كما هو معلوم، ثمّة حاجة ملحّة للتعبير عن النفس في داخل كل إنسان، من أجل إيصال رسالة ما إلى إنسان آخر، أكان التعبير بالكلمات والصوت أي بالنطق، أو بلغة الإشارات لمن فقد النطق، أو بلغة الصمت المقصود الواعي، أو بكتابة الكلمات الصامتة شعرا و/أو نثرا، أو بحركات اليدين وتعابير الوجه والعينين وكل الجسد كما في الرقص، أو بفنّ الرسم، والنحت، والموسيقى. التعبير عن النفس بهدف إيصال رسالة إلى الإنسان الآخر، يعني أنّ الإنسان نادرا ما يكتب من أجل إرضاء نفسه فقط، مكتفيا بالتعبير من أجل التعبير بحسب فذلكة "الفنّ للفنّ"، أو من أجل التنفيس عن كربة، أو وعي ذاته ووعي معنى الحياة لتخطّي محدوديّة ذاته، ولمجابهة مشاكل الحياة، دون الإكتراث بالإنسان الآخر في الوجود، وإشراكه في خبرة الوجدان الذاتية واكتشافاته. إذْ إنّ حبّ الحقيقة وحبّ الخير للآخرين، يحدو بمن يكتب أو يعبّر بشتى الوسائل عما يكتنز في نفسه، إلى مشاركة الآخرين اكتشافاته في كافة حقول المعارف الإنسانية، لعلّ فيها لهم إفادة علميّة وإجتماعية ونفسيّة وروحية ومعنوية وأخلاقية وسلوكية. 

               سوف نحصر موضوعنا، هنا، في مجال مقاربة ونقد مجتمعنا اللبنانيّ. إن محاولتنا هذه لها هدف بنّاء. إنها صادقة في تشخيص مشاكلنا، وفي إيجاد حلول لها، من خلال نشر الوعي، ونشر ثقافة الثورة على الذات، في أذهان وقلوب شركاء الوطن، إن هم قرأوا واستقرأوا وفهموا ما نكتب، وأنصتوا إلى نداء الوعي والثورة، وباشروا بتلبية النداء.

               حين نحاول، بالتفكير والكتابة، مثلا، مقاربةَ أوضاعنا النفسية والإجتماعية والتاريخية والأخلاقية في لبنان، لا يمكننا إلا أن نتحدث عن السياسة (أي الساسة) كمحرّك أساسيّ وكموجِّه لنشاطات الشعب ومصيره. السياسة هي تقرّر وتحدّد حاضر ومستقبل أوضاعنا ووجودنا (الأمن، الإزدهار، التربية، الصحة، بيئة نظيفة، إلخ...). إن الساسة هم الذين يسوسون الناس ويقودونهم بحكمة (بحسب معنى الفعل "ساس" القوم أي أدار شؤونهم). والسياسة، بمفهومها اللغوي والأخلاقيّ هذا، ترتبط، بكل بساطة، بهؤلاء الساسة المسؤولين عن قيادة وتنظيم حياة الشعب من أجل خدمته، وازدهاره، وإسعاده، وحماية وجوده. كل شيء مرتبط بهم، على قدر ما يبذلونه من جهد في مجال الإستجابة لحاجات الشعب الحياتية والمصيرية.

               لذلك، نحن، كمواطنين صالحين، محبّين ومخلصين لشعبنا وأرضنا، نتابع دائما تحرّكات ساستنا لنعرف ماذا يقولون، وماذا يفعلون، وماذا ينتجون. من ثمارهم نعرفهم، لا من كلامهم المعسول. ثم نطلق حكما عليهم. ننتقدهم بموضوعية، وبروح بنّاءة، بغية حثهم على إصلاح خطأهم إن هم أخطأوا، ونمدحهم، ونُهنِّئُهم، ونشجّعهم على المزيد من العطاء، إن هم أجادوا التصرّف.

               في الحقيقة، هذا هو جوهر مهنة الإعلاميين بأسمى وأرقى وجوهها، نحاول أن نأخذها على عاتقنا، ولكن بشكل مستقلّ تماما عن أي انتماء أو تأثير سياسيّ أو عقائدي أو ماليّ، وممارستها بتجرّد وصدق، كرسالة مقدّسة في خدمة الحقيقة والتبشير بها، نابعة من القلب، لا كمهنة أسيرة للتمويل المُغْرِض كما هي الحال في الواقع الغالب، المسيطر، عندنا (وفي كل مكان) في دنيا الإعلام والإعلاميين.

               إذا، يصبح للكتابة، هنا، بالإضافة إلى كونها حاجة شخصية للتعبير، دور ورسالة وغاية من أجل نشر الحقيقة، وخلق الوعي، وتحقيق الإصلاح. الإنسان الآخر في المجتمع الواحد، يصبح هو المِحوَر، لا الذات الأنانية. الكاتب الصادق، الشجاع، يخرج، بملء إرادته، من شرنقة ذاته الضيّقة إلى فضاءات "الآخر" الرحبة، يحمل همَّه، ويُنيرُ دربَه بنور الحقيقة. "الآخر" هو السياسيّ، وهو أيضا الشعب. الكاتب يصبح صاحب رسالة. يصبح مسؤولا عن توعية وإسعاد الآخرين من شركاء الوطن. يخدمهم بإعلان الحقيقة ومشاركتهم إياها، بعد قراءة صحيحة وموضوعية وعميقة للواقع الإنساني في الوطن الواحد لبنان.

               غير أنّ ما يصدمُ ويؤلِمُ الكاتبَ الرصين، غيرَ السطحيّ، محبَّ الحقيقة ومحبَّ شركائه في الوطن والإنسانية، هو تجاهل معظم من يوجه كلامَه ورسالتَه إليهم من سياسيين وشعب، لرسالة نشر الحقيقة. قليلون يقرأون ما يكتب. قليلون يفهمون ما يكتب. قليلون يتبعون النصيحة إن كانت لخيرهم. وقليلون هُمُ الذين، إن لم يوافقوه الرأيَ، ينتقدون أفكاره بروح موضوعية، بنّاءة. وينتهي به المطافُ وكأنه يكتب لنفسه فقط.

               هنا، يعيش الكاتب صراعا عنيفا في نفسه بين كمال مثاليته الذي يدفعه دفعا إلى إشعال ثورة الحق ضدّ الباطل في نفسه أولا، ثم في نفوس الآخرين، وبين الواقع الإنساني العصيّ على التغيير، وهو واقع معظم الناس من كل الأعمار والطبقات، الذين لا يتجاوبون مع نداء ثورته، والذين يفضّلون، في الحقيقة، وتجنّبا لأيّ مجهود فكريّ، سهولة القراءة السريعة للنكات والأبراج وعناوين الأخبار والفضائح عن نجوم السياسة والفن المثيرة، على قراءة رصينة تجعلهم يواجهون أنفسهم في مرآة حقيقتهم غير الجميلة، وتجبرهم جبرا، إن هم تواضعوا واستسلموا لها بشجاعة ووعي، على التركيز الطويل الأمد، والتفكير المتواصل المستمرّ، حتى بعد الإنتهاء من القراءة، وتجبرهم على مواجهة ضعفهم النفسيّ، ومن ثمّ على القيام بواجب محاولة التخلص، المؤلمة لكبريائهم، من هذا الضعف. إزاء هذا الواقع المُحزِنِ والمُحبِط، يبدأ الكاتب بطرح أسئلة مؤلمة، على نفسه، حول معنى الكتابة وجدواها.

               في هذا الجوّ المفعم بالحيرة، والذي يُغْرِقُ الكاتبَ فيه، تَفرُضُ الواقعية عليه أن يعيَ أمرا مهمّا جدا. هذا الأمر هو حقيقة مؤلمة للكاتب الصادق، لا يمكن تلافيها أو تجاهلها أو نكرانها. الحقيقة هذه، على بساطتها، يصعب قبولها وهضمها في البداية. إنها عدم القدرة عند معظم الناس، لأسباب جسدية و/أو نفسية في بنية الكائن البشري، ولحكمة نجهلها، على الصمت التام من أجل الإصغاء الصبور، وعلى الفهم العميق، وعلى إصلاح أنفسهم، بالسرعة التي يشتهيها الكاتب المثالي. لذلك، على الكاتب الذي تشتعل في نفسه نيران الثورة، والمتحمس جدا لإشعال نفوس الآخرين بنار ثورته، وخلق وعي جديد في قلوب وعقول قارئيه، وتغيير الواقع نحو الأفضل، أن يتواضع بدوره ويُقرّ ويَقبل، ولو مُرغَما وبعد حين، بأنه عاجز عن إحداث هذه المعجزة، بسرعة البرق، مهما بلغت قدرته على التفكير والكتابة والإقناع.

