إن الحوار، في النظام الديمقراطي المثالي، بين الشعب وساسته، وبين ساسته أنفسهم المتنافسين على السلطة والحكم من أجل خدمة الشعب وإدارة شؤونه بحكمة ودراية وإخلاص، ينبغي أن يتم بشكل طبيعي، دوريّ، دون أن يشكل أية مشكلة لأي طرف. الشعب، بكل شرائحه وأحزابه وميوله السياسية والعقائدية، ينتخب ممثليه في الحكم ليعكسوا ويجسدوا تكوينه المتنوّع وبنيته الإجتماعية الخاصة، ويعطيهم وكالة عنه تخوّلهم النطق بإسمه والعمل، معا، من خلال فريق "موالاة" يحكم، وفريق "معارضة" يراقب وينتقد، من أجل خدمة الشعب وازدهاره وحمايته وإسعاده. من واجب ممثليه في الحكم أن يعودوا باستمرار إليه ليؤدوا حسابهم عن الوزنات التي أعطاهم إياها، ويستمعوا إلى آرائه واقتراحاته وشكاويه، من خلال حوار مثمر يؤدّي إلى المزيد من الثقة والإحترام المتبادلَين، وإلى مزيد من العمل المنتج والإزدهار.

               إن كلمة "حوار" تعني تبادل الآراء والنقاش والجدال بين طرفين أو أكثر، ومقاربة موضوع أو محور الحوار في حركة أخذ وعطاء رصينة، وكرّ وفرّ هادئة، بين المتحاورين المختلفين أو المتخاصمين، لتقريب وجهات النظر قدر الإمكان، وتحقيق تفاهم مقبول حول موضوع الخلاف. ويأخذ الحوار أهمية خاصة حين يكون مصير وطن بكامله مرتبطا بفشل الحوار أو بنجاحه بين أبنائه من قادة ونخب فكرية.

               لا شك أن الحوار هو من أسمى نشاطات الإنسان الفكرية على الإطلاق، كوسيلة راقية للتواصل الإنساني البنّاء. يستطيع الإنسان وحده، دون سائر المخلوقات، أن يمارس ذلك النشاط، لكونه، كما هو معروف، وكما وصفه علماء الإجتماع والفلسفة، حيوان إجتماعي، ناطق، عاقل. الحوار هو نقاش مركّز وبحث رصين وصادق حول موضوع محوريّ أي أساسيّ، بين أطراف يملكون النية الطيبة، والقدرة على التفكير الواضح والناضج، والتعبير البليغ والمهذّب، من أجل إيصال صوتهم وفكرتهم إلى آذان وأذهان الطرف الآخر، كما ينبغي أن يملكوا أيضا القدرة والصبر على الإصغاء وتلقي الصوت والفكرة من جهة الطرف الآخر. إذًا، الحوار هو لقاء وتفاعل بين العقول، بعيدا عن الغرائز والأهواء، له آدابه وقواعده وأصوله، من وعي عميق لموضوع البحث، وإحترام متبادَل بين المتحاورين، ونوايا صافية، وإرادة حسنة، وتواضع، وصدق. وهو يحصل بين أناس مختلفين على أمور معينة يحاولون جهدهم التوصّل إلى تفاهم ما واتفاق ما حولها، يرضي جميع الأطراف المتحاورة. وهو، بهذا المعنى، يُسَمَّى بالحوار الهادف لا المخادع والعبثيّ، الذي يتخطى مجرد عملية تجاذب أطراف الحديث، والتذاكي، والباطنية، أو الضحك والتبسّم والترفيه والتسلية والأكل والشرب وتمضية الوقت.
 
               منذ الإستقلال حتى اليوم، والزعماء اللبنانيون يختلفون ويتحاورون باستمرار حول مفهوم الوطن والقومية والحضارة والديمقراطية والطائفية والعلمانية، وحول حقوق وصلاحيات كل طائفة وكل زعيم طائفة، وحول السلطة والقوانين والدستور وتقاسم حصص الحكم من رأس الهرم حتى قاعدته (كلمة "حوار" لم تُستعمَل في أي بلد في العالم، كما استُعمِلَت وما زالت تُستَعمَل، حتى الساعة، في لبنان). لقد مرّ اللبنانيون مرارا، بأزمات حكم حادة جدا ونزاعات دموية بين أتباعهم (الوقود الجاهزة دائما لإشعال النزاعات) كادت أن تطيح بوجودهم جميعا، وبوجود وطن يتغنون به، إسمه "لبنان". لكل طائفة شهداؤها في حربها ضدّ الطوائف الأخرى. عدد شهداء حرب الطوائف يفوق عدد شهداء الوطن.

               المؤلم أن معظم اللبنانيين، شعبا وساسة، لم يتعلموا شيئا من كل المآسي وكل أزمنة الحداد والأحزان الطويلة التي مرّت عليهم وعانوا منها الأمرَّيْن. إن أسباب الخلافات هي ذاتها، اليوم، مع ازدياد في حدّيتها. الحوارات هي ذاتها في عبثيتها وعقمها. النتائج هي ذاتها: لا اتفاقَ نهائيا على شيء، وتأجيج مستمرّ للمشاكل الإجتماعية والسياسية، وتأجيل للحلول الجذرية، والساسة يغدقون على الشعب بالوعود والتطمينات بمستقبل أفضل، ويصمّون آذانهم وبصائرهم عن مطالبه وحقوقه، والشعب يتذمّر ويصرخ ويهدّد في الإعلام والشارع، ثم يغضّ النظر ويسكت، وينسى، أو بالأحرى، يتناسى، ويجترّ حزنه وألمه وقهره، ويجترّ غضبه وحقده على الساسة، وعلى نفسه العاجزة، الكسيحة، إلى أن يحين موعد آخر مع ثورة جديدة، تُجهَض قبل أن تولد. 
  
               إن الحوار يحصل بين الساسة اللبنانيين المتربعين على عروش الحكم، بشكل متقطِّع، من وقت إلى آخر، وكلما مرّ هؤلاء الساسة بأزمة نفوذ تعطّل الحكم وتوتّر أعصاب الشعب الذي يصطفّ بسرعة وراء زعمائه (بإستثناء الأكثرية الصامتة، غير المبالية، غير الفاعلة، والتي لم تأبه للمشاركة في الإنتخابات الأخيرة حتى بورقة بيضاء)، بسبب خلافات وتناطح على تقاسم حصص الحكم وحول الأحجام والأوزان الشعبية والطائفية والسياسية والمصلحة الخاصة لكل زعيم، خلافات مُقنَّعة، كالمعتاد، بقناع المصلحة الوطنية العليا. إن الحوار بين المسؤولين عن مصير الشعب، ينبغي أن يتّسم بأهميّة كبرى، وبجدّية لا تتحمّل المزاح والخفّة. غير أنه يبقى حوارا مفتعلا ككل أزمات الحكم المفتعلة التي تؤجّج نيرانها بعض حكومات الخارج المعروفة والتي يحبّذها الساسة بشدة، كسبا للجاه والعظمة والمال (أزمة إنتخاب النواب ورئيسَي المجلس النيابي والجمهورية، وتكليف رئيس وزراء، وتأليف حكومة منسجمة فعّالة)، ويبقى حوارا بين صُمّ وعميان. إنه لا يؤدّي إلى حيث ينبغي أن يؤدّي، أي إلى التفاهم الدائم على تحقيق مصلحة الشعب أولا وأخيرا. والبرهان على ذلك أن وضع الشعب اللبناني النفسي والسياسي والإجتماعي والإقتصادي يزداد سوءا مع كل مجلس نيابي جديد وكل مشتقاته، منذ إتفاق الطائف حتى اليوم.

               إن الشعب، وهو في ذروة لامبالاته وقرفه، يتوق بقوة إلى الإنتهاء السريع من حالة الإنتظار والتريث والتشاور والإختلاف بين الساسة في أجواء حوارات الثرثرة والتذاكي والشتم ونفخ الذات، المعيبة، العقيمة، العبثية، والإلتفات الدائم إلى الخارج بانتظار غمزاته وإيحاءاته للإعتكاف أو الحرد وتعطيل الحكم أو الإستقالة وخلق فراغ، أجل، الشعب يتوق إلى أن يتخذ الساسة المبادرة الحرّة والقرار الحرّ في كل أمر يُقْدِمون عليه، من أجل صالح الشعب، فقط، لا مصالحهم الشخصية ومصالح الخارج التي تتناقض مع صالح الشعب، ومن أجل العمل الدؤوب على تحقيق وحدة الشعب والحفاظ عليها، والتحاور معه، واحترام كرامته، وإحياء ثقته المعدومة بالدولة وبنفسه وبمستقبله.

               نتساءل، هنا، بتعجب ومرارة وحيرة:
  
               -هل يعي الساسة، يا ترى، أهمية وجدية وخطورة الحوار الذي يبقى بلا نتيجة ولا يؤدي إلى أي اتفاق، بالنسبة لوجود وديمومة الوطن أو عدمهما؟ 

               -هل يحافظون على روح الحوار، حفاظا على الشعب والوطن، ويتحلّون بالتواضع الضروري والكافي، ولو لمرة واحدة في حياتهم السياسية، والتنازل عن كبريائهم الهائلة، والتخلي عن أمزجتهم الأنانية، وتبعيتهم المريضة، المخجلة، ل"خارج" يعرف جيدا نقاط الضعف فيهم (حبّهم المريض للمال والسلطة وألقاب العظمة)، ويعرف الشعب اللبناني الواعي أن هذا الخارج الخبيث لا يضمرُ ولا يريد له الخير؟ 

               -هل يحصرون محور حوارهم فقط بالتفكير بصالح الشعب اللبناني وحده؟

               -هل يدري الساسة أنهم يؤذون الشعب اللبناني كل يوم، أكثر بكثير من العدوّ العنصري الصهيوني وإرهابيّيه، لفرط ما هم مهووسون هوسا غير طبيعي بتحقيق الإثراء السريع والفاحش والحياة السعيدة على حساب الشعب الفقير؟

               -كيف نقيّم، نحن، أبناء الشعب اليائسين، المنتظرين الخلاص على أحرّ من الجمر، تصرفات الساسة الأنانية، وهذه الحوارات الثنائية أو الثلاثية أو الرباعية الموسمية، المصطنعة، التي تجري، أحيانا، بين ما يُسَمَّى بالأقطاب أو بممثلين عنهم، أو بين بعض التيارات السياسية المتصارعة على الحكم، وتنتهي بتحالفات مؤقتة سرعان ما تنفجر عند أول صدام مصالح شخصية لا وطنية بين الأطراف؟
 
               كل ما يعرفه الشعب هو أنه يسمع جعجعة دائمة ولا يرى طحينا، ولا يتمتع بنعمة أكل الخبز. جلّ ما يعرفه الشعب هو أن الحوارات كلها لا تصل إلى نتائج ملموسة، وأنه يحترق وحده في أتون نار الإنتظار وإهمال ساسته (الذين انتخبهم بحماس) وإحتقارهم له. 

               إن الساسة يوهمون أنفسهم، ويوهمون الشعب، دائما، بأن استمرار الحوار شيء مهمّ، حتى ولو لم يتوصّلوا إلى أية نتيجة، إذ إن الحوار، بنظرهم، وبنظر الشعب اللبناني المتفرج، الصامت، الأخرس، أو المتظاهر سلميا، أفضل من الإقتتال بين الأزلام الجاهزين للتحدي والنزول المسلّح إلى الشارع، عند أول غمزة عين خبيثة من زعيمهم. ولكنّ هذا المنطق الذي يعني، بكل بساطة، الموت البطيء لشعب وطن الأرز الخالد، لبنان، قد بدأ يخسر قوة الإقناع فيه بنظر بعض أبناء الشعب المجروحة كرامتهم، والذين، بعد أن لُدِغَوا من الجحرعينه آلاف المرات، لم يعودوا يصدّقون أحدا من الساسة (وهم معذورون ولا ملامة عليهم)، والذين يقرّرون أحيانا، في فورة غضب، أن يثوروا، سلميا، في الشارع. غير أن ثورة الشارع السلمية، دون وجود كل الشعب اللبناني أو معظمه مع المتظاهرين والمعتصمين، سرعان ما تخمد نارها. ثم تكمل الأقلية ثورتها اليائسة بالكلام، وبالعودة إلى التظاهر والإعتصام، آملة أن ينتصر الحقّ المبين في جولة واحدة طالما انتظروها وحلموا بها، على باطل الساسة المزمن، المستحكم. ولكن، يأتي دائما من يجهض، شيئا فشيئا، في الحكم، ثورة أبناء الشعب القلائل، بالكلام المعسول الكاذب، والوعود الوردية الساحرة، إلى أن يتمّ الإجهاض الكامل لها بعصا أباطرة الدولة الغليظة، أي قوى الأمن والجيش.
 
               في الحقيقة، إن أول من يجهض هذه الثورة، هم أبناء طوائف الشعب اللبناني، أتباع الزعماء الفاعلون في الإنتخابات النيابية وفي الشارع (بغياب الأكثرية الصامتة المهمِّشة لذاتها). إنهم يأتمرون بأوامر زعمائهم في الحكم، ولا يمكنهم أن يثوروا ضدهم. لذلك فهم لا يظهرون تأييدهم الباطني للذين يثورون في الشارع ويتظاهرون ويصرخون ويعترضون من أجل كل الشعب اللبناني.

               لم يستطع الشعب، ولو مرة واحدة، خلال ثوراته السلمية الغضوبة في الشارع أو في الإعلام، أن يثبت وجوده ويؤثر على ساسة وزعماء الحكم، بإيحائه للمتحاورين بإسمه، مثلا، مواضيع محورية للحوار، تتعلق بصحته وكرامته ووجوده ومصيره واقتصاده وازدهاره وسعادته، أو أن يفرض عليهم الإتفاق والتوقيت بحسب ما يريده هو وبحسب مصلحته هو، لا بحسب ما يريده المتحاورون (مدّعو الصمم) خدمة لمصالحهم الشخصية هم وحدهم ومصالح الخارج، وبإسم الشعب اللبناني. إن الحوار البنّاء بين الشعب وساسته يبدو، (كما الحوار بين الساسة أنفسهم) مستحيلا. العلاقة بينهما هي علاقة الجلاد بالضحية، والمعبود بالعابد، والسيد بالعبد. إنها علاقة مريضة، حبل الكذب والتكاذب فيها طويل جدا، بعكس المثل الشعبي المعروف، القائل: حبل الكذب قصير.

               إن أهم المواضيع التي تهمّ الشعب اللبناني وتقرّر مصيره، يعرفها جيّدا الساسة المتحاورون. نورد، هنا، بعض الأولويات لمواضيع الحوار كما يراها وكما يريدها الشعب اللبناني، لا مدّعو الصّمم ولا حكومات الخارج. من هذه الأولويات يمكن للمتحاورين أن يبدأوا ويتابعوا، بكل نشاط وحيوية، إنطلاقة أي حوار لإجتناب الأزمات، بدءا بأزمات نفوسهم المعقدة، الأنانية، المتكبرة:  

               -قبل كل جلسة حوار، على الساسة المتحاورين في المجلس النيابي أو الحكومي أو في أي مكان آخر، أن ينحنوا ويتلوا فعل إيمان قوي بالشعب اللبناني وحده، مصدر سلطاتهم كلها، وبالوطن اللبناني وحده بإنشاد النشيد الوطني، وأن ينسوا أنفسهم قليلا، وأن يفكروا بالشعب وبحاجات الشعب وحسب.
 
               -على الساسة المتحاورين عمل أي شيء، اليوم لا غدا، من أجل تحسين حياة الشعب اللبناني الذي يعاني من غلاء المعيشة والأجور المتدنّية والبطالة، والعمل على تكثير فرص العمل، وحماية اليد العاملة اللبنانية، والحدّ من الهجرة، وتخفيض الضرائب على الشعب لا زيادتها، والكفّ عن الإمعان في استغباء الشعب وقهره وإفقاره واحتقاره وإذلاله، وإيهامه بأن دراستهم العميقة والمتأنية والطويلة للموازنة تراعي ظروفه الصعبة، والطلب منه، في نهاية المطاف، بكل دم بارد، أن يضحي، هو وحده، بمكتسباته. 
  
               -عليهم التخلي نهائيا عن فكرة التمديد لولايتهم مهما كانت الأسباب، وزيادة أجورهم (وهم الأغنياء)، والتوظيف العشوائي للأزلام والتعيينات والترقيات والتسويات السياسية المريبة، والصفقات الخبيثة على أنواعها.

               -عليهم خلق قانون إنتخابي جديد لا يحدّ من حرية اللبنانيين على الإختيار كالقانون-البدعة الأخير الذي أجبر أكثر من نصف الشعب اللبناني على مقاطعة الإنتخابات، ويعدل بين جميع المكوّنات اللبنانية، ويمنع هيمنة فريق على فريق كما هو حاصل منذ عقد اتفاق الطائف حتى اليوم، ويمنع طغيان الزعامات الطائفية وأصحاب رؤوس الأموال، ويعطي المستقلين الأحرار، الفقراء، فرصَ النجاح.

