بدأ الأطباء في الهند بدق ناقوس الخطر بشأن التهديد الجديد على مرضى السرطان ، و الذي أثبت أنه أكثر فتكاً من الأورام نفسها , ألا وهي البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية و التي تسبب التهاباتٍ غير قابلة للعلاج و التي لا تتأثر بالأدوية الموجودة .

يقف المرضى الذين يخضعون للعلاج الكيميائي في البلاد على خط المواجهة مع انتشار البكتيريا الجديدة في جميع أنحاء العالم ، و التي لا يمكن للمضادات الحيوية القوية مكافحتها . حيث أصبحت التهابات مجرى الدم التي تسببها هذه البكتيريا الخارقة السبب الرئيسي للمرض و الوفاة بين مرضى اللوكيميا ” سرطان الدم “، وفقًا لما ذكره أطباء من كلية الطب الهندية العليا في العام الماضي. 

و قد أجبرت تلك الحقيقة المخيفة المرضى على التفكير ملياً في محاربة الأورام الخبيثة القاتلة بالعلاج المتوفر مع احتمال الوفاة في أسرع وقت ممكن بعدوى غير قابلة للشفاء بسبب العلاج الكيماوي . ففي الهند ، يتم تشخيص حوالي 1.7 مليون شخص سنوياً بمرض السرطان ، مما يؤدي في الغالب إلى العلاج الكيميائي الذي يجعلهم عرضة بشكل خاص للإصابة بالبكتيريا الخارقة .

ففي جميع أنحاء العالم ، يموت ما لا يقل عن 700000 شخص سنوياً بسبب العدوى البكتيرية المقاومة للعقاقير و المضادات الحيوية . و هذا الرقم سوف يرتفع إلى 10 ملايين سنوياً بحلول عام 2050م ، و سيكلف أكثر من 100 تريليون دولار من الناتج الاقتصادي دون اتخاذ إجراءات تصحيحية ، و وفقا لدراسة أجرتها حكومة المملكة المتحدة ، قدرت أنه بحلول منتصف القرن المقبل سيموت عدد أكبر من الناس من الالتهابات المزمنة أكثر من السرطان و السكري مجتمعين .

يقول الدكتور عبد الغفور ، طبيب الأمراض المعدية ، الذي أجرى هذه الدراسة مع زملائه : ” إننا نواجه سيناريو صعب للغاية لتقديم العلاج الكيميائي كعلاج للسرطان ، ثم توضيح امكانية الحصول على عدوى بكتيرية مقاومة للعقاقير ، و احتمالية أن يموت المريض بفعلها بعد ذلك . فنحن حقاً لا نعرف ما الذي علينا فعله الآن ! فالعالم كله لا يعرف ماذا يفعل في هذا السيناريو المأساوي “.

تصبح الجراثيم و البكتيريا المكتسبة من خلال تناول الطعام و الماء الملوثين جزءاً من تركيب ميكروبيوم الأمعاء الطبيعي ، لكنها يمكن أن تتحول إلى بكتيريا فتاكة إذا هربت من الأمعاء و أصابت الجهاز البولي و الدم و الأنسجة الأخرى الداخلية في الجسم . فغالباً ما يكون العلاج الكيميائي هو الجاني و المتسبب بهذه الحالة النادرة الحدوث طبيعياً، فهو يسمح بحدوث ذلك عن طريق إضعاف بطانة الجهاز الهضمي بفعل الأدوية الكيميائية 

كشفت دراسة من عشر مستشفيات هندية نشرت في نوفمبر السابق ، أن التهابات مجرى الدم التي تسببها البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية و العقاقير تضاعف خطر الوفاة إلى مرتين أو ثلاث مرات من الالتهابات التي تسببها الجراثيم البكتيريا العادية ، و التي يمكن علاجها بالمضادات الحيوية الروتينية.

أفاد الدكتور عبد الغفور و زملاؤه في عام 2014م أن حوالي ثلثي مرضى السرطان المصابين بعدوى مقاومة للمضادات الحيوية القوية مثل “الكاربابينيم” قد ماتوا في غضون أربعة أسابيع من إصابتهم بالعدوى البكتيرية الفتاكة، مقابل معدل وفيات لمدة 28 يوماً بنسبة 38٪ في المرضى الذين تكون إصاباتهم قابلة للشفاء . حيث شهد اللجوء إلى المضادات الحيوية التي تدعى “كوليستين” و التي تحتوي على أكثر السلالات مقاومةً للمضادات الحيوية شكلاً متزايداً و لم يفلح الأمر ، مما أضاف فشلاً جديداً و فادحاً على جهودهم ، مما أدى إلى حدوث عدوى مقاومة للأدوية بشكل أكبر . مضيفاً : ” في الماضي ، كان يحدث هذا مرة واحدة كل ستة أشهر تقريباً، أي مرةً واحدة فقط خلال العام، و كان الاصابة بهذا النوع من البكتيريا المقاومة لكافة العقاقير و المضادات الحيوية نادراً جداً . و الآن تحدث إصابة كل أسبوعين ! ” .

و يقول إن مرضى السرطان الذين يرون أن موتهم سيكون بسبب الالتهابات البكتيرية المقاومة للعقاقير و التي يمكن أن تكون مجرد التهاب بسيط لباقي البشر مثل التهاب الركبة المخدرة . فيقول : ” إذا كنت تتحدث عن حقبة ما بعد المضادات الحيوية و فشلها في علاج البشر، فسترى ذلك أولاً لدى مرضى السرطان . إنهم يتوقعون منا أن نعالج سرطانهم بالعلاج الكيميائي ، و هناك أدوية علاج كيميائية رائعة بحق تستطيع شفائهم بكل تأكيد ، لكن المؤسف بحق و المؤلم بالنسبة لنا هوا شرح ردودنا على المرضى و عائلاتهم ، حيث نوضح الأمر لهم قائلين بكل بساطة : نعم ، سيتم السيطرة على السرطان الخاص بك ، و لكن بعد ذلك قد تموت من العدوى ” .

إن هذه المشكلة خطيرة جداً و منتشرة بشكل خاص في الهند ، حيث ينتشر سوء استخدام المضادات الحيوية في البشر و الحيوانات بسبب تدني مستويات النظافة و الصرف الصحي في الأحياء الهندية بشكل عام . و التي تشكل عودةً إلى حقبة سابقة أكثر خطورة . فقبل الأربعينيات من القرن الماضي ، كانت القروح و الالتهابات المتقرحة و تعفن الجروح قد تخاطر بنهاية مؤلمة و مأساوية للعديد من الهنود خاصةً في الأحياء الشعبية الفقيرة التي افتقرت حتى لأدنى مستويات العلاج البدائي . لقد غير ظهور المضادات الحيوية كل ذلك ، مضيفاً عقوداً كاملة إلى متوسط العمر المتوقع في جيل واحد فقط من الهنود ، و وضع حجر الأساس للطب الحديث و المتقدم . فالآن يمكن إجراء جميع العمليات الجراحية و زرع الأعضاء و العلاج الكيميائي و الولادة القيصرية بدرجة عالية من الأمان بفضل قدرة المضادات الحيوية على وقف البكتيريا .

أوصى تقرير صادر عن المملكة المتحدة لعام 2016 م، والذي أجراه الاقتصادي السابق لجولدمان ساكس ، “جيم أونيل” ، بإنفاق 42 مليار دولار على مدى 10 سنوات لتعزيز إمدادات الأدوية و اللقاحات و أدوات التشخيص الجديدة و إدخال آليات لخفض الاعتماد على المضادات الحيوية المعتادة . و مع ذلك ، قلة من الحكومات كانت على استعداد للقيام بالاستثمار اللازم للتخفيف من أزمة انتشار البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية و العقاقير العالمية . حيث يقول أونيل : ” لا أعتقد أنهم يتفهمون مدى أهميتها ، أو من الواضح أنها ليست أولوية رئيسية لكثير من البلدان . فالحكومات لا ترغب في إنفاق الأموال على الوقاية ، و ينتهي بهم الأمر إلى إنفاق مبالغ أكبر على الاستجابة لتفشي المرض . إنها حقاً حكومات غبية للغاية “.

و في الوقت نفسه ، فإن عدم الاستجابة يجعل الكثير من الأشياء العلمية و الاكتشافات الطبية التي قد توصف بكونها معجزة ، تقف عاجزةً أمام هذه البكتيريا ، و ستبقى كذلك حتى وقت قريب كما يتمنى العلماء . حيث يقول الدكتور عبد غفور : ” كطبيب ، و كأخصائي في العدوى يعيش في القرن الحادي و العشرين ، مع كل هذه الاختراعات و الاكتشافات الطبية الحديثة ، أشعر أن يدي مقيدتان و أشعر بالعجز المؤلم . فإذا لم أتمكن من علاج عدوى مريض ، مهما كانت التطورات في مجال الأورام رائعة و مذهلة، فإنها لن تكون مفيدة له كونه سيموت قريباً بسبب التهابٍ ما، و نحن نشعر بالعجز و الأسى الشديدين كوننا نعرف حقيقة أن مرضى السرطان سيموتون من الالتهابات قريباً و ليس بوسعنا شيء لنفعله من أجلهم “.

المصدر هفن