               ليس بالمسألة السهلة التخلص من جوّ الحيرة هذا وجوّ الشعور بالعجز. فالكاتب يمرّ حتما، ولو مؤقتا، في ألم تجربة الشكّ بنفسه وبرسالته، وتجربة القرف من الناس، ومن القراءة والكتابة والتفكير. وبإلحاح كبير، تنهال على رأسه الأسئلة التالية، وهو يتذكر (دون أن يغرق فيها)، زَبَدَ أمواج التقدير والمديح والتصفيق التي تغمره به، بشكل مؤقت، عابر، قلّة قليلة من القُرّاء:

               لماذا ولمن أكتب؟ هل هناك أي جدوى وقيمة ومعنى لما أكتب؟ هل من سبب لمتابعة الكتابة؟  

               لقد جاء كُتّاب كثيرون من قبل ورحلوا. يمرّ على ذكرهم وتقديرهم واحترامهم والإستشهاد بهم قلة قليلة من الناس. في الواقع، حتى اليوم، وبعيدا عن رومانسية المقولة بأن الأفكار تدير العالم، من يدير العالم والتاريخ؟ هم حفنة من الأثرياء الكبار الأشرار، صناع الحروب وتعاسة البشر، لا الفلاسفة ولا المفكرون ولا القديسون ولا العلماء. أجل، إن الأفكار تدير تاريخ هذا العالم. هذا صحيح. غير أنها الأفكار الشريرة. إنهم الطغاة الطماعون، المتكبرون، القساة القلوب، الغلاظ العقول، الذين يطيب لهم إساءة فهم واستعمال فلسفة القوة والحكم وأفكار العلماء واكتشافاتهم، ويدمّرون الشعوب من خلالها، ويستعبدونها، لتثبيت عروشهم. وهل العالم اليوم، يا ترى، أفضل من أمس؟ لا. الشرّ (حقد، طمع، حروب، فقر، جوع، دمار، عبودية، أمراض، موت...) يزيد، ويستقوي، ويسيطر، وتعاسة الشعوب تتفاقم، وثروات وسعادة القادة وحدهم مع حلفاء المال في ازدهار دائم. الأفكار الشريرة هي، إذا، التي تدير العالم والتاريخ. رغم كل ذلك، تبقى القلة القليلة المؤمنة بقوة الخير، وبغلبته الأخيرة على الشرّ، مستمرّةً في صراعها المرير، البطيء، شبه المستحيل وشبه اليائس، ضدّ قوى الشرّ.

               لشدّة صدقه، ولشدّة براءته وتواضعه، ولشدّة إخلاصه لرسالته في نشر الحقيقة، وإنارة الطريق لكل طالب نور، لا يمكن للكاتب المثاليّ إلا أن يتابع مسيرته الصعبة، المُضْنِيَة، حتى ولو لم يقرأه أحد. إنه يقرّر، بمحبة وفرح، أن يرميَ البذار الجيّدة حتى في وجه الريح، وفي كل تربة. ولا بدّ للبذار الجيّدة الحيّة أن تتلقفها بلهفة، وشغف، وعطش، تربة روح صالحة، فتحضنها في أحشائها وتجعلها، عاجلا أم آجلا، تنبت، وتنمو، وتعطي ثمارا جيدة قد أنضجها ولوّحها نور شمس الحق.

               ولكن، لمن يتوجّه الكاتب بكتابته وبأي أسلوب يكتب، في مجتمع متعدّد المذاهب والطوائف والأمزجة والثقافات والمشارب والطبقات، مجتمع يتكلم بلغة واحدة ولكنه يختلف حول تفسير مفرداتها، مجتمع لم تعدْ فيه ممارسة القراءة الواعية، المتأنّية، أمرا مُستَحبّا ومفيدا إلا من قبل قلّة قليلة من النُّخَب الفكرية والروحية؟

               يكتب الكاتب لكلّ من يحبّ ويستطيع القراءة، ويتحمّل الصمت والتفكير ووحشة البعد النفسيّ عن جنون وضجيج العالم، ويتقبّل الحقيقة.

               يكتب للشباب، وهم، في طور النموّ، يفتشون عن الحقيقة، ويضجّون بالحياة وروح الثورة، وتحرّكهم الأحلام والآمال الكبيرة.

               يكتب لكل الناضجين بالعمر والخبرة والشخصية، لإضافة وخلق المزيد من الوعي الجديد فيهم.

