بهدوء… فهذا لبنان بقي مدة اثني عشر عاماً من دون موازنة وضبط للمالية العامة، بل توسّعت دائرة السرقات ومدّ اليد على المال العام والصناديق الخدمية وتركيب الديون الهائلة بالفوائد الدولارية وتشليح الناس ما تبقى في جيوبها، سياسات قاتلة واستباحية بدأت أقلّه منذ العام 2005 ولم تقم كلّ شركات التصنيف الائتمانية العالمية ببثّ تقاريرها عن هذا الواقع الاقتصادي المشوّه، فيما اليوم تستعدّ شركة التصنيف «ستاندر آند بورز» وغيرها لوضع لبنان أمام ابتزاز سياسي ومالي اقتصادي رخيص ومكشوف بتصنيفه والإبقاء على حال B- كحدٍّ أدنى وإعطاء فترة سماح له لستة أشهر. وهو ما يعني أنّ هذه الطبقة السياسية التي سطت على الحكم في لبنان زيفاً وزوراً واستقواءً بالخارج منذ أكثر من ثلاثة عشر عاماً والمسمّاة بـ 14 آذار والتي يراد إحياء عظامها اليوم والمرضى عنها أميركياً، كانت مغطّاة غربياً وخليجياً حتى في ارتكاباتها كلّ الموبقات بحقّ فقراء لبنان وناسه واقتصاده، ويريدون وضع الرئيس سعد الحريري في إطار محاولة التموضع السياسية الجديدة أمام مقايضة بهذا التصنيف الذي يضرب مصداقية لبنان ورئيس حكومته، إلاّ إذا وافق على الشروط التنازلية التي تطلبها أميركا والمتعلّقة بإدارة مفاوضات جديدة تكون يد الأميركي طويلة فيها بما يختص شركات النفط والغاز واستثماراته على السواحل اللبنانية، ومشاركة الرئيس برّي في إدارة هذا التفاوض، ونحن لا نقول إنّ الرئيس الحريري هو الذي يريد أن يدخل على خطّ التفاوض ليشارك الرئيس بري بل أميركا. والأمر الآخر المتعلّق بمواد الابتزاز المالية الاقتصادية التي على الحريري دفعها هي تلزيمات الكهرباء والخطّة الإصلاحية الموضوعة لها للحصول على تلزيم للشركات الأميركية لإبقاء لبنان بل منعه من إجراء هذه الإصلاحات والاتجاه بها نحو الخصخصة. وهذا الملف الذي طالما استنزف الدولة وميزانياتها التي فاقت الـ 30 مليار دولار ولا زال البلد من دون كهرباء… يريدون أن يبقى لبنان عاجزاً وغير مؤهّل على الإيفاء بديونه ورازحاً تحت نير البنك الدولي وأدواته الداخليين الذين هم أشدّ خطورة على أمنه واستقراره من «إسرائيل»، وعلينا السّكوت والصّمت كرمى لمؤسسات التصنيف الكاذبة أو لقاء التنازل عن السيادة وكلّ ما يتعلّق بقرارنا السياسي والاستقلالي الحر… فهو تصنيف سياسي للبنان بامتياز ولا يريدون إلاّ أدواتهم الداخلية العميلة حاكمة ولا شيء غيرها…

إذن وكالات التصنيف تشكّل اليوم أداة استعمارية جديدة بوسائل الضّغط المالي لتطويع الإرادة السياسية ومنع لبنان من القيام بإصلاحات حقيقية وجرّه الى تنازلات ومساومات تخدم «إسرائيل» والمشروع الأميركي الذي يريد التعويض عن خسائره في الشرق الأوسط والعالم.

فنحن في لبنان أمام إطلاق ورشة حكوميّة مفترضة بعد العودة الميمونة للحريري من زيارة أميركا، وبعد انعقاد جلسة مجلس الوزراء في المقرّ الصّيفي ببيت الدين والتحضير لزيارة جنبلاط بعد عودته من جولة خارجية اصطحب فيها ابنه الوريث تيمور لربطه بمعارفه في الاشتراكية الدولية، ليليها الضّغط المالي المتمادي على حزب الله وحلفائه وتدخّل السفارة الأميركية منعاً لانهيار جنبلاط، والبحث عن إيجابيات وتوفير مناخات تهدئة تلاقي المتغيّرات الإقليمية لتعطيل الضغوط المالية، حيث بدأت الانفراجات في حرب البواخر والمضائق تأخذ منحىً انحدارياً بعد العجز الأميركي عن ضبطها. ودخل الجيش السوري الى خان شيخون في محافظة إدلب ليربك عشرات الآلاف من الإرهابيين ومعهم تركيا والذين باتوا يشكّلون عبئاً على الحدود السورية التركية إضافةً للقوات الكردية الانفصالية، وتجديد الطروحات الإيرانية بضرورة حماية الخليج الذي يقع على عاتق أهله من العرب والمسلمين، وتطورات اليمن وتداعيات حربها التقسيمية الجديدة. إذن هو خليط لأوراق متسارعة أربكت الساحة اللبنانية غير المجهّزة والمستعدّة أصلاً وأبداً لهذا التغيير لما يجري في محيط لبنان الملتهب.. فهذه هي أزمة بناء الكيان الطائفي المتمذهب فكيف له أن يستمرّ؟

هذه التطورات في موازين القوى لم تعد تسمح لترامب بالتفرّد في اتخاذ القرارات بل عليه التحاور مع موسكو وبكين وأوروبا حول أوضاع الشرق الأوسط، وذلك بالبدء في إلغاء قرار القدس وتهويدها. وهو الأمر الذي يقلق نتنياهو ويحاول القيام بتوتير الأجواء لجرّ المنطقة الى حرب تكون «إسرائيل» غير مسؤولة عنها ولصالحها. ولهذا يريد نتنياهو قلب المعادلة وإرساء طابع جديد من المواجهة عمادها محاولة جرّ واشنطن للقيام بحرب بدل أن يفرض ترامب عليه تنازلات صار الوقت ليقدّمها بعد عجزه وانفضاحه في الداخل الإسرائيلي بناءً لموازين قوى دولية جديدة. فها هو الكيان الصهيوني يريد بعثرة الأوراق في المنطقة باستهدافه المركز الإعلامي لحزب الله في الضاحية الجنوبية بطائرات مفخّخة مسيّرة بهدف اغتيال قادة مقاومين من أجل تحقيق إنجاز انتخابي لنتنياهو المأزوم ومن أجل الرد في ذكرى خطاب الانتصار على قوى الإرهاب الداعمة لها وما زالت، وتوعّد حزب الله بالرد المباشر على هذا العدوان الهمجي على سيادة لبنان ووحدته، وربما يزيد الكيان في جرأته العدوانية للعمل على ضرب ناقلات النفط الإيرانية في المتوسط، ويبحث نتنياهو المأزوم كذلك في أوكرانيا ومع صهاينتها في كييف وعصاباتها سبل التّصعيد للضّغط على موسكو وإفشال محاولات بوتين إيجاد حلول مع أوروبا وإقليم الدونباس وبعد اعترافه الشخصي بمسؤوليته عن قيام طائراته المسيّرة بقصف مواقع ومستودعات للحشد الشعبي في العراق بدعم أميركي واضح لتحسين صورته الانتخابية وهو الذي قال بأنّه سيلاحق إيران في كلّ مكان.

نتائج تتحقّق لكنها تبدو لصالح محور المقاومة ولن تكون هناك مفاوضات أميركية إيرانية قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية التي يريد ترامب كسب ولاية ثانية فيها، معنى ذلك أنّ ستاتيكو المنطقة سيبقى سالباً رغم الحراك العسكري الميداني الذي يحقّقه الجيش السوري في خان شيخون وإدلب، حيث يتوقع أن تتخذ واشنطن خطوات صدامية نتيجة بدء ترامب ومعه النّخب الأميركية الحاكمة الحملات للانتخابات الرئاسية وهو ما قد يؤشّر الى أنّ الطّرف الروسي ومن خلفه السوري والإيراني قد قرّرا حسم المعركة الميدانية وفرض أمر واقع على الإدارة الأميركية الحالية في حال نجحت بولاية ثانية أو على الإدارة الأميركية الجديدة في حال خسر ترامب في الانتخابات. ففي العام 2020 استحقاقات كثيرة ينتظرها العالم والإقليم الشرق أوسطي والثبات والانتصار سيكون لمن له الصّبر الاستراتيجي الطويل، فصبر قوى المقاومة قد طال وحان الحصاد.