كانت هناك أدوية يمكنها أن تعرقل فيروس نقص المناعة البشرية الإيدز إلى مستويات غير قابلة للكشف، ولم يعد الفيروس خطراً قاتلاً للجميع، ثم جاء العلاج الذي سمح للأشخاص المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية بجعل الفيروس خاملاً في أجسادهم، حتى لو لم يكن شركاؤهم مصابين به فلن يستطيع الانتقال فيما بينهم.

لكن لهزيمة فيروس نقص المناعة المكتسبة الإيدز والذي يسبب ما يعرف بمرض "الإيدز" الشهير، يحتاج الأطباء إلى لقاح واقي يقي الناس من الاصابة به من الأساس .

وبعد عقودٍ من البحث والطرق المسدودة والآمال المحطمة والمحبطة، قد تكون البشرية على مشارف الحصول على اللقاح المخلص منذ عقود.

وبدء تجربة سريرية ( تجربة على البشر ) واسعة النطاق في خريف العام الحالي والقيام بالعديد من التجارب الأخرى التي يجري تنفيذها بالفعل.

 وقال العلماء، إنهم متفائلون بحذر بأنهم سيجدون قريباً وسيلة لمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية قبل وقت طويل من تعرض أي شخص للإصابة به.

ومن جانبه، قال الدكتور لاري كوري، الباحث الرئيسي في شبكة تجارب لقاح فيروس نقص المناعة البشرية: "عندما يكون لديك مرض ينتقل دون أعراض، فإنك ستصاب به دون أن تتوقعه أصلاً وهو شيء مرعب حقاً "، وفي مثل هذه الحالات، يكون التدبير الوحيد الذي أثبت فعاليته في الوقاية هو الحصول على لقاح مضاد مسبقاً ".

ويتفق الباحثون وخبراء الصحة العامة على أن الطريقة الأكثر ضماناً للقضاء على هذا المرض إلى الأبد هي عن طريق نشر لقاح مضاد له بشكل واسع وعالمي، وقد نجحت هذه الطريقة بالقضاء على الجدري، وشلل الأطفال سابقاً، وإذا اقترن العلاج المضاد للفيروسات القاهرة بالوقاية السابقة منه، فقد ينجح ذلك مع فيروس نقص المناعة البشرية الإيدز أيضاً بكل تأكيد .

وأوضح الدكتور روبرت سي جالو، مدير معهد علم الفيروسات البشرية بكلية الطب بجامعة ماريلاند، أن اللقاح يعني نهاية الإيدز الذي نعرفه اليوم و لطالما عرفناه.

وأكد  الدكتور كوري أن أكثر من 37 مليون شخص حول العالم مصابون بفيروس نقص المناعة البشرية، وينقلوه إلى حوالي 5000 شخص كل يوم، وهناك أيضاً حوالي 180،000 حالة انتقال للمرض إلى المواليد الجدد كل عام.

وأضاف كوري: "هذا الفيروس في حالة نشطة و مقلقة لسوء الحظ".
يهاجم فيروس نقص المناعة البشرية (HIV) نوعاً معيناً من خلايا الدم البيضاء التي يعتمد عليها الجسم لمكافحة الالتهابات وبناء المناعة بشكل عام، وإذا تركت دون علاج لعدة سنوات، يصبح عدد كريات الدم البيضاء لدى المريض منخفضاً بدرجة خطيرة، مما يؤدي إلى متلازمة نقص المناعة المكتسب (الإيدز)، وهذا يجعل الجسم عرضةً للبكتيريا والفطريات التي يمكن أن تسبب مرض السل والتهاب السحايا وأنواع معينة من السرطان والأمراض الخطيرة الأخرى التي يمكن أن تؤدي إلى الموت في نهاية المطاف.

وبمجرد أن حدد الدكتور جالو وغيره من العلماء فيروس نقص المناعة البشرية كسبب للإيدز في عام 1984م، لم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى يدركوا الحاجة إلى طريقة لوقاية وتطعيم الناس ضد هذا الفيروس الفتاك.

 وأردف جالو قائلاً: "كنا نخطط بالفعل لإنتاج لقاح للمرض منذ ذلك الوقت ".

وتجهز اللقاحات الجهاز المناعي لأي مرض خطير قد يصيبه، ليستطيع مقاومته والقضاء عليه، ويتم ذلك عن طريق حقن نسخة ميتة أو ضعيفة من الفيروس في الانسان مما يترك المناعة تتغلب عليه وترصد حمضها النووي لتبني آلية معينة في بناء كرات الدم البيضاء للقضاء عليها و مقاومتها، وبهذه الطريقة، إذا جاء التهديد الحقيقي لاحقاً، فإن الجسم سيكون مُجهزاً بالفعل للتعرف عليه والتغلب عليه بكل بساطة وسهولة .

ومن ضمن التهديدات الكلاسيكية سابقاً كان الحصبة أو شلل الأطفال، حيث أصبح الغالبية العظمى من الناس بالفعل قادرون على قمع الفيروس والقضاء عليه من أجسامهم بسبب تلقيحهم بالمضاد منذ الطفولة، وفي تلك الحالات، يكون تطوير لقاح بسيطاً مثل إيجاد طريقة آمنة لمحاكاة العدوى الطبيعية، ربما عن طريق إدخال نسخة معدلة تم تجريدها من أسلحتها.

لكن فيروس نقص المناعة البشرية الإيدز مختلف تماماً عن أي مرض آخر، لأنه لم يُعرف على الإطلاق أي شخص استطاع أن يتغلب على الفيروس بمفرده، وهذا يعني أن العلماء الذين يعملون على لقاح لا يملكون ورقة غش طبيعية تحت تصرفهم، وهذا يعني أيضاً أنه عليهم أن يعملوا بجد وجهد مضاعف للوصول للقاح المنشود و لتحقيق الأهداف المرجوة من هذا اللقاح.

ومنجهته، استطرد الدكتور أنتوني فاوسي، مدير المعهد الوطني للحساسية و الأمراض المعدية قائلاً: "إذا كنا نريد صنع لقاح دائم ، يجب أن نكون أكثر ذكاءً من العدوى الطبيعية، ولم نواجه هذا التحدي قط مع أي فيروس آخر، ولا أعتقد أنه سيكون شيئاً مستحيلاً تحقيقه رغم ذلك، لكننا بحاجة إلى فهم العلاقة بين المرض والجهاز المناعي بطريقة لم نقم بها من قبل ".

وأشار العلماءإلى أن فيروس نقص المناعة البشرية الإيدز هو خصم مبتذل ومراوغ وغامض في نفس الوقت، والمثير أن الفيروس لا يدافع عن نفسه عند مهاجمة الخلايا المناعية له فحسب، بل إنه يغزوها ويدمج نفسه في الحمض النووي للضحية ويسيطر عليها تماماً.

 كما يمكن أن يحيط نفسه بجزيئات السكر لمنع الأجسام المضادة من الالتصاق بجداره الخلوي ويحمي نفسه منها بشكل لا يمكن اختراقه،
ثم إن هناك مضاعفات وراثية .

كما أن فيروس نقص المناعة البشرية الإيدز لديه تنوع وراثي أكثر من أي فيروس آخر معروف، وهو يرتكب أخطاء متكررة أثناء تكرار خلاياه، ويمكنه البقاء على قيد الحياة دون تصحيحها بكل بساطة، وهذه القدرة الخارقة على التحور السريع تجعله هدفاً متحركاً يصعب رصده أو تتبعه أو حتى علاجه، حيث لا يوجد تطابق مع لقاح مصمم للحماية من سلالة واحدة، وكيف سيكون الحال في إيجاد لقاح للحماية من فيروس متعدد السلالات وعشوائي التكوين.

وهناك أنواع فرعية مختلفة لفيروس نقص المناعة البشرية في أجزاء مختلفة من العالم، ومنها النوع الفرعي "B" الشائع في أمريكا الشمالية وأوروبا على سبيل المثال، في حين يوجد النوع الفرعي "C" في جنوب وشرق إفريقيا، لذلك يجب أن يستند اللقاح الفعال إلى مكونات مستمدة من فسيفساء متقلبة من متغيرات فيروس نقص المناعة البشرية من أجل العمل ضد العديد من السلالات التي تتطور في كل مرة يحصل فيها عملية انقسام لخلاياه.

وبدورها، قالت الدكتورة سوزان بوشبندر، مديرة قسم فيروس نقص المناعة البشرية في بريدج، وهي وحدة أبحاث وقائية في إدارة الصحة العامة في سان فرانسيسكو: " يجب على اللقاحات المصنعة أن تحمي من كل هذا التباين والتشتت الفيروسي".

سيتم اختبار هذه الاستراتيجية هذا الخريف في تجربة علمية واسعة النطاق تسمى "Mosaico" أي "الفسيفساء "، حيث  سيحتوي اللقاح التجريبي، الذي أعدته مختبرات "جونسون آند جونسون" ، على مجموعة من المتواليات الوراثية من سلالات فيروس نقص المناعة البشرية المختلفة.

وقام اللقاح في التجارب قبل السريرية بحماية حوالي 66 ٪ من الرئيسيات غير البشرية ضد الفيروسات الشبيهة بفيروس نقص المناعة البشرية، بينما ساعدت دراسات المتابعة في البشر على الانتهاء من تجهيز تركيبته الشبه نهائية.

ويخطط العلماء الآن لتسجيل نحو 3800 مشارك متطوع في أكثر من 50 موقعاً تجريبياً في جميع أنحاء أمريكا الشمالية والجنوبية وأوروبا،حيث سيتم اختيارهم جميعاً من مجموعات معرضة لخطر كبير للإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية، بما في ذلك الرجال الذين يمارسون الجنس مع الرجال والمتحولين جنسياً، حيث سيتلقون أربعة لقاحات على مدار عام كامل لرؤية النتائج فيما بعدها.

وستكون الدراسة مزدوجة التعمية، بمعنى أنه لن يعرف المشاركون ولا الباحثون من الذي تم اختياره عشوائياً لتلقي اللقاح التجريبي ومن الذي يحصل على لقاح وهمي، وإذا أثبت اللقاح نجاحه، يأمل الباحثون استخدامه في جميع أنحاء العالم ليكون في متناول أيدي الجميع.

وبين الباحثون أن التركيز على السكان المعرضين لخطر كبير أمر بالغ الأهمية، حيث يشكل الرجال الذين يمارسون الجنس مع الرجال حوالي ثلثي الإصابات الجديدة بفيروس نقص المناعة البشرية الإيدز في الولايات المتحدة، ويزيد احتمال إصابة المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية في العالم بحوالي 25 مليون شخص بحوالي 50 مرة أكثر من عموم السكان في أي وقت سابق في التاريخ البشري،
كجزء من عملية التسجيل في الدراسة، سيقوم الباحثون بتثقيف المتطوعين حول فوائد الوقاية السابقة للتعرض للمرض وحثهم على تناول هذا الدواء بدلاً من الانضمام إلى الدراسة، وفقط أولئك الذين يقولون إنهم ما زالوا يريدون التخلي عن العلاج هم وحدهم القادرون على المشاركة ضمن هذه الدراسة.

وتجري تجارب أخرى بالفعل في أنحاء أخرى من العالم، وفي أفريقيا بجنوب الصحراء الكبرى، يتم اختبار لقاح مماثل على 2600 امرأة، المجموعة الأكثر تعرضا للخطر في تلك المنطقة، حيث بدأت هذه التجربة عام 2017م، ولن تكون النتائج متاحة حتى عام 2021م على أقرب تقدير لتلك التجربة.

و تهدف دراستان متوازيتان بدأتا في عام 2016م إلى اختبار ما إذا كانت تدفقات الأجسام المضادة المعطلة على نطاق واسع يمكن أن تمنع الشخص من الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية، وإذا كان الأمر كذلك، فما هي المستويات اللازمة للحفاظ على هذه الحماية المناعية النسبية.

وأظهرت الدراسات المعملية أن هذه الأجسام المضادة توقف ما يصل إلى 90 ٪ من سلالات فيروس نقص المناعة البشرية من إصابة الخلايا البشرية، وأن هذه التجارب تجري في أفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا الشمالية و الجنوبية في الوقت الراهن.

وهناك تجربة سريرية أخرى جارية في جنوب إفريقيا تختبر نسخة محسّنة من لقاح كان أول من أظهر فعالية محدودة ضد فيروس نقص المناعة البشرية، وقد وفر هذا اللقاح حماية مستمرة ضمن حوالي ثلث اللقاحات التي تم اختبارها في دراسة تاريخية أجريت عام 2009م في تايلاند جنوب آسيا.

ومن جانبه، قال فوشي: " تلك اللقاحات لم تكن جيدة بما فيه الكفاية لوقت الذروة، لكنها ساعدتنا نوعاً ما في تحسين لقاحاتنا، وقرر العلماء عدم نشر اللقاح ، جزئياً لأنه قد يجعل الناس يعتقدون أنهم في مأمن من فيروس نقص المناعة البشري بينما هم في الواقع محميون منه بشكل جزئي فقط ".

وأوضح العلماء الناس يجب أن لا يضمنوا عدم اصابتهم بالمرض بمجرد تجربة اللقاحات التجريبية التي يطورونها باستمرار، حيث  قرر الباحثون في المبادرة الدولية للقاح الإيدز أن اللقاح الذي يكون فعالاً بنسبة 70٪ سيقدم وقايةً أكبر من الإصابات الجديدة.

ولفت بوشبندر إلى أن تجربة "الفسيفساء " تقدمن ما نسبته 65% من الفعالية الوقائية للقاح ، فلقاح أكثر فعالية وان كانت متواضعة يمكن أن يغير مجرى الوباء في العالم ".

ويوجد لدى الباحثين لقاح آخر في طور الإعداد، حيث يعمل جالو وزملاؤه على لقاح فيروس نقص المناعة البشري الخاص بهم، والذين يتوقعون أن يدخلوا مرحلة تجريبية من المرحلة الثانية لاختبار فعاليتها في المستقبل القريب على البشر .

وأردف بوشبيندر قائلا: " من الواضح أننا واجهنا صعوداً و هبوطاً في علاج هذا المرض الذي أرق العالم منذ زمن طويل، لكن العلم يدور حول اختبار فرضياتنا، حتى لو كانت النتيجة سلبية و محبطة بالفعل، والتجربة الفاشلة الوحيدة هي التجربة التي لم تجد فيها أي إجابة لتساؤلاتك ! ".

المصدر: ترجمة النهضة نيوز