مدينة فريدة ارتقت لأن تحيا في قلب الدنيا، وتجمع بين جدرانها ميزات كل المدن الأخرى، هي توق لماضٍ عظيم، بغداد العريقة لها تاريخ تضرب جذوره إلى حضارة ما بين النهرين القديمة، لتقع في حبها أكثر، وأجمل الأوقات هو وقت العزف على الشاي البغدادي بين نكهة الماضي والحاضر، في جلسات ملتقى الأدباء والفنانين، ترى من يقرأ وآخر يُناقش وآخر يشتري كتب وترى من يرتشف القهوة، من مقهى قهوة وكتاب تطالع بغداد الحضارة والأصالة، وإليكم فصول رحلتي فيها.

عندما تزور بغداد تشعر وكأن طيفا يحرسها، وهي التي دأب الكثير لينالوا منها، تشعر فيها بخفقان القلب والنبض المفعم بالقدرة على التجدد، وهذا السر الذي جعلها مدينة مقاومِة على مر العصور.

أبدأ رحلتي بهذه الأبيات للشاعر الفقيه العالم عبد الوهاب ابن علي المالكي حين فارق بغداد مدينة السلام، المدينة العزيزة على نفسه:

سلامٌ على بغداد في كل موطنٍ

وحق لها مني سلام مضاعف

فو الله ما فارقتها عن قلى لها

وإني بشطي جانبيها لعارفُ

ولكنها ضاقت عليّ بأسرها

ولم تكن الأرزق فيها تُساعف

وكانت كخل كنت أهوى دُنُوه

واخلاقهُ تنأى به وتُخالفُ

 

عهد التأسيس والتسمية

 

تأسست بغدادُ في عام 145هـ/ 762م في عهد أبي جعفر المنصور،وأضحت حاضرة الخلافة العباسية، وباتت «قلب الدنيا»، وقد حظيت المدينة باهتمام عدد من كبار قدماء المؤرخين ومنهم: الطبري في كتابه «تاريخ الأمم والملوك»، والمسعودي في كتابه «مروج الذهب»، وابن مسكويه في كتابِه «تجارب الأمم»، وابن الجوزي في كتابِه «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم»، واليعقوبي في كتابِه «البلدان»، والخطيب البغدادي في كتابِه «تاريخ بغداد»، وابن الطقطقي في كتابه «الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية». 

فهي من كبرى مدن الشرق الأوسط، وثاني أكبر مدينة عربية، وصلت بغداد إلى قمة التطور الاقتصادي والفكري خلال القرنين الثامن والتاسع الميلادي أثناء خلافة المهدي، وهارون الرشيد وقد تم اعتبارها فيما بعد على أنها المدينة الأغنى في العالم.  

سمّيت بغداد باسم مدينة الخلفاء ودليل ذلك كان بكثرة الخلفاء الذين حكموا المدينة والمعروف بأن الخلافة العباسية إستمرت حكماً طويلاً ومن أشهر الخلفاء الذين حكموا بغداد هو أبو جعفر المنصور وهارون الرشيد والمعتصم بالله والمنتصر بالله وغيرهم، وكانت بغداد مركزاً أساسيا في الدّولة العباسية إلى أن سقطت بغداد عند هجوم التّتار والمغول على بغداد وتُركت بغداد على إسمها وحافظوا البغداديين على ترديده إلى زمننا الحاضر، وقدمها منذ زمن الحضارة البابلية، حيث إكتشف المؤرخون بأن بغداد موجودةً منذ زمن ملوك بابل مثل الملك حمورابي ونبوخذ نصّر وكانت تعني الجنة أو الجّنان الخصبة ولا عجب لأن بغداد من مدن بلاد الرّافدين دجلة والفرات، وذكر اسم بغداد في مسلات وشرائع حمورابي، وكان يُشار أيضاً بإسم بغداد بالّلغة البابلية والآشورية باسم بغدادا، بجدادو وتعني الجنة أو جنة الحبيب أو الجنة الحبيبة. بعد إنتهاءحضارة بابل كانت بغداد حاضرة في حضارة الإغريق والرّومان والفارسيين.

كانت بغداد من أحب المدن إلى أبو جعفر المنصور وسماها بمدينة السّلام حيث كانت تظهر بوثائق العباسيين باسم مدينة السلام أي دار السلام وتعني الأمان والجنة، وسميت أيضاً باسم مدينة المنصور نسبة إلى حب أبو جعفر المنصور لها، وسميت بغداد باسم المدينة المدورة حيث قام أبو جعفر المنصور بإعادة بناءها على شكل مدور أي دائرية يتم الدّخول إليها من أربعة أبواب مثل باب الشّام والكوفة وخرسان والبصرة، وكانت مركزا عريقا للثقافة حيث ظهر فيها حشد كثير من العلماء في مختلف العلوم والآداب وكانت مقصد كبار الأئمة وعلماء الفقه. 

 

مغول الماضي والحاضر

 

كانت بغداد عاصمة الدولة العباسية وحاضرة الخلافة الإسلامية منذ حوالي 496 سنة، وتوسعت هذه الخلافة حتى غدت إمبراطورية، لكن عند سقوط بغداد على يد المغول، ودكِّهم معالم الحضارة والعُمران فيها وقتلهم أهلها كارثةً كُبرى للمُسلمين، بل كارثة الكوارث في زمانها. إذ احترقت الكثير من المُؤلَّفات القيِّمة والنفيسة في مُختلف المجالات العلمية والفلسفية والأدبية والإقتصادية والإجتماعيةوغيرها، عندما أضرم المغول النار في بيت الحكمة وهي إحدى أعظم مكتبات العالم القديم آنذاك، وألقوا بالكُتب في نهريّ دجلة والفرات، كما فتكوا بالكثير من أهل العلم والثقافة، ودمَّروا الكثير من المعالم العُمرانيَّة من مساجد وقُصور وحدائق ومدارس ومُستشفيات، فكان حينها لسقوط بغداد، نهاية للعصر الذهبي للإسلام، المفارقة العجيبة، أن لك زمن مغول، ولا تزال العراق وبغداد في عين العاصفة، فمع إجتياح العراق على يد مغول العصر من الأمريكيين وأنصارهم، أول ما قاموا به غير التنكيل بشعب العراق، هو محاولة تدمير الإسلام برمزيته وطهارته من خلال قصف المساجد وسرقة المتاحف ونقل آثار العراق إضافة إلى هدم البنى التحتية، في محاولة ممنهجة لمسح ذاكرة الأمة الإسلامية، ومسح تاريخ بغداد بكل ما فيه، والمفارقة العجيبة أنك عندما تكون في العراق وتحديدا بغداد، ترى كل شيء فيها صامد ويرفض طمس التاريخ لا بل يحاول إعادة إحياءه رغم كل ما عانى العراق، فترى فيها أضرحة الأولياء الصالحين من كل الطوائف والديانات.

لقد بدأت رحلتي بزيارة كل قبور الصحابة والمراقد الصوفية ومراقد أئمة أهل البيت عليهم السلام من جنوب العراق إلى شماله، مع تقديري وإحترامي لكل رموز الطوائف الإسلامية والمسيحية واليهودية، فكانت رحلتي هي "زيارة إنسانية".

 

في زيارتي لبغداد لم تشبع عيوني من ذاك الحنين للمدينة الأعرق في التاريخ، حتى نخيل بغداد يتحدث ويشعرك بالصمود الجبار، هذه المدينة التي ما من عالم وقدير ومفكر وفيلسوف إلا ونهل العلم منها منذ آلاف السنين، لكن ما أدمى قلبي هو حالة الإهمال الكبير لمراقد الصالحين والقصور العباسية وتراث المدرسة النظامية التي هي من مدارس بغداد القديمة التي أنشأنها الوزير نظام الملك في زمن الخليفة أبو جعفر عبد الله القائم بأمر الله، فقد كانت من أشهر مدراس العصر العباسي، ودرس في هذه المدرسة كبار العلماء والفقهاء، ويعتبر الإمام الغزالي الطوسي النيسابوري الصوفي الشافعي الأشعري أحد أعلام عصره وأحد أشهر علماء المسلمين في القرن الخامس الهجري، الذي كان صوفي الطريقة وشافعي الفقه، المتوفى في العام 505 للهجرة، وكان من أكبر المدرسين نشاطاً في تأليف الكتب. ومن مؤلفاته المشهورة كتاب "إحياء علوم الدين"، وغيرها، وسنفرد مقالا خاصا عن الإمام الغزالي وأهم ما قدّم للأمة الإسلامية في وقت لاحق إن شاء الله.

 

مكانة العلم

 

في الغوص بتفاصيل بغداد التي لم تتميز فقط بجمال عمرانها وحفاظها على عراقتها، فقد أولت للعلم مكانة خاصة وإهتمت بأدق تفاصيله، وتتلمذ فيها أشهر علماء ذاك العصر، الجميل أنه وإلى يومنا هذا لا نزال ننهل من بحر علومهم رغم أن الذي بقي من هذا التراث هو القليل ويكاد يكون من النوادر إيجاد الكتب القديمة نظرا لما تعرضت له العراق على مر العصور، فتشعر بأن بغداد كانت مشابهة لروما القديمة رغم أن الاهتمام الروماني كان متجها نحو السباقات والألعاب كالقتال والمبارزة وما شابه ذلك، لكن بغداد كان سباقها نحو العلم والعلماء، فكان يتنافس فيها الكوفيين والبصريين خلال عهدي الواثق وأخيه المتوكل، فلقد اجتهد البغداديون في نهل العلم، تلف الزمان ما أتلف من التصانيف الكوفية كـ (معاني القرآن) للفرّاء، و (مجالس ثعلب)، و (التبيان في شرح الديوان) شرح ديوان المتنبي، فهذه نبذة موجزة حول ما بذله الأجداد والأحفاد في سبيل رفعة وديمومة لغتنا الجميلة و آدابها إلى جانب العلوم الأخرى، التي لا نزال ننهل منها إلى يومنا هذا.

يُذكر هنا إن نظام الملك قام بإنشاء عدد من المدارس في مُدد متقاربة من أجل علماء مخصوصين بعينهم، فأينما وجد عالماً متميزاً يحتل منزلة مرموقة بين الناس بنى له مدرسة، ولهذا كانت المدرسة النظامية، وهي الأولى التي بناها نظام الملك، بنيت برسم الفقيه الكبير أبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي، أعظم علماء بغداد آنذاك، وبعد النظامية الأولى انتشرت تسع نظاميات في بغداد والموصل والبصرة ونيسابور وبلخ وهراة وأصفهان ومرو وآمل وطبرستان، وكان يقال إن لنظام الملك "في كل مدينة بالعراق وخراسان مدرسة"، تولى التدريس في المدرسة النظامية الأولى، بعد الشيرازي، أكابر العلماء في بغداد حينها نذكر منهم أبو سعد المتولي والشريف أبو القاسم العلوي وأبو عبدالله الحسين بن علي الطبري وأبو الحسن علي بن محمد الهراسي والإمام الشهير أبو حامد الغزالي وأبو بكر بن أحمد الشاشي المستظهري وإبنفضلان، وغيرهم ممن زخرت بهم كتب المؤرخين، نالت المدرسةالنظامية شهرة ذاع صيتها في كل أنحاء العالم الإسلامي فقصدها العديد من طالبي العلم، من خارج العراق، ومن مشاهير الطلبة الذين درسوا فيها من غير العراق، أبو محمد عبدالله بن يحيى السرقطي وأبو الفضل محمد بن عبدالكريم القزويني. كما اشتهرت النظامية بخزانة كتبها النفيسة، كان إنشاء المدرسة النظامية الأولى، كما ذكرنا، فاتحة لقيام عدد من الموسرين والحكّام والأمراء بإنشاء المزيد من المدارس في بغداد والمدن العراقية الأخرى، وبالترافق مع بناء النظامية أُنشئت واحدة من أهم المدارس وأكثرها شهرة هي مدرسة مشهد أبي حنيفة، التي لا تزال موجودة إلى يومنا.

ومن بين 35 مدرسة بُنيت في بغداد وحدها، في السنوات التي تلت بناء النظامية الأولى ومشهد أبي حنيفة، كانت المدرسة المستنصرية من أكبر وأشهر وأفخم هذه المدارس، وما زال بناؤها قائماً على نهر دجلة يحكي عظمة حضارة تلك الحقبة من التاريخ العربي – الإسلامي، والمستنصرية التي تُعدّ بمثابة جامعة بالقياس إلى عصرنا، منسوبة إلى الخليفة المستنصر بالله العباسي الذي وُلّي الخلافة من سنة 623 إلى 640 هجرية، وهي أول مدرسة في العالم الإسلامي عُنيت بتدريس الفقه على المذاهب الأربعة.

 

حكايتي في شارع المتنبي والرشيد

 

قيل إن مصر تؤلف، ولبنان تطبع والعراق يقرأ، هذا يدلّ على أن نسبة العراقيين المتعلمين كانت عالية جداً، إذ كانوا شغوفين بالعلم والمعرفة والقراءة شغفاً كبيرا، شارع المتنبي في العاصمة بغداد، والذي يطلق عليه العراقيون شارع الكتب، شارعاً معروفاً في كل أنحاء العالم العربي، ليس عليك إلا أن تذكره حتى تتوهج العيون بريقا لعبق الماضي المتناثر في زواياه، لقد دأب المثقفون العراقيون على أن يقصدوا شارع المتنبي، ويرجعون محملين بالكتب المستعملة أو الجديدة منها. إلا أن هذا الشارع، ومنذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، بات عرضة لهجمات إرهابية عنيفة، ودمرت العشرات من المطابع وعدد كبير من المكتبات عن بكرة أبيها، لاسيما تلك التي تعتبر من أكبر وأغنى المكتبات في العراق، ما عليك إلا أن تكون مغروما بروايات ألف ليلة وليلة وأساطير الشرق لترى ضالتك في هذا الشارع، فهذا الشارع يضم بين جنباته "سوق السراي"، التي تعود بداياتها إلى سوق الوراقين في العصر العباسي. عند دخولك الشارع تجد نفسك محاطاً بنتاج مختلف ثقافات الدنيا، ففي هذا المكان لا يباع ولا يشترى سوى الكتب، وتمتزج أعمدة وعمارة هذا الشارع مع رائحة الكتب التي تنبعث من زواياه وتفترش أرضه. ويبلغ طول شارع المتنبي الواقع في قلب العاصمة العراقية بغداد نحو 700 متر، ويمتد بين شارع الرشيد والضفة الشرقية لنهر دجلة في جانب الرصافة من بغداد، إن تاريخ "شارع المتنبي" يعود إلى أواخر العصر العباسي.

وماذا أحدثكم عن الأعظمية، المدينة الوادعة، أجمل مدن العراق، مدينة الإمام الأعظم أبى حنيفة النعمان والتي سميت نسبة لأسمه، حيث دفن فيها، هذه المدينة الهانئة تشعر كأنها تنام على ضفاف دجلة غير مكترثة بصخب وضجيج الحياة، ففيها الجمال والأصالة، كل ما فيها مميز، فكيف أصف ما رأته عيناي من جمالٍ ووداعة ليس لها مثيل، حتى مذاق طعامها مميز يختزنه المرء في وجدانه ولا يمكن له أن ينساه، وأما سكانها فهم من العرب الأقحاح لا لأصولهم بل لكرمهم وحُسن ضيافتهم وعلوّ مناقبهم وأخلاقهم، غمرتني سعادة كبيرة وأنا أتأملها ولكأني كنت فاقد شيء من جذوري ووجدته فيها، ومهما سردت وذكرت سيكون قليل، فعلا إنها عظيمة لا عجب أن اسمها الأعظمية.

أما جولتي في شارع الرشيد الذي هو ذاكرة بغداد وما حدث فيها، الشاهد الصامت على أهم احداث العراق، في يوم ما، كان شارع الرشيد، قبل أن تتوسع بغداد وتتمدد أطرافها، يضم قصور علية القوم في المجتمع البغدادي من مختلف الأعراق والأديان، يوم كان محلاً للسُكنى قبل أن يصبح المركز التجاري لبغداد ونشاطهاالاقتصادي، وتاريخ الشارع يشير إلى من قطنوه، وداخل حجارته العتيقة وإسفلته المشقق ومبانيه التي تفوح منها رائحة أزمنة جميلة ولّت ولم يبق منها سوى ذكريات ماضينا العظيم.

إلا أني حزين وكثيرا، فأن تمشي في شوارع كان لها بريقا وحكايات وشهدت كما ذكرت أحداثا كثيرة، كالإنقلابات والحروبوغير ذلك من أحداث، أن تكون مهملة، وأن تُباع أهم الكتب لأهم العلماء دون مكتباتٍ تتزين رفوفها فيها، فهي مصدر فخرنا وإعتزازنا وزهوّنا بعبق ماضينا وموروثتا وتراثنا الجميل.

 

وقفة مع الصالحين

 

أن تكون في العراق، أنت في حضرة الصالحين، فأعظم علماءنا ومفكرينا عاشوا ودفنوا في العراق، ومن أحد فصول رحلتي تخصيص الوقت لزيارتهم وقراءة الفاتحة على مراقدهم، أبدأ مع العلامة معروف الكرخي، هو أبو محفوظ معروف بن فيروز الكرخي، أحد علماء أهل السنة والجماعة، ومن جملة المشايخ المشهورين بالزهد والورع والتقوى، المولود 750 ميلادي، الذي قال وما أجمله من قول: "قلوب الطاهرين تشرح بالتقوى، وتزهر بالبر؛ وقلوب الفجار تظلم بالفجور، وتعمى بسوء النية"، كما زرت مرقد العالم أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الذهلي فقيه ومحدِّث مسلم، ورابع الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وصاحب المذهب الحنبلي في الفقه الإسلامي، المولود 780 ميلادي والمتوفى في العام 855 ميلادي، كان أحمد بن حنبل واحدًا من أئمة الهدى الذين ازدانت بهم القرون الهجرية الأولى، يلوذ بهم الناس حين تصعب بهم الطرق، وتتشعب بهم السبل، فلا يجدون إلا يدًا حانية، ونورًا هاديًا يأخذهم إلى جادة الطريق، ويلقي بهم إلى بر النجاة، ترك الإمام أحمد عددًا من المؤلفات يأتي في مقدمتها “المسند”، وهو أكبر دواوين السُّنّة؛ إذ يحوي أربعين ألف حديث، استخلصها من 750 ألف حديث، أما كتبه الأخرى فهي كتاب الزهد، وكتاب “السُّنّة، وكتاب “الصلاة وما يلزم فيها، وكتاب الورع والإيمان، وكتاب الأشربة، وكتاب “المسائل، وكتاب فضائل الصحابة.

كما وتباركت بزيارة قبر الإمام موسى بن جعفر، وهو موسى بن جعفر الكاظم أحد أعلام المسلمين، والإمام السابع عند الشيعة الإثناعشرية، والده هو الإمام جعفر بن محمد الصادق أحد فقهاء الإسلام، المولود سنة 745ميلادي، والمتوفى سنة 799 ميلادي، تولى الإمام موسى بن جعفر مقاليد الإمامة بعد أبيه الذي استشهد عام 148ھجري، في الشطر الأخير من حياة المنصور الذي توفي سنة 158ھجري. وعاصر أيضا الخلفاء الذين تلوا المنصور، وهم المهدي والهادي والرشيد، صاحب القول الجميل "عونك للضعيف من أفضل الصدقة".

وزرت قبر أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفيّ فقيه وعالم مسلم، وأول الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وصاحب المذهب الحنفي في الفقه الإسلامي، المولود سنة 699 ميلادي والمدفون في جامع الإمام الأعظم في بغداد عام 767ميلادي، أوّل ما توجّه إليه أبو حنيفة من علوم عصره هو علم الكلام، والعقائد، وأصول الدّين، حتّى برع في هذا المجال، وأصبح ممّن يُشار إليهم بالبنان.

لم تنتهِ رحلتي بعد، أن تكون في العراق يجب أن تستمر في معرفة العلماء ومآثرهم وبزوغهم في يوم من الأيام، حيث زرت أيضا مرقد السيدة زمرد خاتون أم الناصر لدين الله العباسي، والذي يسمى أيضا مرقد السيدة زبيدة، الأميرة أم جعفر زبيدة بنت جعفر بن أبو جعفر المنصور العباسية الهاشمية القرشية، ويقال إن أسمها أمة العزيز، أما سبب تسميتها باسم زبيدة فقد كان جدها المنصور يرقصها في طفولتها ويقول لها زبيدة أنت زبيدة فغلب عليها إسمالمداعبة، فغلب عليها ذلك الاسم وأصبحت تعرف باسم زبيدة وهي زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد. المولودة سنة 766ميلادي، والمتوفاة في سنة 831 ميلادي.

كما وزرت مرقد الشيخ الألوسي صاحب كتاب روح المعاني أعظم كتاب تفسير في عصره، محمود شهاب الدين أبو الثناء الحسيني الآلوسي، المولود سنة 1802ميلادي، والمتوفى 1854 ميلادي، وهو مجتهد، تقلد الإفتاء ببلده عام 1248هـجري، بموجب الفرمان السلطاني العثماني.

زرت أيضا، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الشهير بالإمام أبو جعفر الطبري، مفسّر ومؤرّخ وفقيه، ولُقِّبَ بإمام المفسرين، المولود سنة 830ميلادي، والمتوفى سنة 923ميلادي، المدفون في حديقة في الأعظمية ببغداد.

وزرت قبر ابن الجوزي عالم من العلماء الكبار، هو أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد القرشي التيمي البكري. فقيه حنبلي محدث ومؤرخ ومتكلم ولد وتوفي في بغداد. حظي بشهرة واسعة، ومكانة كبيرة في الخطابة والوعظ والتصنيف، كما برز في كثير من العلوم والفنون، المولود سنة 1116ميلادي، والمتوفى سنة 1200ميلادي. وزرت قبر أبو عبد الله حسين بن منصور الحلاج من أعلام التصوف المولود سنة 858ميلادي، والمتوفى سنة 929ميلادي، وزرت قبر أبو محمد عبد القادر بن موسى بن عبد الله، يعرف ويلقب في التراث المغاربي بالشيخ بوعلام الكيلاني، وبالمشرق عبد القادر الجيلاني، ويعرف أيضا ب"سلطان الأولياء"، وهو إمام صوفي وفقيه حنبلي، لقبه أتباعه بـ"باز الله الأشهب" و"تاج العارفين" و"محيي الدين" و"قطب بغداد"، المولود سنة 1078ميلادي، والمتوفى 1166ميلادي. كما وزرت قبر الجنيد البغدادي وهو أبو القاسم الجنيد محمد بن الجنيد النهاونديالبغدادي القوايري، المولود سنة 221هجري، والمتوفى 297هجري.

 

عتب شفاف

 

خلال رحلتي والزيارات الآنفة الذكر، ولست وحدي من لديه تلك الملاحظات، لكن بلد بحجم العراق المشرّف قديما وحديثا وتاريخه شاهد على كل ما أقول، إلا أن تاريخه مهمل القديم منه والحديث، فمعظم الأضرحة التي زرتها في غالبيتها مهملة، وغير مُعتنى بها إلا من أهل الخير والكرم للبعض منهم، هذا الأمر برسم كل العرب الذين يتغنون بحضارتهم وتاريخهم المجيد، فيفترض بأهل بغداد والعراق والعامة الاهتمام بهذا التراث فهو ليس ملك فئة بعينها أو طائفة بعينها، بل هو ملك للأمة الإسلامية كلها، إنهم ذاكرة الأمة ورموزها، فمثلا في إيران وبعد الثورة الإيرانية وسقوط نظام الشاه إلى يومنا هذا محافظين على قصره ومكتبه وكل ما يتعلق به ويزوره كل من يرغب للتعرف على الحقبة التي حكم فيها، فمن الحماقة تجاهل التاريخ بالإهمال وخاصة إذا كان من باب الطائفية التي تنخر في جسد الأمة وهي سبب الفتن ودمار أوطاننا، ودليلي على ذلك من خلال شطب التاريخ أن قبر الحارث المحاسبي البصري البغدادي الموجود في شارع المتنبي الآن في بغداد قد حوّل إلى قبر لأحد علماء المذاهب الإسلامية الأخرى نكايةً أنه من المذهب السني، فتم إحتلال مقامه ونسبه إلى آخر دون دليل أو إثبات أو وجه حق.

فآن الأوان من الجيل الجديد بأن يكون واعي ويقرأ تاريخه جيدا ويعتز بإرث بغداد العريق التي غزاها الأمريكي كان هدفه تدمير أوابدها وتراثها وحضارتها التي عمرها أكثر من10 آلاف سنة، هي بداية الإنسان وحضارته فكم من حضارة عاشت في تفاصيله من البابلية والسومرية والآشورية، نعم أيها السادة إن الحضارة إنطلقت من العراق، فآن أوان نبذ الفرقة والطائفية وأن نتجاوزها بكل عفونتها وأن نلتفت إلى الرموز والعلماء الذين خلدوا لنا الكتب والنظريات والأفكار التي لا زالت محل جدل إلى اليوم إن كانت فكرية أم فقهية، ثقافية أو أدبية وتاريخية، فعلى المسلم إحترامالمسيحي واليهودي والعكس، مع ملاحظة أني لا أقصد الصهاينة هنا، بل اليهود كدين سماوي، ويجب أن يكون هناك تبادل ثقافي والجميع يعرف ما له وما عليه، وأن تنشط السياحة الدينية للتعرف بهؤلاء العلماء ومؤلفاتهم لكي يعود العراق إلى الصدارة كما كان في العصر العباسي وأن يستقطب السواح والمثقفين من كل أرجاء المعمورة، وهذا يحدث عندما نهتم برموزنا ومقابرهم وليس فقط بوزارتنا ومكاتبنا وبيوتنا من الداخل، لننهض بموروثنا وعبق تاريخنا الجميل، هم من مراقدهم عاتبون علينا أن يصل حالهم إلى ما هو عليه اليوم، فدجلة والفرات حقا إنهما يبكيان عندما يعلمان عن هذا الإهمال، وأن لا نكون مثل هولاكو القديم وهولاكو العصر أي الأمريكي، لكي لا نشارك بطمس هويتنا العربية، لأننا إن فرطنا بها سنكون بلا جذور.

من الرائع أن تتمشى في شوارع بغداد وأن تتخيل كيف عاش كل هذا الكم من العلماء وكم سقط على أسوارها من الغزاة، لقد مشيت فيها مزهوا بأني عربي وبأنني في حضرة هذا التراث العظيم وهذا الإرث الغني، شعب العراق شعب طيب وكريم تعرفه من رائحة الشاي البغدادي إنه لا يزال متمسكا بموروثه ولا يحتاج منا إلا أن نسانده وندعمه، فقد عانى الكثير ولا يزال يعاني ويحتاج حقا أن يعوّض لأن العراق تستحق منا جميعا أن نقف معها وأن نحافظ على تراثنا بدءً منها وأن نبتعد عن المتاجرات الدينية لأن الزهو والفخر لن تعيشه حقيقةً إلا إن زرت بغداد الرشيد والمأمون ، بغداد أبيمنصور، بغداد لكِ منا كل الحب والإجلال.

المصدر: النهضة نيوز