من يحكم على عملية الامس بحجم الآلية المدمرة فقط يحتاج للتنبه للبعد الأكثر أهمية وهو تثبيت معادلة ( الردع المتبادل ) ، وإن الفضيحة العسكرية العملياتية كشفت حجم ترهل جيش العدو الصهيوني وحجم الخروقات الامنية التي أظهرتها العملية ، والجحيم الذي يرزح تحته قطعان المستوطنين في شمال فلسطين وهشاشة البنية الاجتماعية والسياسية والعسكرية والامنية وكيانهم العنصري الفاشي المصطنع ، وأظهرت الحجم الحقيقي لنتنياهو وعصابات جيشه وقدراتهم ، وفضحت هلعهم وجبنهم وارتباكهم .

ان العملية الرمزية ارادت إيصال رسالة تقول :

ان الرد القادم بلا خطوط حمراء ولا قواعد اشتباك ، وستكون بحجم العدوان او ربما تفوقه ولا تخضع لاي قواعد اشتباك من اي نوع وهذا مؤشر بأن المقاومة قوة تكرست ذات قدرات تفوق السابق ، وقد ازدادت قوة مئات المرات عما جابهه العدو الصهيوني بال ٢٠٠٦ مغطاة بعمق استراتيجي يمتلك فائض قوة وارادة مجربة وهو محور المقاومة ، وبالتحولات الإقليمية والدولية ، وبركن إقليمي اثبت قدراته وتفوقه وهو ايران ، سيعيد تكريس معادلة امن لبنان التي تحققت على مدار ثلاثة عشر سنة ماضية واراد نتن ياهو كسرها بالقوة ، فأعادت المقاومة فرضها وبالقوة ايضاً . 

وهي معادلة حققتها المقاومة وحدها ولم يجرؤ اي حاكم عربي على مدار النضال العربي ضد العدوان والاحتلال الصهيوني لفلسطين على فرضها او حتى للتصدي للعدو ، بل على العكس فقد تواطئ الحكام العرب وضلعوا في المؤامرات الصهيونية ومهدوا لها ، لكن المقاومة قلبت معادلات المجابهة رأساً على عقب وعرت العدو الصهيوني من كل عناصر القوة الزائفة وأزالت الزيف والتضليل وروح الهزيمة التي علقت بالذاكرة والوجدان العربي .

ومن يستطيع ان يعمل خلف خطوط العدو ويحقق أهدافه يمكنه ان يطور عملياته

 الى أقصى حد ممكن . 

عند الحديث عن محدودية العملية ينبغي تذكر ان المقاومة ليست طليقة الجناح وتعمل بحرية بمعزل عن البيئة المناهضة المحيطة على مستوى الدولة اللبنانية ، والسياسة الرسمية للبنان ، والعربية ، بالتالي فقد ارتبط حجم العملية بكل هذه المعطيات ، وقد حققت المقاومة بمراجعتها كل هذه الاعتبارات حشد رسمي وشعبي ولبناني بحكمتها وصحافتها . 

ان الحكم على العملية بحجمها التكتيكي سيفضي لاستنتاج متواضع وقد يبدو مخيباً للآمال ، اما امتلاك ألافق والبعد الاستراتيجي سيكشف مدى أهمية العملية والتداعيات الاستراتيجية واي اذىً ألحقت بالمشروع الصهيو اميركي ، واي ضربة سددت لكل ادوات مشروع منظومة النهب الاميركية الأطلسية .

فقد اراد نتنياهو ان يقول لترامب من اعتداءاته : ان الغرض من وجود العدو كذراع عسكري تعرضي طويل لا زال قائماً ، وان يقول للحكام العرب المرتبطين بالمشروع الاميركي والمذعورين ان كيانه لا زال قادراً على لعب أدواره وتوفير الامن والحماية لهم ، وأرسل رسالة للإرهابيين وقوات الحماية الكردية تفيد بانه لازال قادراً على توفير الغطاء والعمق الاستراتيجي لهم ، ورسالة لجنرالات ازرق ابيض بامتلاكه قدرات عسكرية ليست مقصورة على العسكريين فقط ، اضافة لاستهدافه أصوات اليمين الصهيوني وصناديق الاقتراع القادمة بعد بضعة ايام .

لكن العملية ( التكتيكية المتواضعة ) كانت ذات بعد استراتيجي نسف كل أهداف نتنياهو ، وأوصل الرسالة .