إن الشعب، في أصول النظام الديمقراطي، هو مصدر السلطات. الذين يوصلهم إلى الحكم بصوته في صندوق الإقتراع، من واجبهم أن يقودوه ويحموه ويحكموه بالعدل ويخدموا مصالحه، بإسمه، ويبقى، هو، مرجعهم الوحيد. العلاقة بين الإثنين تكون علاقة جدليّة، أي حيويّة، خلّاقة، خاضعة للحوار والنقاش والمساءلة والتفاهم، ولصراع الأفكار الوُدّي، المثمر، من أجل الإرتقاء الفرديّ والمجتمعيّ نحو الأفضل والأكمل. إنها جدليّة العقول السليمة والإرادات الحسنة من خلال نموّها من طور إلى طور، في جوّ نضوج متجدّد، لا يتوقف. 

               في لبنان، يمكننا البدء بالقول، وبكل موضوعية وثقة، بأن هذه الجدليّة المنتجة، الخلاقة، المتجدّدة، في علاقات الشعب والساسة، غير موجودة. 

               لقد تعوّدنا واقعا غريبا، وهو أن الشعب الذي ينتخب نوابه ليمثلوه في الحكم، ويهتموا بأموره الحياتية وبحماية مصالحه، سرعان ما ينسى نوابَه بعد انتخابهم، وكأنهم ضيوف لفترة وجيزة، فترة الإنتخابات، يحلّون خلالها أهلا ويطأون سهلا، ثم يرحلون وهم يذرفون دموع الوداع ويلوحون بالمناديل البيضاء، على أمل العودة من جديد بعد أربع سنوات. وقلّما يسألهم الشعب العاطفي جدا، من خلال الإعلام و/أو بالإتصال المباشر، عن إنجازاتهم، أو يوحي لهم بأفكار ومشاريع مفيدة للوطن. إن معظم أبناء الشعب يقصدون قصور وقلاع وجنائن نوابهم للدردشة وشرب القهوة، والتدخين، وطقطقة المسابح، وطلب رضاهم، والشعور بالأهمية الذاتية، ولطلب خدمات خاصة تحتاج إلى "واسطة" الزعيم كدعم أو فرض توظيف، مثلا، أو تسهيل رخص بناء أو سلاح، ولو على حساب القانون، وضدّ المصلحة العامة.

               وقد تعوّدنا أيضا واقعا غريبا آخر، وهو أن النوابَ، هم أيضا، ينسون الشعب الذي انتخبهم، ولا يتذكرونه إلا حين يحين موعد الإنتخابات مرّة كل أربع سنوات. إنهم يقضون كل فترة الحكم مرتاحين من أية محاسبة أو مساءلة مهما فعلوا، من تمديد لولايتهم، وزيادة لرواتبهم، وإعفاء أنفسهم من دفع الضرائب، وإثراء غير مشروع، وإفقار للشعب، واختراع وفرض قانون إنتخابي على قياسهم، وسفرات استجمام هم وعيالهم، وارتماء في أحضان بعض حكومات الخارج، وتنفيذ سياستها لقاء مكافآت مالية سخية لهم وحدهم لا للشعب، وإبرام صفقات مشبوهة، وتبييض أموال، واستغلال حصانتهم، وبكلمة واحدة، مهما قصّروا بواجباتهم، ومهما كسروا قوانين الدولة وقواعد الأخلاق، ومهما أخطأوا بسياساتهم وقراراتهم بحقّ الوطن والشعب. النواب لا يشعرون أبدا بالحاجة إلى تقديم "كشف حساب" بإنجازاتهم وإخفاقاتهم للشعب الذي انتخبهم. وهم، إن فشلوا في أداء مهمتهم و أساؤا الأمانة، لا يستقيلون، خجلا، من منصبهم، أو ينتحرون، ولا الشعب (التابع لهم) يقيلهم بمحاسبتهم في الشارع أو في صندوق الإقتراع، ولا القضاء يحاكمهم على فسادهم لأنه هو نفسه مكبّل اليدين و"مُسيَّس" أي خاضع لنفوذ الساسة ومالهم، ومدين لهم بالحصول على الوظيفة والمركز.