               بالمختصر، يكتب لكل العقول والأمزجة رغم كل الإصطفافات السياسية، والحزبية، والدينية، والمذهبية شبه النهائية في الوطن اللبناني، حيث التجاوب الإيجابي الذي يدوم مع آراء الكاتب، نادر.

               وما عساه يكتب الكاتب، وبأيّ اسلوب يكتب؟ وما هي هذه الحقيقة التي لا ينفكّ يكرّرها على مسامع القرّاء، شعبا وسياسيين، بنيّة التأثير عليهم، وقلب تفكيرهم وسلوكهم رأسا على عقب؟

              من البديهيات المعروفة أنّ من يقول للناس الحقيقة (البشعة)، كما هي، عن أنفسهم، بصدق ووضوح وبساطة، ولو قالها بمحبة وبنيّة طيّبة، من أجل تنبيههم وتوعيتهم ومساعدتهم على إصلاح أنفسهم، لا يأمن دائما من ردّة فعلهم المعادية والشرسة. حين يجرؤ أن يقول الكاتب للناس بأنهم، مثلا، لا يحسنون اختيار ممثليهم في الحكم، وأنهم يكرّرون انتخابهم رغم كل الأذى اللاحق بهم، وأنهم لا يحاسبونهم أبدا على أدائهم السيّء، ماذا يعني بذلك؟ إنه، بكل بساطة، اتهام فاضح للناس بأنهم جهلة وأغبياء وجبناء، وهي إهانة كبرى، لا تُغتَفَرُ، لعنفوان الناس "الشخصيّ" و"العائليّ" و"القبليّ" و"القوميّ" و"العرقيّ" و"المذهبيّ" و"الطائفيّ". إنه عنفوان أنانيّ، تافه، سخيف، لا عنفوان وطنيّ حقيقي. والناس لن يتقبّلوا أن يقول أحدٌ حقيقتَهم دون تملّق ومواربة، ولن يقرّوا بها، وسوف يهاجمون الكاتب "الوقح" بنظرهم، بالكلام النابي والإحتقار والتحدّي، ويحقدون عليه. وإن أقرّوا بها فعلى َمضَض، ويختارون سلوك طريق السكوت الغاضب والإجترار الحاقد، والتغاضي عنها وتناسيها، وتجاهل قائلها. ثم تراهم يعيدون تكرار الخطأ عينه إلى الأبد، لا بل فهم يورثونه أولادهم وأحفادهم من بعدهم.

               وحين يجرؤ أن يقول الكاتب للسياسيين بأنهم، بسبب أنانيتهم وتضارب مصالحهم الشخصية لا الوطنية، وتناتش حصص الحكم والصفقات، يفتعلون ويطيلون، عمدا، الخلافات والمشاكل والأزمات في الحكم، وحفلات الهجاء والشتائم المستمرة، ونفخ الأحجام والأوزان (خلال مراحل تأليف الحكومة، وتقاسم الحقائب الوزارية الدسمة وتصنيفها بين سيادية وخدماتية)، ومسألة التخلص من النفايات والتلوث والأمراض، وحلّ مشكلة الفقر والطبابة وغلاء المعيشة والبطالة وضمان الشيخوخة والكهرباء والمياه، واستخراج النفط والغاز من بحر لبنان... 

               وحين يجرؤ أن يقول بأنهم يكذبون على الشعب، ويخدعونه، ويختلفون ويجرّون ازلامهم وراءهم ويقع ضحايا، ثم يتصالحون ليعودوا إلى خلافهم من جديد، ويستدينون المال بإسم الشعب ومن أجله ويخفون هذا المال ويتساءلون أين اختفى، ويثقلون كاهل الشعب بزيادة الضرائب وغلاء المعيشة ويطلبون منه أن يتحمل ويضحي وحده من اليسير الذي يكسبه (أما هم فلا)، ليمرروا موازنة ظالمة للشعب وحده كالمعتاد، مهما ادعوا عكس ذلك، ويملأ الخزينة التي أفرغها وسرقها شبح الفساد المجهول ثم اختفى عن الأنظار، ويستغبونه، ويهملونه، ويحتقرونه، ويذلّونه، ويبيعون كرامته وإرادته لحكومات الخارج، ولا يستحون، ولا يندمون، ولا يتوبون، وأنهم، مقابل كل ذلك، لا يتورّعون عن تجميع الثروات، وبناء القصور والقلاع، وبناء الجيوش الصغيرة لحماية أنفسهم فقط ضدّ منافسيهم في الحكم والزعامة، أو حتى ضدّ طائفة أخرى، لا لحماية الشعب اللبناني بأسره ضدّ أعدائه الكثر، خاصة ضدّ العدوّ التلمودي العنصري ومخلوقاته الإرهابية الهجينة...

               أجل، حين يقول الكاتب كل ذلك، ماذا يعني؟ 

               يعني أن ساسة من هذا النوع هم ساسة أنانيون، متكبرون، مغرورون، وقحون، عديمو الأخلاق، عديمو الإحساس والتفكير، تافهون، جبناء، وأن الكاتب يتهمهم بالخيانة العظمى للشعب والوطن، وأنهم يستوجبون المحاكمة. وهو على يقين بأنه لن يكون أبدا محبوبا من هؤلاء السياسيين الوقحين، المتسلّطين، المخادعين، السفهاء، السخفاء. وهو أيضا على يقين بأنه سيكون قي أية لحظة عرضة لانتقامهم منه. أوَليس ثمة في لبنان، وطن إشعاع الحرف ونور الحضارة كما ندّعي، من يزال، حتى اليوم، من أباطرة السياسة، يتكلم، في لحظات طويلة من السكر، سكر الكبرياء والغرور والعظمة والغطرسة والتبجُّح، عن "تحليل دم" من ينطق، ضدّه، ولو بالحق، أو عن التهديد بإنزال أزلامه المسلحين إلى الشارع تحدّيا لمن يعاكس سياسته؟ لا لزوم لأن نذكر، هنا والان، الإعلاميين والمفكرين اللبنانيين الذين استشهدوا، منذ الاستقلال حتى اليوم، بسبب صدقهم ونزاهتهم وجرأتهم في قول الحق وممارستهم لحرية التفكير والتعبير.

               إذًا، ليس بالأمر السهل على الكاتب الصادق، الشجاع، الحرّ، أن يكتب ويقول الحقيقة. حتى النقد البنّاء مرفوض من معظم أعضاء المجتمع الذين يخاطبهم. ولكنّه يختار أن يكتب بوحي الحقيقة، رغم كون كتابة من هذا النوع، كما يسمع من الكثيرين وكما يعرف جيدا، لا تطعم خبزا، ولا تعالج فالجا، بالإضافة إلى كونها مجلبة للتهديد ولخطر الإنتقام الكلامي والمعنويّ، أو حتى الإنتقام الجسدي، كما يحصل احيانا مع من تجرأ وانتقد أحد الزعماء. الكتابة بالنسبة له، تصبح، رغم كل المخاطر ورغم عقمها المالي، رسالة تحمل في قلبها رهبة الواجب وخشوع القداسة وحلاوة الإستشهاد، لا مهنة وَسِخة، مُذِلّة، مرهونة لمشيئة آلهة المال والنفوذ والكبرياء والباطل والنفاق والغدر والعنف والتفاهة.

               وفي غيرته الشديدة على أداء رسالته على أكمل وجه، لا يخفى أبدا عن بال الكاتب الصادق، الشجاع، الحرّ، المتواضع، بأنه لن يكون من السهل عليه أن يغيّر رأي أحد ولا سلوك أحد، وبالسرعة التي يتمنّاها، في بيئة إنسانية غير حساسة، وغير واعية، بالفطرة والوراثة والتربية، وبالتالي رافضة لسماع أية حقيقة تزعج استئناسها اللذيذ بعاداتها وتقاليدها، وسلاسة سير حياتها، وتوقظها من دغدغة حلم وَهْمِ العظمة والكمال الجميل، ومن سبات مريح لا مجهود إرادة فيه، ولا مجهود عقل، من أجل الإنتفاضة على الذات وبدء مسيرة التطوّر والنموّ والتحرر، ومن أجل الجهاد المتواصل في سبيل إحقاق الحق.

               إن الطريق السهل الذي يمكن لأي كاتب غير صادق، وغير شجاع، وغير حرّ، ان يسلكه، إن هو أراد تأمين عيشه، وثروته، وشهرته، وراحة باله وطول العمر، على حساب الحقيقة وكرامته الشخصية، وكرامة شعب غير مبال وكرامة وطن قد أفرِغ من معانيه الجميلة ويكاد أن يصبح وهما، أجل، إن الطريق متوفّر هذه الأيام بسهولة فائقة، وهو أن يتملق الكاتب أصحاب رؤوس الأموال في الداخل والخارج ويسخّر نفسه وقلمَه لخدمتهم، فيصبح بوقا فارغا مدويا لهم، يروّج لسياساتهم الخاطئة، الفاسدة، الظالمة، ويستر عوراتهم ونواياهم الحقيقية الشريرة، ولا يكفّ عن شكرهم مع كل إشراقة وغروب للشمس، على فيض نعمهم وخير العمل، والتسبيح بعظمة كرمهم وأخلاقهم وحكمتهم، ويدعو "المؤمنين" إلى إقامة طقوس العبادة والسجود لأصنام آلهة المال والقوة. وفي الوقت عينه، يمكنه أن يكذب على الشعب ويخدّره ويقول له كم هو عظيم هذا الشعب، مصدر السلطات، وصوت الله على الأرض، وكم هو عظيم في تاريخه المجيد وحاضره المزدهر ومستقبله الواعد.

               ما نتيجة كل ذلك وخلاصته؟

               الكاتب الذي تشتعل في نفسه نار الحقيقة والصدق، والمشتاق إلى إشعال نفوس الآخرين بهذه النار، وغير اللاهث وراء أمجاد باطلة، لا يمكن أن يتهرّب من رسالته هذه، مقابل ذهب الأرض كله. إنه، دون أي تردّد، يقرّر المثابرة العنيدة في محاولته نشر الحقيقة ولو آلمتْ غرورَ وكبرياء الآخرين، وأشعَلَتْ غضبهم وحقدهم عليه. وسيظلّ يشخِّص الداء الخبيث، المتجذّر في النفوس الجاهلة، المتعصّبة، المتكبّرة، ويحذّر من مخاطره القاتلة، وسيظلّ يصف الدواء الناجع الوحيد للتخلص من هذا الداء الخبيث، ألا وهو الوعي، وإرادة الثورة على الذات الخاملة، الكسولة، وعلى الظالمين، ولو لم يلقَ آذانا صاغية. إنه لا يكتفي فقط، ولا هو يتلذّذ، بفضح وهجاء النقص والبشاعة والشر في الآخرين، من أجل إهانتهم وإذلالهم وإغضابهم. إن همّه الوحيد هو، بعد تشخيص الداء المتفشي في معظم نفوس الشعب والمسؤولين، وصف العلاج لهذا الداء المزمن الذي أدّى، خلال زمن طويل، إلى الفشل الذريع، المتمادي، المستديم، في خلق حياة كريمة آمنة، مزدهرة، هانئة، سعيدة، للشعب اللبناني. إن غاية الكاتب الصادق، المخلص والوفيّ لأبناء وطنه، هي الشفاء العاجل، الكامل، الدائم، لهم، من هذا الداء، إن أمكن ذلك، بواسطة معجزة الوعي النيّر لحقيقة واقعهم البائس، التعيس، اليائس، المزري، ولسبل التخلّص منه، وبواسطة معجزة الإرادة القوية الشجاعة من أجل المباشرة فورا بعملية التحرّر، بنشر كلمة الحق في الإعلام، وبالتظاهر السلمي في الشارع، وبالإختيار الحرّ، في صندوق الإقتراع، لأكبر عدد ممكن من ممثلين صالحين في الإنتخابات القادمة.

               إن مشروع الوعي ومعرفة الذات والحقيقة، والتحرّر، الذي يأخذه الكاتب أو المفكر الصادق والشجاع على عاتقه، إنما هو مشروع ثورة سلمية متطهرة من الحقد، يتوق الى إشعالها في نفوس أبناء الوطن الواحد، المنازع، لبنان، لتصبح مسؤوليتهم جميعا، دون استثناء، بدءًا بالنُّخَبِ الصالحة في كل الحقول والمجالات المدنية والعمالية والسياسية والمالية والعسكرية والفكرية والفنّيّة والتربوية والروحية، وانتهاءًا بالشعب المُشَتَّت الضائع بلا راع، والذي يتعذب بصمت، ويكتوي بحرقة انتظار دائم لقيادة قوية، حكيمة، صادقة، صالحة، متواضعة، زاهدة في أمجاد العالم الباطلة، قيادة توحّده، وتقوده إلى الواحات الآمنة والمراعي الخصيبة الخضراء، وتخلّصه وتحميه باستمرار من أنياب ومخالب الوحوش الكاسرة، النَّهِمَة، الجائعة، في براري وصحاري ومستنقعات العقم الأخلاقيّ والفكريّ والروحيّ.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه