صوتك " هو أنت الذي لاتدركه " .. لذا فكل نص " صوت " .. هو صوتك ، فــ كن أنت لتكون صوتك .. هذا هو جوهر الشعر ، وربما نقطة ارتكاز الأبداع .. لنقل " اني اظن ذلك " .. كي لا أقع في " فم من يظنون الفهم دائرة مغلقة حول غبائهم " .. لذا فكل " نصوص الحياة هامة " لأنها تحمل سمات من انجبوها بشكل ما ، الفرق هنا في ارتكاز الصوت ، في نغمته ، وفي نسيجه ، وفي مادته الأولية التي هي لغة وخيال وارتكازات المسافة والتناسق والتوزيع ، وربما لهذا يختلف الصوت ،وتختلف النبره ..  ولأننا نغرق في مرايانا .. فنحن احيانا اصداء رؤى تتناسل دون وعي ، وربما اكون انا الآخر دون ان اعي .. وربما اسقط في ثوب فكرة ما ، دون ان افقد أناي ولوني .. لكنني هنا.. اود ان أفتح نافذة .. لأرى امرأة مرآة .. وربما لأشم صوتا لم آلفه من قبل ، هذا الصوت هو " وليد براءات شعرية " قدرة على خلق المسافة مع الآخر ، جرأة النأي .. هكذا تكون تامة وواضحة ، هذه هي " أماني غيث " .. " القادرة على ان تكون هي " .. ذلك وربي كثير .. فلست ابالغ ان قلت " انا ابحث عني مذ تعلمت صياغة أنفاسي " وكذلك من اعرفهم .. فقط عليك ان " تنحي القداسة جانبا وتمضي " .. دعك من القلق ، فـ الشمس وحدها قادرة على رسم المشهد المختلف .. هكذا هو الشاعر ، القادر على صياغة الفرادة .. وأماني .. واحدة مختلفة ، انها ببساطة " جملة غير عادية في زمن اعتاد ان يغني ذات الإيقاع " .. لذا وقعت في " أسر ماتكتبه " .. لأن الدهشة " حياة اخرى " ... وجدت فيها بعض هذي الحياة .. فهي قادرة على كتابة وعيها بأبرة على خرز اللغة ، هي تفاصيل واخرى .. تشريح ممعن الدقة في تأمل المشهد ، في تحليله ، في الغوص بعيدا في تداعياته ، وصولا الى جوهره .. وهذا لايأتي دفعة واحدة .. خطى في الظلام .. هكذا تمشي بأنفاسها على السطر ، تتحرك وفق وجيب دقيق للقلب والفكرة ، هي تكتب بالتأمل ، تكتب بحجر لالون له ، لذا تحك جلد اللغة كثيرا بحثا عن " مالاتعرفه ".. ومن هذه اللامعرفة ، تولد لغتها البكر  
"  قد تكبر ايضا.. الى ان تتوقف ثيابك عن نموها ، لتتركك تكبر وحدك " .
بهذه الجرأة تأتي المعنى ، جارحة تلك الدوائر حول اسئلة العمر ، وعابرة كل مايتركه الجسد من ظلال على الثياب التي تغادره ، انها تريد أن تمنح اللغة طاقتها الكاملة ، دون ان تنتزع لونها الذي نعرفه .. اهي " أعادة تدوير " لذا فهي تجسم الفعل ، لتمحنه افقه الذي يشعرنا به 
" أنام كذئب واترك عيون قصيدتي مفتوحة " .. ربما هذا هو الحال ، امتصاص التفاصيل ، تقشير زوائد المعنى ، للصعود الى الفعل ، ليس شيئا غير مانعيه ، لكنه الوعي المختلف ، العميق ، المثير ، الممعن في قراءات الحواشي ، وتشرب الضوء والظل ، والأحاسيس ، محاولة لرؤية اللحظة الصغيرة بمكبرات التأمل ، لتجسيم جسد الروح في تلك اللحظة ، هو قطع حاد ، كما في السيناريو .. لاتمرير للمزج ولا انتظار لآلية الفعل الأعتيادية لتنمو ، بل دم على فم المعنى ليكتمل الموت ... 
" انا كنت أشرب الكلمات ، الوكها جيدا تحت اسناني ، تحت جلدي ، اجعلها تبللني ، تغسلني ، كنت استحم بالنصوص الجميلة ، بالشعر ، بالنثر ، بالموسيقى ، بالقلق العظيم ، بالعزلة الشهية ، بالعشق "
هكذا ترشدنا الى ماتفعله هذه " الأماني " .. تحاول ان تجعلنا شهودا على خلاياها التي تكبر بفعل التأمل العميق ، والنحت وتجوال النمل في قلق الرمل .. 
" لم أك أقرأ .. بل كنت اشعل الأوراق وادخلها في أنفي " .. 
اذن هي القراءة الماصة للمعنى ، لتشابك الرسم وانتصاب الكلمة ، انها تذوب الحبر ، ليصغي ، ليحترق ، ليعيد بناء نفسه ، بعيدا عن الولادات الطبيعية ، تماما كما تلد الغزالة شجرة ، او كما يولد العطر خطى ... 
لاتكتب أماني غيث لتشرق في الشهرة ، بل تكتب لتتنفس ، لتحيا ، لتجد تلك الطفلة ، وتلك الأنثى ، وتلك الأم ، وتلك الإبنة فيها .. انها تحاول تكرير الأدراك ، تقطير لحظاتها العابرة ، امتصاص تلك النقمة التي كانت في جملة غير رشيدة مثل : 
" كم حلمت أن أقتل أبي " .....
الأب الذي كان ، وصار ، لتعود تدوٍر ذاتها الى " الأب " .. هي تضع اسئلة مررنا عليها ، دون ان نمنحها اهتماما ... لتعيدنا الى مانألفه ونظنه خارج الشعر ... لذا هي صوت يملأ فراغات ماتركناه ، وظنناه خارج منطقة الشعر ، انها تجعل من موضوعة " الحضانة " مثلا فعلا شعريا هائلا .. تضعه في اطار الصور المتلاحقة ، المجسمة ، الدالة ، لتصل الى اقصى حدود الصرخة .. التي الصرخة التي سقطت سهوا من نصوص النساء الشاعرات ، انها تعيد الأمومه الى النص الشعري ، بعطرها ، واسئلتها ، وحنانها ، وتفاصيلها الدقيقة التي لاتجدها في نص آخر .. 
اماني غيث .. امرأة بزمن مختلف تماما ، شاعرة من طراز خاص ، لم أعتقد انها ستمطرني بكل تلك الأسئلة ، لكنها فعلت ... 

أحمد هاتف


 نصوص لأماني غيث
......

ارحموا الأرحام. ( منشور غير شخصي) 
-------------------------------------------------
الطفل الذي تأخذه مني  الآن 
بدأ حياته في داخلي، جعلني أتقيأ وأكره الطعام لمدة ثلاثة اشهر، كان يسبب لي الكثير من الآلام وشعورا بالكسل ورغبة دائمة في النوم 
كان معي ، وكنت أنت حين تريد أن تراه،  تضع يدك على بطني كي تسمع نبضه
الطفل الذي تأخذه مني الآن 
جعلني أخسر بعض اسناني وأفقد الكثير من شعري جعلني أسمع طقطقة عظامي و أُصاب بفقر دم حاد ، كان يركلني بشدة وكنت أنتظر قرابة نصف ساعة كي يتوقف نزيف فمي كلّ صباح
الطفل الذي تأخذه مني الآن 
سبب لي تورماً وانتفاخا في قدمَي واوجاعاً في ظهري جعل وجهي يشيخ قبل أوانه وبقيتُ أحميه تسعة أشهر إلى أن حان وقت مجيئه   فسبب لي جرحا كبيراً وقطباً كثيرة ما زالت تؤلمني حتّى الان
الطفل الذي تأخذه منّي الآن 
كانت توقظني آلام مغصه طيلة الليل وكنت أطفّئ حرارته بكمادات ، كان ينام على ذراعي بينما كنتَ أنتَ تهرب من صوته إلى الغرفة الثانية  متذمراً وتقول " أسكتي ابنِك" 
الطفل الذي تأخذه مني الآن 
أطعمته مني سنتين، كان يرتجف حين أشعر بالبرد ويبكي حين أحسّ بالألم ويتأثر بنوع طعامي بمزاجي ومشاعري،
وحين بدأ يحبو كنت ألحق به كي احمي فمه من القطع الصغيرة وحين علمته المشي صرت أركض خلفه كي لا يؤذي نفسه بالأشياء الحادة وكنت أتحمّل فوضاه حين كان يحوّل البيت إلى معركة 
فيما انت كنت تغلق أنفك حين تشم رائحة أوساخه فتأمرني "غيّري لابنِك "
حرمت نفسي من أصدقائي، من ثياب نظيفة، من فساتيني الضيقة،  من احذيتي العالية،  من وقت للراحة،   من نومي،  من حريتي،من جسدي الرشيق الذي صار مترهلا ومتشققا، سنوات قضيتها وانا  اقوم بكل شيء بيد واحدة ، حتى يكبر 
الطفل الذي تأخذه مني الآن 
أحفظ كل علامة في جسمه و أذكر مواقيت لقاحاته ومتى ظهر كل سنّ من أسنانه ، أعرف عوارض حزنه او فرحه، 
الطفل الذي تأخذه مني الآن 
نطق كلمته الاولى فكانت " ماما" و في أول يوم له في المدرسة حين أوصلناه انا وانت، كان يصرخ باكياً" أماما"،  وفي كل الحفلات التي كان يرقص فيها، كانت عيناه تبحثان عن عينيّ انا، وكنت أسمعه كلما رأى مناما قبيحا يصرخ" ماما " وحين يمرض كان يهذي ويقول "ماما"

الطفل الذي تأخذه مني الآن 
صار كبيرا 
لدرجة أنه لن يزعجك ولن يتعبك
فصار" ابنَك" انت، " ابنَك " وحدك
وجئت تأخذه الآن
........
********

نصٌّ أحدث من اللازم 
----------------------------
يوماً بعد يوم
سينقص منك الكثير من الفرح والكولاجين
الأصدقاء الجريئين 
الجينز وسماعات الأذن ، 
ستصغر عيناك وتصبح رؤيتك للأشياء أكبر وأعمق، أوضح 
قد تكبر ايضاً،
إلى أن تتوّقف ثيابك  عن نموّها
لتتركك تكبر وحدك،
شعرك الذي فوق رأسك،  سيخذلك  
تماماً كالرفاق، الذين يتساقطون ، قناعاً فقناع، 
ستزداد السطور على صفحة جلدك وقد تلمح النقاط  والنمش  تلك البقع  التي يرشقك بها حبر العمر ، أينما كان ،  فيك
ليس هذا كل شيء
سيقطّب الألم ألف جرح في جسمك وتجاربك  
وتجدك تحكي الحكم والقصص والعظات للأصغر منك 
وهم  يسمعونك مجاملة ومرغمين، كي يجربّوا لاحقاً كل شيء مثلك تماماً، بأنفسهم،
ستخسر  أسنانك إلّا الاصطناعية منها  وتترهل الكثير من الاماكن فيك 
بشرتك ، شجاعتك، احلامك،
الأحزان التي تدخرها منذ عمر فوق ظهرك، 
ستصبح أثقل فأثقل إلى أن تجعله يتقوّس بالكامل ويؤلمك،
سوف تميل إلى الهدوء والعزلة، وتفضل أن تستمع إلى أغنيات نجاة الصغيرة وموسيقى عمر خورشيد، سيصبح " الدنيا هيك" مسلسلك المفضل، وقد تتفاجأ بأنك قد تشاهد نفس المشهد  لأكثر من عشر مرات او أن تحكي القصة ذاتها وتكررها للشخص  نفسه دون أن تنتبه لذلك ، قد تغدو مملّاً فيتهرّبون من نكاتك البالية والقديمة ولا يدعونك إلى مشاوير العائلة 
وقد تلاحظ انّك لن تستمع إلى تسجيل صوتي دون أن تلبس نظاراتك
 سوف تفضّل أن تعيش في القرية،  وقد تعني لك رؤية عصفور يلملم القش أكثر بكثير من تلك الجميلة التي تتمايل بكامل أناقتها فوق رصيف الشهوة  الّذي ما عاد يسلكه ما  تبقّى من قدميك
ستكثر ادويتك ونباتاتك وذكرياتك
ضحكتك ستغدو نادرة، قهقهاتك شبه معدومة، وآهاتك فقط هي  ما يتنفّس به صوتك 
لن تقول بعدها غداً وسوف
الدرج الذي كنت تركضه بثوانٍ ستتذمر منه ركبتاك
قد تُلبِس خطواتك المتبقيّة عكازا  وتصبح عاجزا ومقرفاً بعيون أولئك الذين كنت تنظّف لهم الأوساخ حين كانوا عاجزين وضعفاء مثلك انت الآن لكنهم نسوا كل ذلك

ستصبح الصلاة رفيقك الوحيد الذي لا يدير وجهه عند سعالك
ولن تجد غير الله صديقاً  لا يُسكتك ولا يقاطعك حين سؤالك

ستصبح كل هذا ، وحيدا وحزينا وعبئاً على هذه الحياة إلى ان تتعب منك فتلفظك من فمها الضخم كما يفعل طفل بلقمة مالحة.