               ثمة أمر غريب حقا، وهو أنه كيف تنقطع العلاقة بين النواب والناخبين، ولا تحمل، إن وُجِدَت، بشكل متقطع، طابَعَ الخير العام أو ما يُسَمَّى ب"المصلحة الوطنية العليا"، إنما تحمل طابَعَ الخير الخاص، أو المصلحة الشخصية الأنانية، والتشريفات غير النافعة، المغذّية والمخدّرة لعظمة الكبرياء الفردية والطائفية.

               وثمّة أمرٌ آخر أشدّ غرابة، ألا وهو أنه كيف تعود العلاقة فتنوصل فجأة، وبسحر ساحر، فقط، يوم الإنتخابات، الذي يتحول إلى يوم عيد كله هرج ومرج ونسيان للواقع الأليم، ووجاهة وتبادل سلام وعناق وقبلات ومديح وضيافة، بين معشر الناخبين السكارى بلطف المرشحين السعداء، وبينهم وبين المُرَشَّحين.

               من واجبنا، هنا، أن نقول، بكل إحترام و محبّة، للشعب: 

               كما تكون يُوَلّى عليك، ومهما تزرعْ تحصدْ، ولا يحقّ لك أن تتذمر من الويلات والمصائب التي تحلّ بك، وسوف تورثها أبناءك وأحفادك، لأنك ما أحسنت يوما إختيار من يمثلك في الحكم خير تمثيل منذ البداية.

               ولَئِنْ عَذَرْنا الشعب على نسيان أو تناسي ممثليه طيلة سنين "خدمتهم" في الحكم، لأنه منغمس في هموم تحصيل معيشته، ولأنه مرتبط بشتى الروابط العائلية والمذهبية والطائفية والعاطفية مع ممثليه المعبّر عنها بالقول الشائع المألوف "الجماعة منا وفينا"، أو "الدمّ ما بيقلب ميّ"، أو "من عظام الرقبة"، أو "العين لا تعلو على الحاجب"، فإننا لا نستطيع أن نعذر الساسة، مدّعي الفهم والذكاء والعبقرية والوفاء والإخلاص، ومحتكري الرؤى المستقبلية الفريدة، لتناسيهم للشعب واستغبائهم له، وتناسيهم لواجباتهم تجاهه، واجبات تأمين مصالحه الحيوية المعروفة والدفاع عنها، والعودة الى الشعب لطلب رأيه في أمور تعنيه وتهمّه، خاصة حين يصل الحكام، بسبب تضارب مصالحهم الشخصية، وانعدام شعورهم بالمسؤولية وروح الواجب، وبسبب ارتباطهم بوصايات الخارج حيث بريق مناجم الأموال والذهب والمصالح يعمي عيونهم وقلوبهم وعقولهم وينفخ روح العظمة فيهم، إلى طريق مسدود أمام أي قرار يناقشونه، فيتعطل الحكم، ويكثر الكلام البليغ، المتفذلك، العبثي، في فنون التحليل والتفسير والتأويل، على لسان من يعطّله، وتُوَزَّع الإتهامات يمنة ويسارا عبر الإعلام، ولا أحد يقرّ بأنه المعرقل، ولا من يسأل ويحاسب، ولا من يرفّ له جفن، ولا من يحزنون. 

               المفارقة الكبرى هي أننا، دائما، في لبنان، أمام مشهدَيْن متناقضَين، يزيدان تناقضا مع الأيام: من جهة، عندنا مشهد الشعب الفقير المديون، العائش دون ضمانات تربوية وصحية ومالية لجميع الأعمار، القلق على يومه وغده، العابس، الذليل، القصير العمر، المنتظر خلاصه من زعماء طوائفه رغم كل تقصيرهم، ومن حهة أخرى، عندنا ساسة سعداء، مغتبطون، مبتسمون، ضميرهم مرتاح، بطونهم ملأى، جيابهم وخزناتهم طافحة بالمال، وهم، وهذا من أهم الأمور، بصحة جيدة على الدوام، وعمرهم مديد. الشعب، إذاً، في واد، والساسة في وادٍ آخر.

               هنا، أمام هذا الإستلشاق الواضح، الفاضح، بكرامة الشعب والإستخفاف بوجوده وقيمته وذكائه، وأمام استغفاله واستغبائه وتهميشه وتغييبه كليا، لا نرى أحدا من الساسة يطرح، بصدق وإلحاح ودون ملل وتعب، فكرة إستفتاء الشعب وطلب رأيه بالمواضيع الحيوية التي تهمّه جدا وتطاله في صلب معيشته اليومية، وفي صحته وأمنه وكرامته ومستقبله، كزيادة الضرائب، مثلا، وتسليح الجيش وتمويله من أغنياء الساسة والشعب الكثر لا من فقرائه، وتأييد المقاومة ضدّ العدوّ العنصري في فلسطين، وحتى مسألة تقديم الساعة وتأخيرها مرتين كل سنة، التي تبدو تافهة وعديمة الجدوى، والتي تزعج جميع اللبنانيين، وقد أثبتت الأبحاث الطبية في الغرب أنها عملية مضرّة بصحة الإنسان النفسية والجسدية.
     
               إن الإستفتاء الذي يعني الإحترام والتقدير للشعب ولرأيه، أمرٌ لا يخطر على بال أحد من الساسة. كبرياؤهم لا تسمح لهم بذلك التنازل عن عروش عظمتهم. هم، في الحقيقة، لا يهمّهم رأي الشعب إلا، مؤقتا، ومرور الكرام، حين يتصنعون اهتمامهم يوم الإنتخاب. حتى الشعب لا يطالب بذلك، ولا حتى نُخَب الشعب من إعلاميين ونقابات عمال وقضاة ومحامين وأطباء ومعلمين وكل من يُدعَون ب"المثقفين" و"النخب" و"فعاليات البلد" وغيرهم من حاملي الأسماء والألقاب الضخمة، وهم، في الحقيقة، قليلو أو عديمو الفائدة والفاعلية، لأن كلَّ شيء في هذا الوطن "مُسَيَّسٌ، و"مُطَيَّف" و"مُمَوَّل"، يدور في فلك ما يُسَمَّى ب"الأقطاب"، "أقطاب" سياسة وطوائف ومال، وما أدراك ما ال"أقطاب" وما تحالفهم. وفي حال طالب أحد الساسة بإستفتاء الشعب، لا أحد ينصت إليه، ويصبح هدفا للتهكم والإحتقار من معظم الساسة وأبناء الشعب، ولا يلبث أن يقنط هو نفسه بسرعة، ويتخلى عن فكرته، ويكتفي بأنه قد سجّل موقفا "للتاريخ"، ويحرص أشدّ الحرص على تذكير الشعب به، في زمن الإنتخابات.

               إن الساسة يتذكرون الشعب ويحترمونه وينحنون له إعجابا بمواهبه في الوفاء والإخلاص لهم، ويثقون بعبقريته في حسن اختياره لهم، فقط، في موعد الإنتخابات، مرة كل أربع سنوات. والشعب لا يظهر أي قلق حول هذا الواقع المضحك والمذلّ، في وطن التخاذل وخداع الذات والآخرين وخيبات الأمل. إنّ معظم أبناء الشعب قد تعوّدوا التطنيش والسكوت لا بل التستير على زعمائهم وخلق الأعذار لهم، هذا إن تنازلوا واعترفوا بأن زعماءهم بشرٌ كسائر البشر، ومعرَّضون للخطأ، لا آلهة كمال وحكمة وفهم وقوة، ينبغي تقديم شعائر الخضوع والإنحناء والسجود والعبادة لها، على الدوام. إن العادة طبيعة ثانية، كما قال الفيلسوف الإغريقي "أرسطو"، يوما. وهذه عادة تعوّد معظم اللبنانيين إتقانها الى درجة أصبحت فيها معهم طبيعة أولى راسخة تجري في عروقهم وتتحكم بسلوكهم. إنها طبيعة يصعب تغييرها. بهذا المعنى، يمكننا القول، هنا، بأن التطبّع المكتسب بالوراثة والتربية والتلقين والخبرة والممارسة، على غير عادة، قد غلب الطبع الفطريّ في هذا الوطن، لا الطبع غَلَبَ التطبّع كما يُقالُ، وكما يحدث غالبا.

               هل يا ترى من الخطأ أو البلاهة أو العبث أن يفكر أحدهم بمساعدة اللبنانيين، شعبا وحكاما، على الإقتناع بضرورة وجدوى تغيير هذه العادة الغريبة، المسيئة لهم جميعا، عادة التكاذب والخداع والتخاذل وعبادة أصنام الزعماء والطوائف؟ ربما. غير أن المحاولة ضرورية، لا بدّ منها بالنسبة لكل ذي ضمير حيّ، رغم صعوبتها، في واقعنا المعقَّد، إلى حدّ الإستحالة، ولا لزوم لخوض نقاش محبِطٍ، عقيم، حول هذا الموضوع، يشكّك بجدوى المحاولة.

               إن المسؤولية الكبرى في خلق هذا الواقع الهجين في لبنان، تقع، في الحقيقة، وبالدرجة الأولى، على عاتق المسؤولين في الحكم. كل من أُعْطِيَ الكثير يُطلَبُ منه الكثير. لقد أُعطوا كلهم الوكالة الثمينة عن الشعب، والوقت الكافي للعمل، والذكاء الكافي لخير العمل والفلاح، والراتب الكافي والضمانات السخية مكافأةً لهم على عملهم، والحصانة الكافية للشعور بالأمان والقوة، والثقة الكافية بقدراتهم وإخلاصهم، لكي يتذكروا الشعب المهموم بالتفتيش عن رزقه، والذي انتخبهم ليحملوا، لا عنه، بل معه، حملَه الثقيل لعلّه يخفّ، وليحموه من كل أنواع الشرور والأخطار المعروفة (إرهاب، مرض، تلوث، بطالة، فقر، جريمة، إنتحار، إلخ...)، ويهتموا بخدمته وبترتيب وضمان شؤون حياته وحقوقه وسدّ حاجاته في كل مراحل حياته، ولكي يقدّموا له، بصدق وشفافية، من وقت إلى آخر، ما يُسَمَّى ب"كشف حساب" عن إنجازاتهم وإخفاقاتهم، ولكي يطلبوا رأيه في أمور تعنيه مباشرة يعجزون هم، في معظم الأوقات، عن الإتفاق حولها في فوضى غرائزهم ومطامعهم وكيديتهم وكبريائهم وأبراج بابل مجالسهم وحواراتهم وثرثراتهم وخناقاتهم الحكومية الصاخبة.

               اننا ما زلنا عدة "شعوب" في لبنان وعدّة قوميات، تتنازعها عدة ولاءات عاطفية أنانيّة (عائلية، عرقيّة، مذهبية، دينية، مالية) لدول الخارج. كل "شعب" ينتظر، في كل صغيرة وكبيرة، وفي كل شاردة وواردة، ماذا يقرّر زعيمه (أو زعماؤه الكثر في الطائفة عينها) أو أوصياء الخارج في صراعهم العنيف على السلطة والمال، وهو، أي الشعب، مصدر السلطات، غائب كليا عن أجواء تصارع ممثليه في الحكم، ولا كلمة له في أي شيء، ولكنه، في النهاية، هو من يدفع الثمن وحده غاليا جدا من قلقه على الحاضر والمستقبل، وصحته، ومعيشته، ودمه. على سبيل المثال لا الحصر، إن عدم الإتفاق على تأليف حكومة، أو على انتخاب رئيس للجمهورية، وخلق فراغات في الحكم وتعطيل حياة الشعب (لا حياة الساسة وحلفاء المال)، بانتظار "تطورات" إقليمية وعالمية، وتبعا لأمزجة الساسة المتقلبة وخبثهم، أكبر دليل على ما نقول. ولنضف، إلى ذلك، الإختلاف المزمن، المضحك، المشين، بين الساسة أنفسهم، وبين رجال القانون (لكل سياسي رجاله ومستشاروه)، على تفسير معنى الدستور والقوانين وصلاحيات الرؤساء والوزراء، بسبب اختلاف وتناقض أمزجتهم، ومصالحهم الخاصة. القاسم المشترك الوحيد بينهم هو الكبرياء. كل مفسّر يدّعي العصمة والصواب لنفسه، ولا أحد يتنازل لأحد، أو يعترف برأي الآخر. الشعب يراقب كل ذلك في الإعلام، ويزداد بلبلة وضياعا وقرفا واستسلاما لمشيئة القدر، والقضاء (المُسيَّس) لا يجرؤ على التدخل لحسم موضوع هو من اختصاصه وحده. ولا أحد من الساسة يجرؤ على المطالبة بإعادة النظر في الدستور والقوانين، ومناقشة كل النقاط الخلافية بعقلانية، حول طاولة حوار، للتوصّل إلى تفاهم واحد مشترَك حولها، تفاهم لا بدّ منه ، في نهاية الأمر، لأنه ينجّي ويريح الشعب اللبناني من البلبلة التي يسبِّبها له انعدام التفاهم بين الساسة.

               تنقصنا الوحدة، في لبنان. وتنقصنا، بنوع خاص، شعبا وساسة، فضيلة التواضع. هذا ما نسعى إليه مع كل المخلصين، أن تتواضع و تتوحّد "شعوب" لبنان، وان يتواضع ويتوحّد زعماء هذه "الشعوب" اولا، لأن "الشعوب" تلحق، فورا، بالزعماء. ليس ذلك بالأمر المستحيل. إنه أمر نريد أن نسرّعه قدر الإمكان ومن دون المزيد من معاناة المآسي نتيجة انعدام وحدتنا. غير أننا لم نتعلم بعد درسا بليغا نهائيا من كل المآسي (حروب عالمية وأهلية، حقد، فقر، جوع، تلوّث، مرض، موت، إعاقة، بطالة، هجرة...)، ألا وهو، بكل بساطة، أنه لا خيار آخر لنا سوى الوحدة. فلتكُن، على الأقل، وهذا أضعف الإيمان، وحدة بإسم المصلحة المشتركة، حبًّا بالحياة والبقاء، ضدّ الأعداء الكثر، قبل أن تكون بإسم المحبة، أو بإسم قومية ما، أو حضارة ما، أو عقيدة ما. ثمة شعوب سبقتنا في العيش الكريم، ونظمت مجتمعاتها وأحزابها، وبنت مؤسساتها وقوانينها وجيوشها ودولها، وكلمة "محبة" ليست في قاموسهم. في قاموسهم: "حقوق الإنسان". وهذا يكفي. لا بأس أبدا. لما لا نقلدهم ونحذوا حذوهم؟ ساعتها، إن اتحدنا بإسم المصلحة وحقوق الإنسان، وإن تنازل وتواضع الزعماء المتكبرون وقبِلَوا بأن يتحدوا لخير الشعب، تهون كل الأمور، ومنها، مثلا، إجراء إستفتاء حرّ حول المسائل التي تهمه، دون استئذان أحد من أوصياء الخارج، ودون نزاع بين الزعماء في الداخل، للتعرُّف على رأي الشعب المقهور والمكبوت والضائع والحزين، وعدم فرض أي شيء عليه، والإصغاء إلى شكواه وهمومه، والعمل بموجب قراره ومشيئته، بشأن أمور تطال صحته ووجوده وجميع حقوقه. يمكننا أن نضيف، هنا، وجوب استفتاء الشعب حول قبوله أو رفضه لوصاية دول الخارج عليه، وحول مفهومه للخيانة العظمى، وحول قوانين وأساليب حكمه وتكوين السلطات، بدءًا بقانون الإنتخابات النيابية، ووجوب البحث في إمكانية نظام علماني للمستقبل غير البعيد، يحرّر الشعب من نير وسجن الطائفية والزعماء الطائفيين الفاسدين، ويؤمّن كرامته وازدهاره وسعادته، في ظلّ حماية قانون عادل.

               نسأل، ونحن على مقربة من مسك الختام، بألم وأمل ورجاء ومحبة:

               هل يتواضع الزعماء اللبنانيون، في يوم قريب جدا، ويكونون قدوة صالحة ل"شعوبهم"، وقبل أن يفوت الأوان، وينتقلوا، فجأة، من سكنى القصور إلى سكنى القبور؟ 

               هل يحرّرون أنفسهم من آفة كبيرة بشعة، قيل عنها قديما، وعن حقّ، بأنها "أمّ المعاصي"؟ (نودّ، هنا، أن نهمس في آذانهم لئلا يسمعنا أحد، ولئلا نسبب إحراجا لهم: هذه الآفة إسمها "كبرياء"). 

               هل يتواضعون ويتجرّأون على احترام ومحاورة الشعب اللبناني الذي وضعهم حيث هم على عروش العظمة المريحة، المخدّرة للضمير والذاكرة، وأمّا هم، فقد تركوه على قارعة الطريق، بلا حقوق وبلا كرامة، بين حيّ وميت بالروح والجسد، يتململ ويتحرّك ويتوجّع وينام ويستيقظ على كوابيس أشواك وجمر القلق والألم والحرمان والذلّ؟ 

               هل يتوقفون عن إستغبائه وخداعه واحتقاره وتغييبه، ويبدأون باستشارته من خلال الإستفتاء والحوار والنقاش، ويعيدون السلطة إليه، وهو مصدر كل سلطاتهم، ويخلقون، معا، هم والشعب، تلك العلاقة الجدلية البنّاءة، المثمرة، المفقودة، في نظام ديمقراطيّ، علمانيّ، جديد ومتجدّد؟            

               هل يبنون جيشه، بالفعل، لا بالكلام الكاذب، الباطل، وبالوعود الفارغة، ودون الخوف من أحد ودون مراعاة شعور أحد، كما كان وما زال الحال، ودون التحجج (للتمويه وعذر تقصيرهم أو رفضهم) بعدم توفر المال المعروف من الجميع أين هي مخابئه؟ هل يدعمون مقاومته القوية المتحصنة في الأودية والجبال وغير المكشوفة بسلاحها ورجالها في ثكنات سهلة الإستهداف والمنال، وقد أثبتت، عدة مرات، جدارتها في الحفاظ على سرّية عددها وسلاحها وتدريباتها، وجدارتها في مقاومة وردع وكسر وتخويف العدوّ الصهيوني المتربّص بنا جميعا، شرا، دون تمييز، ليلا نهارا؟ 

               هل يحترمونه ويحبونه ويخدمونه ويعطونه حقوقه، "حقوق الإنسان"، بكل بساطة وتواضع وغيرة، ودون لفّ ودوران، ودون مِنَّة، تماما كما يفرض عليهم الواجب؟

               هل يَكفّون عن تهيئته للأسوأ، بتكرار الطلب منه، بلطافة مصطنعة وابتسامة صفراء، خبيثة، وبصوت هادىْ، مبطَّن، يخبىء غضب فرض الأوامر عليه، ويخبىء وقاحةَ طبع رهيبة، وغلاظة قلب وعقل وإحساس لم يسبقهم إليها أحد، أن يضحّي بمكتسباته (؟!)، ويتحضّر لتحمّل قراراتهم الآتية الموجعة، النازلة كالصاقعة على رأسه، من أجل إنجاح موازنة مجحفة بحقه وهو غير مسؤول، بل الساسة، عن انعدام توازنها؟ كيف ذلك، يا ترى، وهم لا يحرّكون ساكنا ولا ينبسون ببنت شفة، ليعلنوا للشعب الذي نفخوه بالعظمة فيما مضى، بأنهم سوف يضحون هم لا هو، بمكتسباتهم الهائلة (من رواتب ومخصّصات وتعويضات)، وأنهم سوف يتوجعون عن الشعب المسكين، وهم أصحاب الأملاك الشاسعة، والقصور الأسطورية، والجنات التي تجري من تحتها الأنهار وتطير من فوقها الأطيار، والطائرات، واليخوت، والسيارات الفخمة، السوداء، المصفحة، وأصحاب الملايين والمليارات في مصارف "البلد" والشرق والغرب، وفي خزناتهم السرية؟ 
               
               أجل، إننا نطرح هذه الأسئلة بألم عميق، وأمل مشتعل لا تنطفىء ناره، وبمحبة صادقة لكل "شعوب" لبنان المتنافرة ولكل الزعماء المتكبرين والفاسدين لهذه "الشعوب".

               إن الشعب اللبناني متأكّد، بقوة، أن ساسة لبنان مع حلفاء المال والإستثمارات والمصارف، يمكنهم، بالمبدأ، إن أرادوا في الواقع، أن يحلّوا، بلحظة يسيرة جدا، كل مشاكل الشعب اللبناني المالية، ويحوّلوا لبنان إلى جنّة، دون أن يشعروا بنقص مخيف في ثرواتهم، وبخطر معاناة الجوع والفقر والعري والبرد والمرض. طبعا، إنه مجرّد تمنّ، يتطلب معجزة حلول الروح القدس على رؤوسهم وأرواحهم، فيتحلّوا بشيء من الرحمة والمحبة، وتنحلّ عقدهم النفسية من طمع وأنانية وغرور وكبرياء وبخل وجهل.
 
               في أجواء الأخطار التي تهدّدنا على الدوام، أخطار فاسدي الداخل من سياسيين وحلفاء المال، ومخاطرات ومقامرات الإستدانة العشوائية بإسم الشعب ومن أجل الشعب، وتضخم الدين العام والإفلاس التام للدولة، وتفرقة الشعب وتغذية روح الحقد والتحدي والعنف بين أبناء الطوائف، وإفقاره وقتله بالضرائب والرسوم وغلاء المعيشة والبطالة والأمراض وتلويث البيئة بهوائها ومياهها وترابها وتشويهها بجبالها ووديانها وغاباتها، وأخطار إتمام وفرض "صفقة القرن" وما تتضمنه وتعنيه من توطين، وتطبيع علاقات مع العدو الصهيوني، وسرقته، بعد سرقة فلسطين، للمزيد من أراضي فلسطين ولبنان وسوريا ومواردها الطبيعية، كعادته، وأخطار إرهابييه الدائمة، والعقوبات الإقتصادية على لبنان بسبب موقفه الرسمي والشعبي المؤيد للمقاومة، أجل، في أجواء جميع هذه الأخطار، لا نستطيع إلا أن نتابع الصلاة، بحرارة وإيمان، للسماء، من أجل هداية ساستنا وشعبنا إلى الصراط المستقيم، ومن أجل نجاتنا من شرور هي أقوى بكثير منا إن نحن بقينا متفرِّقين، مُضَعضَعين، وأن نتابع العمل، كل واحد من موقعه، شعبا وساسة، بسلوكنا اليومي المحبّ والمفيد تجاه شركاء الوطن، وبنشر الكلمة الطيبة، البنّاءة، لبناء شعب لبنانيّ واحد، قويّ، مزدهر، ولبناء وحدة زعمائه المتناحرين، ولبناء دولة قانون ومؤسسات، تحت راية التواضع والمحبّة والحق والعدل والقانون. 

               إن إيماننا الوطيد هو بأن "الباقي" (كل الخيرات والبركات والنعم الأرضية من أمان وسلام وصحة وتربية وعلم وبحبوحة عيش وإزدهار وقوة)، بعد طلبنا الملِحّ لملكوت الله وبِرِّهِ أولا، في نفوسنا ووطننا، سوف يُعطى لنا ويُزادُ بحسب قوة رجائنا وبحسب وعد السماء الصادق، وهي الراعية الأمينة، الصادقة، المُنْصِتة لصلاتنا، والراضية عن إرادتنا وأعمالنا الصالحة. إن إيماننا هو أن السماء لا تهمِلُ أبدا محبيها، حتى لو تهيّأ لهم، للحظات، أنها قد أهملتهم، وأنها قد أمهلَتْ، كثيرا، مبغضيها الأشرار.
 
               في نهاية المطاف، وقبل أن يفوت الأوان، ويبدو الأوان، أحيانا، في لحظات الضعف والقرف والشك، وكأنه قد فات، حقا، لولا بقية لنا من إيمان بقدر حبّة الخردل: 

               على الشعب اللبناني أن يَتّحِد، اليوم، دون تردّد وإضاعة وقت، وأن يختار بين الخلاص والهلاك. إختيار سبيل الخلاص يتمّ من خلال حملات التربية والتوعية المستمرة في البيت والمدرسة والجامعة والإعلام، ومن خلال التظاهر السلميّ الموحّد، المتطهّر من الحقد، الصبور، حتى الوصول إلى العصيان المدني ورفض دفع الضرائب إن دَعَى الواجب ودَعَت الحاجة، ثم من خلال صندوق الإقتراع من أجل ملء قاعات ومباني الحكم بممثلين عن الشعب محبين له، حكماء، متواضعين، صادقين، لا يغرهم المال والمنصب. وإلا، فهلاك الشعب اللبناني أمر وشيك ومحتَّم.