمتداخلون " في غالبية القرى والمدن كما  حصل ويحصل منذ سنوات ، خاصّةً عندما يُحاول أيّ من الزعماء بسط نفوذه أو أن يلعب في ميدان زعيم آخر، فتقوم قيامة الآخر وينفخ في بوق الفتنة صارخاً:" يا غيرة الدِّين" ويُلبي أنصاره النّداء ويتساقط القتلى والجرحى وتُثكل الأمهات وتترمّل النّساء ويتيتّم الأبناء،كُلُّ ذلك فداءً لعيون الزعيم ، والأنكى من جميع ذلك أن البلد بأكمله يُصبِح كم يُقال على"كفّ عفريت" دافعاً ثمن رُعونة بعض المتزعِّين فيتوقف عمل المؤسسات الدستورية ويتهاوى الإقتصاد ويُجمّد كل شيء على درجة حرارة أفران الحقد والبغضاء،

فما هَمّ فالقطيع  جاهز للتضحية مهما كلّف الأمر لأن الأهم هو أن لا تنكسر كلمة "الزعيم".

     

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه