جلستْ بسمة أمام مرآتها وقربت وجهها منها كثيراً، تناولت قلم "روج" زهري اللون، وبدأت ترسم شعراً افتراضياً على المرآة بعد أنْ تساقطت خُصل شعرها الواحدة تلو الأخرى، برفق أخذت تتحسس رأسها لكنها لا تشعر بشيء، فقط الدموع تبلل وجنتيها، ووجع عميق يفترس نعاسها، لكنها لا زالت تقاوم بكل ما استطاعت من أدوات فرح وسعادة.

 إنه "الكيماوي" من يخلع الشعر من بصيلاته في الجسم، لكن لا مهرب لمريض السرطان من العلاج الذي يكاد يفتت الجسم، لكن بسمة التي تشعر بآلام كبيرة تثق بقدرتها على مواجهة ذلك "الوحش" الذي نهش ضفائرها الشقراء.

بسمة التي تتشبث بحبال الأمل المتينة تلقت اتصالاً هاتفياً من سيدة غزية لتخبرها بأنَّ بإمكانها أن تحصل على "باروكة" بضفائر طبيعية، سريعاً لمعت عيون بسمة من الفرح، حتى سالت دموعها المالحة إلى جرح في شفتيها نتيجة "السرطان" الذي تكافحه منذ سنوات متسلحةً بالأمل على الرغم من الألم.

مجموعة فتيات من غزة، اتخذن قراراً بمساعدة غيرهن من النساء المُصابات بمرض السرطان، ولكن على طريقتهن الخاصة، وذلك بالتبرع بضفائرهن للمصابات بديلاً عن خصلاتهن اللاتي تساقطن الواحدة تلو الأخرى أثناء مكافحتهن للمرض منذ سنوات.

الشابة نوهان المدهون، لم تتردد في الجلوس على كرسي "الكوافير" لحظة، بل كانت تغمرها فرحةً عارمةً كلما اقترب المقص من ضفيراتها، إذ أن الوقت قد حان، بعد إطالة شعرها على مدار سنوات، أن تقوم بقصه، والتبرع به لأخرى، تحتاجه أكثر منها، تلك الحالة التي لا تنبري أن تنتهي منها فتاة، حتى تلحق بها أخرى، لتعطي بذلك دافعاً أكبر للواتي يسعين لمساعدة مرضى السرطان ولكنهن لا يعرفن الطريق.

"نورهان" التي تعمل صحفية اهتدت إلى تلك المبادرة عندما التقت مديرة مشغل للأعمال اليدوية والتي أخبرتها على هامش مقابلة صحفية عن طفلة مريضة بالسرطان بحاجةٍ إلى "باروكة" من الشعر الطبيعي.

زاد فضول نورهان للتعرف على تفاصيل القصة عندما علمت أن والدة الطفلة وشقيقاتها تبرعن لأختهن بشعورهن، لكن الأمر بحاجة إلى ضفيرة أخيرة كي يكتمل حلم تلك الطفلة، فما كان من نورهان إلا أن استجابت لنداء تلك الطفلة، فسارعت إلى "الكوافير" لقص شعرها، وتقديمه هدية لتلك الطفلة التي فرحت به بطريقة عوضتها آلام السرطان المزعج.

لم تكن نورهان وحدها التي تمتلك قلباً كبيراً، بل إن نساء أخريات كن قد تبرعن بضفائرهنَّ لمريضات السرطان، بل وكتبت سيدة على إحدى صفحات التواصل الاجتماعي عن تجربتها حينما طرقت باب أحد صالونات الحلاقة وعرضت عليها صاحبته التبرع بشعرها بدلاً من التخلص منه، فوافقت على الفور وشعرت أنها ساهمت بإسعاد مريضة، وشجعت المتابعات على ذلك فجميعهن تفاعلن وأصبحن يسألن عن المكان الذي يمكنه التبرع به للمريضات.

صالون "أنسام وأشجان" واحد من صالونات التجميل النسائية التي تتبرع صاحبته بشعر الزبائن بعد أخذ موافقتهن للمؤسسات التي تعنى بصناعة الشعر المستعار لمريضات السرطان.

تقول أشجان أبو هاشم: "منذ عامين نعرض على الزبائن التبرع بالشعر بدلاً من رميه (..) ووجدنا إقبالاً لدرجة أن أخريات يأتين بعد فترة بعد تطويل شعرهن وقصه للتبرع به"، مضيفة: "مجرد أن انتشرت الفكرة، أصبحن يأتين من حين لآخر من مختلف الأعمار للتبرع".

وسردت أبو هاشم حكاية وقعت قبل شهور قليلة لطفلة لم تتجاوز العشرة أعوام جاءت بصحبة والدتها لقص شعرها والتبرع به، فما كان من صاحبة صالون التجميل إلا أن وافقت على الفور وقصته لها بالمجان تشجيعاً لها.

وبررت الطفلة قص شعرها وقتئذ أنها تريد إسعاد طفلة صغيرة فقدت شعرها ويكون لها شعر طبيعي بدلاً من الاصطناعي الذي يصعب على المريضات تقبله لاسيما الأطفال.

وتعود أبو هاشم للقول بأنه لا يوجد شرط للتبرع بالشعر فمنهن لها شعر ناعم وأخرى خشن والجميع يأخذ من شعره للتبرع به، وبذلك يوفر على المريضة الحصول على باروكة من شعر طبيعي سعرها يبلغ حوالي ألف دولار.

الشابة بسمة حسن (32 عاماً) إحدى النساء اللواتي حصلنَّ على ضفائر من المتبرعين (باروكة طبيعية)، قالت "في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة لم أستطع شراء الباروكة؛ لاسيما أنَّ ثمنها قد يصل إلى (3500 شيكل) 1000 دولار أمريكي، بالإضافة إلى أنها تبدو غير طبيعية وهو أمر مزعج".

وتضيف "عندما تساقط شعري على إثر جرعات الكيماوي، شعرت أنني محطمة من الناحية النفسية (..) هل يعقل أنْ أصبح بلا شعرٍ؟! وقد كنت أتباهى بجمال شعري أمام عائلتي وأقراني، وللأسف المجتمع لديه نظرات غير بريئة للمرضى، وهو أمر مؤلم، فحاولت شراء باروكة لكن الظروف الاقتصادية حالت دون ذلك".

ومضت قائلة وهي تتحسس "باروكتها" من فوق منديلها المزركش:"عندما حصلتُ على الباروكة شعرت أنني لم أصبح مريضة سرطان، وعادت ثقتي بنفسي فيما يتعلق بجمالي، الأمر الذي انعكس على صحتي من جميع النواحي"، مستدركةً "صحيح أن الضفائر أمر بسيط للغاية لكن ذلك يعني لنا الكثير وبيت الشعر يقول لا يؤلم الجرح إلا من به ألم".

وذكرت الشابة حسن، أنَّ الحل لبعض المشاكل النفسية التي تعاني منها المريضات بالسرطان، يكون من خلال تنظيم مبادرات الدعم النفسي والاقتصادي لهن مثل حملات توفير الجدائل والضفائر لصنع "الباروكة" المكلفة جداً في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة.

ورغم ارتفاع عدد المصابات بالسرطان في قطاع غزة، إلا أنهن بحاجة لدعم نفسي بأبسط الإمكانيات لاسيما وغالبيتهن لا تتقبل وضعها الصحي بسبب معاملة الزوج الذي ينبذ زوجته بسبب تساقط الشعر.

وتجدر الإشارة إلى أن وزارة الصحة في قطاع غزة رصدت إصابة 608 أطفال بالمرض، بواقع 7% من إجمالي عدد الإصابات بالسرطان، فيما وصل عدد النساء المصابات بالمرض إلى 4705 سيدات بنسبة 55.3% من إجمالي الحالات..