               -عليهم التفاهم والإتفاق نهائيا حول من هو عدوُّنا ومن هو صديقنا، وتحديد مفهوم الخيانة العظمى للوطن اللبناني وللشعب اللبناني التي أصبحت وجهة نظر، وقطع دابر تجارة بيع وشراء الوطن بالمزاد العلني المزدهر سوق عكاظها في صحاري المال و"المكرمات" من خلال أحصنة طروادة السعيدة حتى البطر والرفس، والمتزايدة، يوما بعد يوم، في لبنان.

               من ثمّ، يأتي دور الحوار حول المواضيع الأخرى المهمة: 

               -إعادة النظر بإتفاق الطائف، والبحث الجديّ بتبنّي نظام حكم علماني للشعب اللبناني يريحه من فساد النظام الطائفي المعيب بحدّ ذاته والمدمّر لإنسانية اللبنانيين، والذي زاده الساسة فسادا، لفرط استغلالهم له.

               -تسليح الجيش اللبناني (من مصادر يختارها اللبنانيون ولا تفرض عليهم) تسليحا كاملا بالفعل لا بالكلام، واحترام المقاومة ودعمها. 

               -تحريرالقضاء من سلطة الساسة الفاسدين والمال الفاسد المتدفق دائما بسخاء من الخارج الفاسد ومن جيوب الأغنياء الفاسدين في الداخل. 

               -محاسبة كل من نهب مال الدولة (أي الشعب) وحقق الثراء الفاحش، وإعادة هذا المال، ووقف الهدر والسرقات فورا. 

               -تحقيق ضمان الشيخوخة، وتأمين التعليم المجاني للأجيال الطالعة.
 
               -حلّ مشكلة النازحين واللاجئين، ومنع التوطين، وإفشال "صفقة القرن" وسرقة الأوطان وتشريد وخلط الشعوب، وفرض الكيان العرقي اليهودي الصافي في فلسطين، تمهيدا لإقامة دولة "إسرائيل الكبرى"، من النيل إلى الفرات، في نهاية المطاف.

               -إستخراج الغاز والنفط من أعماق بحرنا بالإتفاق مع شركات ودول من إختيارنا نحن، دون خوف من العدو وحماته، ودون التنازل له ولحماته عن أرضنا وحدودنا ومواردنا الطبيعية. 

               -إستكمال بناء السدود بشكل علمي مدروس لا يؤذي البيئة والناس، وبعيدا عن الهدر والصفقات المشبوهة، وإيقاف بنائها إن تبيّن (بحسب بعض الخبراء الحياديين) بأنها خطر على الناس والبيئة، وأن ثمة طرق أفضل وأقل كلفة لتأمين المياه. 

               -إيجاد حلول نهائية كاملة لا مؤقتة ومجتزأة، لمشكلة الكهرباء والمياه والنفايات والتلوّث والتصحُّر. 

               -وفاء الدين العام من مال الساسة الأغنياء أنفسهم ومن مال حلفائهم أصحاب المصارف والأعمال، دون تحميل الشعب وزر الإستدانة المتكررة الخاطئة وهدر واختفاء مال الخزينة وخطر الإفلاس، وفساد الساسة، ثم الطلب منه أن يضحي ويقبل بمزيد من الضرائب والرسوم وشظف العيش.

               -حلّ مشكلة السير اليومية، الخانقة فقط للشعب، لا لمواكبات الساسة المحمية، الصاخبة، المزعجة.
 
               -حلّ المشاكل الإقتصادية والصناعية والزراعية والتجارية والتربوية، واحترام رأي الخبراء الحياديين المهمشين من الدولة. 

               -حماية الشباب من البطالة والجهل والمخدِّرات والضياع والفراغ واليأس والعنف والجريمة والإنتحار.

               -بالمختصر المفيد: تأمين حقوق الإنسان اللبناني بكاملها، من المهد إلى اللحد.

               إن الساسة يملكون، في الحقيقة، إلى جانب الثروات الضخمة الفائضة والأملاك الشاسعة والقصور وعروش العظمة والمجد، آذانا كبيرة تسمع جيدا، وأذهانا متوقدة الذكاء، وألسنة سَلِسَة (وذَرِبَة عند اللزوم) تجيد لوك الكلام غبّ الطلب، وأصواتا خاصة مدروسة، ذات رهبة كبيرة، وأعينا عميقة التحديق والرؤى. ويملكون، بالإضافة إلى كل ذلك، شخصية فذّة بأناقة الشكل واللباس والمظهر والعطور، وكل زينات السيارات السوداء الفخمة المصفحة، ذات الزجاج الأسود المرعب، ومواكبات الحماية السوداء الضاجة، الصاخبة، وأحدث جيل من الهواتف الخليوية المتفوقة الذكاء والسَّعَة، والتي ترنّ ليلا نهارا، لشدّة انشغالهم الدائم بأمور كثيرة، لا تمتّ بأية صلة إلى هموم الشعب ومصالحه الحيوية. إن ما لا يملكه الساسة هو، بكل بساطة، روح الواجب والتواضع والحكمة والمحبة.

               إن الساسة يعرفون جيدا وسلفا ما يريده وما يفكر ويشعر به الشعب، وهم، كما يبدو، حتى الساعة، غير مستعدين أبدا أن يغيّروا لا تفكيرهم ولا مواقفهم، مهما علا صراخ وجع الشعب على لسان القلة الجريئة الثائرة، أو على لسان أحد شركاء الحكم أو الإعلاميين أو النخب الفكرية والروحية، مهما بلغت قدرتهم على الإقناع. وهم، إن قرروا أن يتحاوروا حول أية مسألة، فلخلق المزيد من الخلافات، والتقاتل حول أوهام الأحجام والأوزان والعظمة الذاتية والحصص والصفقات، تحت عنوان "المصلحة الوطنية العليا"، كالمعتاد. إن المرة الوحيدة التي اتفق فيها الزعماء، وبأسرع من البرق، ودون حوارات معقدة ودراسات طويلة كدراستهم للموازنة، هي حين قرروا، بالإجماع، وبمحبة ملائكيةفائقة تجاه بعضهم البعض، رفع رواتبهم بسبب غلاء المعيشة، والتمديد لولاية حكمهم بسبب الأوضاع الخطيرة والإستثنائية التي مرت بها "البلد"، منذ بضعة سنوات. 

               وأما أتباع الزعماء فهم متواطئون مع الزعماء ضدّ أنفسهم (دون أن يدروا، أو دون أن يجرؤوا على الإقرار بذلك)، من خلال تأييدهم الأعمى لهم. وهم مشتاقون في حقيقة باطنهم، إلى الخلاص من جو القهر والعار والعهر السياسي. وأما الصامتون المعتكفون، المصابون بداء القرف، وهم يشكلون أكثر من نصف الشعب اللبناني، فإن صمتهم وعدم إهتمامهم يُعتبران جريمة كبرى بحق أنفسهم والوطن. كما يقال: الساكت عن الحقّ شيطان أخرس.

               كما ذكرنا منذ قليل، إن افتعال الساسة لغيرتهم على أمور الشعب وحملهم لهمومه، ولحوارٍ ما جارٍ فيما بينهم لحلّ مشاكل يعشقون ديمومتها، وهي جميعها من صنع أيديهم قبل أن تكون من صنع الخارج، لم ولن يؤدّي إلى نتائج مفيدة ومُرضِيَة للشعب. إنها مجرّد تمثيليات سمجة، مملّة. والحوارت إنما هي مجرّد تبادل آراء، وتقطيع وقت، وخداع متبادل، كون الحوار، بالنسبة لهم، أفضل من التقاتل. حوارات من هذا النوع تخدّر عواطف الشعب، وتشلّ إرادته، وتحرمه من التقدّم والإزدهار، كما تشلّ عمل الدولة، ولكنها تجعل الساسة في حالة ازدهار ماليّ وصحيّ دائم، وسعادة "نيرفانا" تفوق الوصف لم يجهدوا أنفسهم من أجل تحقيقها. والساسة، في كل حال، هم دائما بإنتظار ما يسمى ب"تطورات إقليمية-عالمية"، قد تعوّدوا المراهنة دائما عليها، كي يتخذوا قرارات ومواقف تمكّنهم من الإبقاء على عظمتهم وزعامتهم وعزّهم، وعلى يدهم الطولى في كل شيء في لبنان، وهم، في كل هذه المراحل، مراحل الوقت الضائع (للشعب وحده)، يرمون التهم على الفريق الآخر بتعطيل الحكم، وكل فريق يمثّل، ببراعة فائقة، دور المظلوم، ويشتكي، علنا، للشعب، مستعطيا تعاطفه وتأييده، بأنه مستهدَف من الفريق الآخر، ومن داعميه في حكومات الخارج.                

               أما أبناء شعب الوطن القلائل جدا، الواعون، الصادقون، فإنهم ينتظرون، بفارغ الصبر وبمحبة وصمت، في محراب الصلاة والعزلة، عودة كل الساسة الضالين والمستقوين بالخارج إلى الحظيرة الآمنة لشعب الوطن الواحد الحر، لكي ينخرطوا من جديد في أجواء السياسة الشعبية اللبنانية الصِرفة، بشكل إيجابيّ وبنّاء، كشركاء ورعاة محبين لا كأسياد مستبدين، ظالمين، وبشكل متحرّر من سطوة "الخارج" الخبيث، المعروف جيدا بالإسم والنوايا والتوجّهات والأفعال.

               إن الساسة ليس بهم أي صمم. ولكن معظمهم يفتعلون الصمم كي لا يجدوا أنفسهم مجبَرين على أن يرضخوا لمنطق العقل والذوق السليم والأخلاق الحميدة والفضائل، ولمصالح الشعب اللبناني وحسب. المصالح الخاصة (مال، إستثمارات، سلطة، عظمة) لمعظم الساسة من أقطاب وغير أقطاب، المرتبطين (جهارا أو سرا) بالخارج والمرتَهَنين لمشيئته، تعمي بصرهم وبصيرتهم، وأيضا تصمّ آذانهم. الصمم الحقيقيُّ (كما العمى) هو الذي يصيب القلب والعقل. ولولا هذا النوع من الصمم و/أو العمى، لما نزل بعض أبناء الشعب اللبناني، اليوم، وفيما مضى، بشكل سلميّ، وبإسم الشعب بأسره، الى الشارع، غاضبين، مقهورين، ليرغموا الساسة الصمّ والعميان والأنانيين والمتكبرين، على الإصغاء إلى أنين الشعب وصراخه، وعلى إعطائه حقوقه الإنسانية المهدورة على الدوام من زمن بعيد، كالإحترام، والعمل، والرواتب اللائقة التي تسمح له بالحياة الكريمة، الآمنة، السعيدة، وقد حوّلوا حياته هذه، بسبب صممهم وعمى وقساوة قلوبهم، جحيما مليئا بالفقر والنفايات والأمراض والتعاسة.

               اليوم، يعيش الساسة أجواء العجز عن التآلف والإتفاق والعمل معا في حكومة "إلى العمل"، المعرّضة أن تصبح، بين لحظة وأخرى، حكومة "إلى الإستقالة"، ليعيش الشعب وحده، بلا حكومة، فراغا حكوميا آخر، شبيها بفراغ وجودها. وكل ذلك بسبب انتهاج فريق في الحكم، بشكل فاضح (لا يبدو أن هذا الفريق يعيه جيدا، ويعتبره نهجا خاطئا، حتى الساعة)، لسياسة الكبرياء والإستقواء بالدولة، والتحديات الغبية، السخيفة، المتهوّرة، وسياسة الإستفزازات ونبش القبور والتشهير والإدانة، في الخطابات والمواقف، وتوتير الأجواء، والنفخ في الجمر المتوقّد الكامن تحت الرماد، وإشعاله، وحصول صدامات مسلحة بين أزلام الزعماء، ووقوع ضحايا، وخلق شرخ بين الزعماء وبين أتباعهم، وتحدي الدولة وإحراجها، واتهامها بالتحيزّ، والإختلاف على السلطة القضائية التي ينبغي اللجوء إليها. 

               في هذه الأجواء المحمومة، يتساءل الشعب الذي لم تنسه هذه الملهاة-المأساة همومه الأساسية وسيف الموازنة مسلط على رأسه: ما الحكمة من كل ذلك؟ وما الفائدة من الحوارات الدائرة بين بعض الساسة من خلال وسطاء، وهي مرشحة، كسابقاتها، للفشل، لأنها حوارات بين صمّ وعميان متكبرين، وكأنهم لا يعون ولا يقيمون وزنا لكل الأخطار المُحْدِقة بالوطن اللبناني، خاصة وجود الإرهاب في أرضنا وعلى حدودنا من كل جانب، وخطر التوطين وسرقة أرضنا ومواردنا الطبيعية؟ يبدو أن لا شيء يوقظهم من سباتهم وينبّههم من صممهم وعماهم، ويذكّرهم بأن الأخطار حقيقية، وأن الشعب موجود، وهو يتعذّب، وبأنه لا بدّ من يوم حساب وشيك، إن لم يعوا ويتوبوا ويهتدوا إلى الصراط المستقيم، صراط التواضع والصدق والحكمة والمحبة.

               رغم كل شيء، فإن وجود نخب صالحة من أبناء الشعب الضاغطة على الحكم (بإسم كل الشعب)، يبقى ضروريّا جدا من أجل تحريك عجلة الحكم المعطّلة. فليُثْبِتِ الشعب وجوده، دائما، كمصدر للسلطات، ولو تجاهله الساسة، بصوته الذي من صوت الله، كما تعوّد أن يمدحه ويتغزّل به، من وقت إلى آخر، الساسة المخادعون، لتطييب خاطره، والإستهزاء به في باطنهم الخبيث.

               على الشعب، كل الشعب، لا أقلية الشعب، أن يحضِّر نفسه بإستمرار لإشعال ثورة وعي ووحدة سلمية، ثورة متطهِّرة من الحقد، غير مسبوقة في تاريخ لبنان، ثورة لم يستطع أن يحققها في صندوق الإقتراع، حتى اليوم. إنها ثورة ضد خموله وصمته تجاه ما يفعله ساسته المصابون بداء الصمم والعمى والكبرياء، ثم ثورة في الإعلام وفي الشارع واعتصامات وعصيان ورفض دفع الضرائب المرتفعة، إذا دعت الحاجة.

               إن الساسة، كما يبدو، لا يريدون أن يحرّروا الشعب اللبناني من قيود الطائفية والمذهبية والتبعية العمياء والفقر والذل والفتنة، ولا يريدون أن يعطوه حقوقه المشروعة، وهو، كما هو، بلا صراخ ولا تمرّد ولا ثورة، يشكل مادة دسمة لهم لبناء أمجادهم. ولكن، على الشعب أن يحذر من الأفاعي السامة المنسابة من أوكار السفارات "الصديقة" المعروفة، ومن أوكار بعض أباطرة السياسة عندنا، المتسللة إلى صفوف الشعب لقتل روح الثورة فيه وإجهاض أي تحرك في الشارع وتحويله عن مسارّه الصحيح، كما حصل منذ سنوات قليلة، في ذروة ما سُمِّيَ ب"الحراك الشعبي". 

               إن الشعب اللبناني الطيّب يحبّ أن يرى كل أبناء الشعب الأحرار ينتفضون ويتحررون من خوفهم وخرسهم وصمتهم وعماهم، ويصرخون بأصوات عالية، وينضمّون إلى الثورة السلمية على ظلم الساسة. 

               إن أملنا عظيم بأن الشعب المكافح من أجل الحرية والعدالة والمساواة، في نهاية هذا المطاف الوعر والعسير، سوف ينتصر، لا محالة، في صندوق الإقتراع وفي الشارع، على الساسة غير الأوفياء، بوعيه وتواضعه ومحبته وصبره ووحدته. لا نجاح لأي حوار يجري بينه وبين الساسة، وبين الساسة أنفسهم. لقد برهن معظم الساسة بما فيه الكفاية، حتى اليوم، بأنهم تسكنهم وتحرّكهم وتستعبدهم روح الكبرياء والأنانية وعبادة أصنام آلهة المال وذواتهم، وأنهم لا محبة صادقة في قلوبهم لا للشعب ولا لبعضهم البعض. ولا بدّ أن يستعيد، شيئا فشيئا، الشعب المكافح، المناضل، العنيد، المُوَحّد، الصابر، المثابر، من سارقيه وظالميه، حقوقه وكرامته وازدهاره وسعادته وصوته الصافي، الصادق، الذي من "صوت الله"، ولقبه الحقيقي العظيم "مصدر السلطات". ولا بدّ للشعب يوما أن يبدل ندبه ورثاءه لحاله بأناشيد الظفر والفرح والشكران.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه