من المعلوم والمُفتَرض أنه على كلّ من أراد خوض مهنة الإعلام، أن يكون ملمًّا بعلم التاريخ، وعليما بمجريات الأمور والأحداث المعاصرة والحالية، وقادرا على نقلها للناس و/أو التعليق عليها وتحليلها وربط مغازيها ومعانيها ببعضها البعض، بموضوعية كاملة قدر الإمكان، ودون تحيّز مُغْرِض إلى طرف معيَّن، في أجواء الصراع الوحشيّ السياسي والإقتصادي والحضاري المبني على غرائز الطمع والقوة والسيطرة بين حكومات العالم، وبين ساسة لبنان. الإعلام عمل رصين، لا مزاح فيه، يتطلّب ثقافة واسعة وعميقة في مجال العلوم الإنسانية، وعقلا سليما، وأخلاقا كريمة، وشجاعة معنوية في قول الحق، وليس مجرّد سباق في نقل الأخبار بحماس وسرعة، بغاية إثارة غرائز الناس، وإرضاء مراكز القوة والمال، واستحقاق راتب محترم، كما هي حال معظم الإعلاميين. إنه عمل يتوقّف عليه، دون أية مبالغة،  وبحسب حسن أو سوء أداء العاملين في حقله، أمام وجه الحقيقة، مصير شعب ووطن.

               إن الإعلام، إذاً، بحسب مدلول الكلمة الجيّد ومشتقاتها (عَلِمَ، عِلْم، أعلَمَ، عالم، تعلّم، إعلام)، هو مهنة الإعلاميّين الذين نذروا أنفسهم، بكل صدق وإخلاص، حتى الإستشهاد أحيانا، لخدمة الحقيقة، حقيقة ما يجري في الواقع اليومي المُعاش، وإعلام الشعب بها من أجل توعيته وتنويره وإعطاء شخصيته وحياته وتاريخه معنى وجوديا وقيمة إنسانية، وفائدة نفسية وأخلاقية وفكرية ومجتمعيّة، ووجهة مسيرة مستقبلية واضحة. بهذا المعنى السامي، يصبح الإعلام دعوة ورسالة، لا مجرّد مهنة.

                                 والتعبير المعروف ب"السلطة الرابعة" تعبير يعني الإعلاميين، للدلالة على ما يتمتعون به من سلطة الفكر والكلمة والرأي في مجال التأثير على عقول الناس وأخلاقهم وسلوكهم. لقد اكتسبت هذا اللقب الصّحافة المطبوعة التي كانت قوّتها في توجيه الشعب تعادل قوة الحكومة أو تتفوق عليها، أيام ابتُكِرَ هذا التعبيرُ واشتَهَرَ في منتصف القرن التاسع عشر، في أوروبا (تبعا لسلطات طبقات المجتمع الثلاث في ذلك الزمان: رجال الدين والنبلاء والعوام)، قبل أن تتطور الصحافة الى إعلام مرئيّ ومسموع بكل أشكاله، كما نشهد ذلك اليوم.

                              لن نبحث، هنا، بالتفصيل، عن أصل التسمية ولا إسم من ابتدعها، ومن اقتبسها، ومن سوّقها، ومن طبّقها. ما يهمّنا هو أن نقيِّم، بإختصار، أداء صحافتنا اللبنانية، اليوم، ومدى انطباق تسمية "السلطة الرابعة" عليها، ومدى تأثيرها على الشعب اللبناني، ومدى تجاوبه معها.

.                              الإعلام (الكلمة والصورة والصوت) يتوخّى إخبار الناس، بأسرع وقت ممكن، بما يجري من حولهم وفي العالم، وإعطائهم رأيه حول كل شيء. في لبنان، وفي كل بلدان العالم، يملك الإعلام، مبدئيا، وفي الواقع (بنسب متفاوتة جدا خاصة في الواقع السياسي اللبناني حيث خيارات أبناء الطوائف شبه نهائية) بتعليقاته السياسية وبدعاياته التجارية المُبتَكَرَة، القوية، المتكرّرة، سلطة عظيمة وتأثيرا كبيرا في توجيه عقول الناس وتفكيرهم ومشاعرهم وسلوكهم في حياتهم اليومية، وكيفية ممارسة خياراتهم في المجالات الإقتصادية والتربوية والإجتماعية.

                              فعلُ الإعلام القويّ في المجتمع، فعلٌ لا يمكن إنكاره. هو فعلٌ إيجابيّ أو سلبيّ، هو فعلُ خير أو فعلُ شرّ، بحسب النيّة والأسلوب من وراء استعماله. إن واجب الإعلام الجيّد أن يمارس سلطته ويوجّه الرأي العام شعبا ومسؤولين، ويُعلِمه بالأخبار والمعلومات، ويثقّفه بالتعليقات والتحليلات وتقييم الأوضاع في مجتمعنا وفي العالم، بأكبر قدر ممكن من الصدق والوضوح والموضوعية. واجب الإعلام الجيّد أن يدافع، بالدرجة الأولى، عن الشعب وقضاياه المحقّة ضدّ تجاوزات المسؤولين في الحكم وأن يفضحهم، دون خوف، أمام الرأي العام، وأن يحاول باستمرار أن يردعهم عنها. على "السلطة الرابعة" أن تمارس سلطة الكلمة والصورة والصوت من أجل نشر الحقيقة في سبيل خدمة الشعب وتنويره والدفاع عن حقوقه، وتنوير المسؤولين وتصحيح مساراتهم إن جنحوا عن المسار القويم، وهذا، في الحقيقة، هو جوهر وجودها ورسالتها. وطبعا، على الإعلام، بكل ميوله وتياراته السياسية، أن يقف دائما مع الوطن، وأن يقوم بواجب الدفاع عنه ضدّ أي تعدّ معنويّ أو ماديّ.

                              في السياسة، وفي كل البلدان، يستطيع الإعلام أن يُسقِطَ أناسا ويرفعَ أناسا. إنه سلاح فعّال في يد من يستعمله. لذلك يتسابق الأقوياء من رجال سياسة وأعمال ومال وأحزاب وجمعيات سرّية وشركات ودول، على تمويله لخدمة مصالحهم، على حساب الحقيقة معظم الأحيان. ومعظم الإعلاميين يتسابقون لإرضاء آلهة المال بتسخير تفكيرهم وكتاباتهم ولو ضدّ اقتناعهم الشخصيّ، لخدمة تلك الآلهة. إنهم يضعفون امام إغراءات المال كسائر البشر الذين يفتشون عن رزقهم بأي ثمن، ويفتشون أيضا، في معظم الأحيان، عن وسائل من أجل الإثراء السريع، أسوةً بالسّاسة وبحلفائهم الأثرياء، إنْ تيسّرَتْ وتوفّرَتْ لهم الظروف الملائمة.

                              إنّ نظام لبنان الطائفي والديمقراطي، تُحْتَرَمُ فيه الحريات العامة، ومنها حرية الرأي والتفكير والتعبير. إعلامنا، بالمبدأ، حرّ. الحرية حقّ من حقوق الإنسان ينبغي ان يمارسه ضمن ضوابط وقوانين أخلاقية لقول الصدق فقط، ولعدم التعدّي على الحقيقة، أو على كرامة الآخرين. 

                              إن تطبيق مبدأ الحرية والصدق على أكمل وجه، من قبل الإعلاميين، عندنا كما في دول أخرى، بعيد، في معظم الأحيان، عن النظرية المثالية، ومناقض لها. إنه أمرٌ عاديٌّ ومعروفٌ يتعلق بطبيعة الإنسان الفطرية، الغرائزية، غير الناضجة، المبنيَّة على التباين والتناقض بين القول والفعل، بين النظرية والتطبيق، وعلى كون القول أسهل بكثير من الفعل. كما يتعلّق هذا الأمر، بنوع خاص، بتفضيل المصلحة الشخصية والإستفادة المالية والإستمرار في المهنة، والبقاء على قيد الحياة وعدم التعرّض للتصفية الجسدية أو الإغتيال المعنوي او الإفلاس على يد الذين يكرهون الحقيقة، على حساب النزاهة الأخلاقية والصدق الفكري.

                              جميل أن يكون للفكر الإنساني سلطة توجيهيّة صالحة على جميع أفراد المجتمع، بعكس سلطة المال والسلاح غير الصالحة إلا لبعض الأفراد من ذوي الأخلاق السيئة والنوايا الشريرة. في الحقيقة، ينبغي للإعلام أن يجسّد ويعكس روعة الفكر البشري وطبيعة الإنسان السامية كما حدّده المفكرون، ككائن ناطق وعاقل وإجتماعي، وك"كائن الأبعاد"، في دورة الزمن العجيبة، بين ماض وحاضر ومستقبل. ولكنّ الواقع هو غير ذلك تماما. سلطة المال هي دائما الأقوى، وسلطة غريزة الطمع والجشع والجنوح عن طريق الحق، كون النفس أمّارة بالسوء، وكثيرون هم الذين يميلون إلى طاعة أوامرها. هذا هو الواقع في لبنان وسائر الدول. ثمّة، من جهة، تغنّ بالمثاليات، وثمة، من جهة أخرى، تمجيدٌ للمال، واعتراف بقدرته على السيطرة على الفكر البشري من خلال الإعلام والمفكرين، من أجل توجيه المجتمع حسب ما يشتهيه المموّلون وأصحاب النفوذ، خدمة لمصالحهم هم وحسب. في لبنان، يتناقل الناس، أحيانا، على سبيل المثال، أخبارا مفادها ان دولة غنية ذات توجهات سياسية معينة قد اشترت عدة جرائد وإذاعات ومحطات تلفزيون، أو أن إنسانا غنيًا من هنا أو من الخارج، له أيضا توجهات وأطماع سياسية معينة، قد فعل الشيء عينه. حينئذ، يفقد الإعلام تلقائيا، موضوعيته، وحريته، وصدقه، ونزاهته، ومعناه السامي، ورسالته. طبعا يستطيع الإعلام أن يمارس وظيفته أو مهنته، لا رسالته، تحت تأثير المال، ك"سلطة رابعة" في خدمة أرباب المال، ولكنْ، سرعان ما يتحوّل الى سلطة أولى فوق كل السلطات، غير انها سلطة لا تخدم الحقيقة ولا الشعب بشكل إيجابيّ، بنّاء، صالح.

                              نحن نفهم ونتفهّم أننا نعيش في عالم غير كامل. كل ما يصدر عنه هو غير كامل. ولكِنْ، حين يصبح الإعلام وسيلة للكذب والغش وتزوير الحقيقة، بشكل كامل، للسيطرة والإيذاء، ولتشويه سمعة الناس الصالحين أو الدول المسالمة وتحطيمهم وقتلهم معنويا، حينئذ، يتحول الإعلام الى سلطة ناقصة كليا، لا بل شريرة، ومحميّة من الأقوياء ماليا وسياسيا وعسكريا. الإعلام القويّ، المموَّل باستمرار من أناس أقوياء، يمكنه أن ينجح في إحياء كذبة كبيرة (حول قائد ما أو شعب ما، مثلا، أو حول وقائع معينة في التاريخ) مئات السنين، في ذاكرة الناس وفي كتب التاريخ، قبل أن يأتي مؤرخون صادقون ليفضحوا عمليات التزوير. الأمثلة ماثلة أمام أعيننا بوضوح لمن يحب ويعرف أن يقرأ، وفي أكثر من مرجع واحد يفرضه أصحاب المال وإعلامهم القويّ على المدارس والجامعات، في عدّة مسائل تاريخية قديمة (الحربان العالميتان، مثلا، ومسبِّبو الحربَيْن الحقيقيون، التلموديون والماسونيون "المتنورون" بقيادة عائلة روتشيلد اليهودية، الذين لا يجرؤ كتاب التاريخ على ذكرهم، وما بعد الحربَيْن من تأسيس لأمم متحدة مُسَيّسة بإمرة الجماعات عينها كأنموذج لحكومة عالمية واحدة بإمرتهم، ونكبة فلسطين والعرب، وبدعة "صفقة القرن" الأخيرة، وحروب موسمية دائمة في كل مكان حتى لحظة كتابة هذه الكلمات)، ومسائل الإرهاب، أيضا، وصُنّاعه الحقيقيون مدّعو العفّة وحب السلام والدفاع عن حقوق الإنسان، ومعناه المزاجيّ، النسبيّ، المُغْرِض، ومقاوموه الحقيقيون الذي سمّاهم صُنَّاعُ الإرهاب وإعلامهم المأجور، ب"الإرهابيّين" وب"محور الشر".

                              إنها مسائل لا مجال لبحثها الآن في هذا المقام. المعلومات متوّفرة في الكتب وفي مواقع الإنترنت لمحبّي البحث والتقصّي والقراءة المُتأنِّيَة، الحَذِرَة. وثمة، أحيانا، من يحذف هذا النوع من المعلومات، طمسا للحقيقة.

                              إن الإعلام الصادق يعيش مأساة حقيقية في عالم غارق في مستنقعات الكذب، وهي تكمن في أنه لا يجد التمويل الكافي لمتابعة رسالة نشر الحقيقة. الأغنياء الصالحون، إن وُجِدوا، فهم قلّة، وهم لا يملكون هِمّة عمل الخير في سبيل خدمة الحقيقة ومواصلته دون ملل أو كلل أو قرف، كما يملك الأغنياء الأشرار بكل معنى الكلمة، وهم كثر، الهمّة الغريبة العجيبة لصنع الشرّ ومواصلته. لذلك، نجد الإعلاميين الصادقين يدفعون أحيانا ثمن صدقهم، فتأتيهم الإغراءات أو التهديدات من قبل الأغنياء غير الصالحين (من أفراد وجمعيات سرية وحكومات ومخابرات) كي يسكتوا، أو يُسَكَّتون بالقتل الى الأبد. وهم، إن عاشوا ومارسوا مهنتهم بصدق، تجفّ منابع تمويلهم، ويُجبَرون على إغلاق مركز إعلامهم، ويقضون حياتهم فقراء، ويموتون فقراء. في لبنان (وفي غير لبنان) ثمّة أمثلة على كل هذه الحالات.

                            فلنطرح على أنفسنا بعض الأسئلة:

               كيف يجابه الشعب اللبناني الإعلام؟ 
                             كيف يتعامل معه؟    
                            كيف يقاوم، وهل هو حقا يقاوم، الخضوع لسلطة الإعلام حين يشذّ عن قاعدة الصدق؟
                              إذا قلنا أن الشعب يقاوم كذب الإعلام بالوعي، فإلى أي حدّ؟ وما هي نسبة الواعين لهذه الحقيقة؟

                              ما ندريه، بكل بساطة، هو أن معظم الناس، في لبنان، لا يغيّرون مواقفهم بسهولة تحت تأثير الإعلام، أكان كاذبا أم صادقا، ويحبّون أن يصدّقوا ما يحلو لهم، ويتناسب مع ذوقهم، ومزاجهم، وأرائهم ومواقفهم العائلية والمذهبية والطائفية والعقائدية الراسخة، المأخوذة سلفا.

                              في الحقيقة، الشعب اللبناني، بمعظمه، لا يجد أية حاجة أو ضرورة ليقاوم الإعلام أو ليصفِّق له، ولا يشعر بأنه مهدّد بأن يكون ضحيّة لخطر الإعلام. الشعب يتسلّى ويتندّر بأخبار الإعلام وتحليلاته، ويشكّ ويصدّق، وينتقد ويحلِّل ويسخر ويتهكم، ويغضب ويفرح، ويفهم الأشياء بحسب مزاجه، ودرجة وعيه، وروح التَبَعِيَّة والإلتزام لزعيم أو لمذهب أو لحزب أو لعائلة. والشعب، أحيانا، يحكم بالجملة على الإعلاميين (كما على الساسة) بقوله: كلهم يقبضون ويكذبون (إلا إعلاميو وسياسيو طوائفهم). والشعب لا يخفى عنه (لا أسرار في لبنان) أن معظم الإعلام مرتهَن لقوى مالية معروفة، خارج لبنان و/أو داخله، ينفِّذ سياستها. الإعلام يصبح في خدمة من يدفع مالا أكثر، وبثبات. الكذب، معظم الأحيان، على الشعب، هو القاعدة.

                                   لذلك، قليلون جدا هم الذين يصغون ويتلقّون ويتقبّلون، بجدّية ورحابة صدر وروح نقديّة واعية، تحليل ما يقدمه لهم الإعلام، ليكوِّنوا رأيا موضوعيًّا حول ما يجري، وليتخذوا موقفا رصينا، حرا، من القضايا المطروحة. الشعب، عموما، يتجنّب التفكير العقلانيّ العميق. هذا النوع من التفكير إنما هو أمر صعب ومتعب له، وقد اختار الطريق الأسهل وأخذ مواقفه سلفا بحسب انتماءاته المتعدّدة الموروثة وتأثُّرِ كل فريق منه بزعيمه وطائفته ومفكريالزعيم والطائفة، كما هو معلوم، وهو، أي الشعب، باستثناء قلّة مستقلة واعية، متحرِّرة، غير مستعدّ أن يَحيدَ عن مواقفه الثابتة، أو أن يضعها في موضع الشكّ.

                              إن "السلطة الرابعة"، كما ينبغي ان تكون، هي النخبة في الوطن، وتملك سلطة الفكر والعقل والكلمة الحق، والخبر الصادق، والرأي السديد. هي مدرسة أخلاق لكل سلطات الحكم وللشعب، ومنارة توجيه صالح لهم. ولكنّ الواقع يصدمنا بعنف، حين نحلِّق، نظريا، في سماء المثاليات الجميلة، ونرى الفارق الكبير بينها وبين حالة معظم الإعلام الخبيثة، البشعة، على أرض الواقع، وحالة الشعب والساسة التعيسة،  المتدهورة أخلاقيا وفكريا ونفسيا.

               "السلطة الرابعة"، في الحقيقة، تستحقّ أن تُسَمَّى "السلطة الأولى" بالمعنى الصحيح والصالح للكلمة. إنها صاحبة رسالة لا مجرّد موظفة عند الساسة والأغنياء. رسالتها أن تكون المرجع الأفضل والأفعل للشعب، كونها تهتمّ بتدوين يوميّ دقيق لتاريخه، وبتقييم الأحداث وتوجيهه هو، ومَنْ يوجِّه مسيرته من ساسة. إنها تواكب وتمارس صناعة التاريخ كل يوم. ما أجملها من سلطة وما أشدّ فاعليتها، إن هي صَدَقَتْ مع نفسها ومع الشعب الذي ينبغي أن يحضنها بروحه وماله، كي لا تلجأ إلى منابع المال والكذب داخل الوطن وخارجه، وتخون شعب الوطن، وتخون رسالتها السامية في قول الحق ونشر الحقيقة، مرتمية في أحضان عشاق وعبّاد المال والقوة والسيطرة والإستعباد، الذين لا يجيدون إلا خلق الفتن بمالهم وكذبهم وتوجيهاتهم الخاطئة، الشريرة.

               في طوافنا هذا، لا نملك إلا أن نطرح الأسئلة، كوننا لا نملك أجوبة نهائية، جازمة، حول مستقبل الإعلام وتفاعله مع الشعب، على أرض الواقع، كما نراه ونشتهيه في مثاليته. فهل يا ترى، يستطيع الشعب في لبنان (مصدر كل السلطات) أن يبادر إلى دعم سلطته الأولى، الإعلام، وحمايتها، وهي ابنته البارّة، قد وُلِدَتْ من رَحِمِ روحه على صورته ومثاله، لتجسّد وتعكس روحه وسلطته هو بالذات، لا أية روح أخرى، ولا أية سلطة أخرى، فتؤدي (مع سلطات الحكم المنبثقة من الشعب)، بشكل صادق، وفيّ، مخلص، وكامل، واجبها في حماية مصالحه وحقوقه وكرامته ووجوده بالذات، وتعكس وتجسّد روحه الحقيقية، كشعب يحمل رسالة التبشير بِقِيَمِ الحبّ والسلام والقوة، رسالة هي، بكل بساطة، روح المقاومة الصالحة المعنوية (أي بقوة الفكر والأخلاق)، والمادية (أي بقوة السلاح) لروح الشرّ والباطل، في عالم لا يفرز إلا الشرّ والباطل؟

                              نحن بحاجة الى شعب مُوَحَّد، حيّ، قوي، مقاوم بالروح والسلاح، والى قيادة من روح هذا الشعب، لتتكوّن وتولد من تفاعل هاتين القوتَين تفاعلا خيّرا، بنّاءاً، السلطة الأولى، "أمّ" كل السلطات. في لبنان، ما زال عندنا عدة "شعوب" منقسمة على ذاتها، تستقوي على بعضها البعض بواسطة حكومات الخارج ومالها وسلاحها. وعندنا زعماء كثيرون هم طلّاب مال وعروش قوة ومجد وعظمة وخلود على الأرض، لا يقيمون وزنا لمبادىء الأخلاق الحميدة والسلوك القويم، ولا يحسبون أي حساب للآخرة. وهنا تكمن كل مشاكل هذا الوطن المعذَّب على الدوام، والمستضعَف من القريب والبعيد. لذلك، وبسبب حبنا الصادق والقويّ للوطن بشعبه وأرضه، لا نتعب من طرح السؤال عينه على أنفسنا:

                              كيف السبيل، وهل من سبيل، يا ترى، الى الخلاص وتحقيق حلمنا بوحدة الشعب وقوته، وبقيادة حكيمة، موحّدة بروح الخير والمحبة والبناء؟
 
                              إنّ الخلاص يحصل إذا تجاوب الشعب كله (وما أصعب ذلك) مع نداءات التوعية التي يطلقها المخلصون، وتَوَحَّد مع ذاته وقادته بالفكر والقلب والروح، ليصبح هو السلطة الأولى. ولكنْ، هذا شيء يشبه الحلم في لبنان، خاصة في هذه الأيام السيئة، المُحبِطة، غير أننا نتوق إلى تحقيقه في مستقبل نتمنّى ألّا يكون بعيدا جدا.

                              يمكننا، هنا، أن نحاول، من جديد، مع شيء من التفصيل، الإضاءة على واجبات "السلطة الرابعة" المتحرّرة من أي شعور بالغرور والكبرياء والأنانية والطمع، ومن أي ارتباط مالي وسياسيّ، والمُمَوَّلة من تبرّعات الشعب إن أمكن، و/أو الأغنياء الصالحين، إن وُجِدوا. يمكننا اختصار تلك الواجبات، بما يلي:

                            -أن تساعد الشعب، لا بل تجبره، بقوة الإعادة والتكرار والإلحاح،على التفكير، وأن تجعله يعي مسؤولياته وواجباته وحقوقه تجاه نفسه، وتجاه وطنه أي شركاء الوطن، وأن يشارك في صنع قراره ومصيره باختياره الجيّد لممثليه في الحكم، وبالتجرّؤ على محاسبتهم إن هم أَخَلّوا بوعودهم وشذّوا عن طريق الحق.

               -أن تراقب، بدقّة وموضوعية وتجرّد، أداء كل المسؤولين في الحكم، وتقول الحقيقة عنهم دون مواربة أو مسايرة أو خوف أو حقد او خضوع لمشيئة الأقوياء وأصحاب المال، فتفضح أخطاءهم (بسبب عدم محاسبة الشعب لهم)، وكبرياءهم (بسبب عظمة المركز والسلطة والراتب الخيالي والمخصصات السخية والضمانات والتعويضات والإعفاءات من الرسوم والضرائب)، وفسادهم (من خلال هدرهم وسرقتهم للمال العام)، وعرقلتهم للمشاريع (لأسباب شخصية ونفعية)، وكذبهم أمام الرأي العام اللبناني (لأنهم تعوّدوا تمرير الكذب دون مساءلة ومحاسبة). ثم تمدح وتشجّع وتشكر، بصدق، ودون مبالغات، إنجازاتهم، إن هم أنجزوا شيئا يستحقّ الذكر والتقدير.

                            -أن توبِّخ الساسة على تبادلهم الكلام المهين بسبب خلافاتهم التافهة، العاصفة، الدائمة، حول مصالحهم الشخصية لا مصالح الشعب، وحول الأحجام والأوزان، وحول تقاسم حصص الحقائب الوزارية، خاصة بعد وفرة ال"غلّة" الطائفية للإنتخابات النيابية، وأكثر من نصف الشعب اللبناني لا يشارك في الإنتخابات. 

               -أن تعطي الساسة دروسا بقواعد الأخلاق، وتذكِّرهم بتراث لبنان الروحي ةالأخلاقي والفكري وبوجوب التهل من معينه الصافي، وبوجوب اكتساب وممارسة فضائل الصدق والتواضع والقناعة والنزاهة، وروح خدمة الشعب، وبوجوب نبذ روح الطمع وعقد الصفقات وتكديس الثروات وتكثير الأملاك والإستثمارات، وتجميع الأزلام والسلاح، وبوجوب عدم الإتفاق فيما بينهم فقط من أجل زيادة رواتبهم وتمديد حكمهم وقتل الشعب الفقير بالضرائب والرسوم وغلاء المعيشة لملء الخزينة المنهوبة وسد الديون العامة المتراكمة، من تعبه هو الفقير، لا من تعبهم هم الأغنياء، وبوجوب الكفّ عن قتله بالوعود الكاذبة، وعن إستغلال الحصانة النيابية وكسر القوانين، وبوجوب نبذ روح الطائفية والتعصّب والتعامل فيما بينهم بأسلوب الكيدية والإحتقار والنكايات والإنتقام، وجرّ أتباعهم إلى جحيم خلافاتهم.

               -أن تجعل الشعب وزعماء الشعب يؤمنون إيمانا ثابتا بأن يتابعوا محاولاتهم من أجل تحقيق ما يبدو لهم شبه مستحيل، ألا وهو حلم توحيد الوطن، وحلم استقلاله الحقيقيّ، وحلم حماية صحة المواطنين وأخلاقهم وبيئتهم وتأمين كل الضمانات لهم من المهد إلى اللحد، وتربيتهم وتعليمهم، منذ الصغر، على واجب احترام القوانين واحترام سائر المواطنين.

                              -ألّا تقطع الأمل أبدا، وألا ينفذ صبرها أبدا، من متابعة زرع البذار الجيدة في قلوب وعقول الشعب الطيب وزعمائه، حتى في وجه أعتى الرياح، فلا بدّ، بقوة الإيمان والثبات فيه، من أن تنبت يوما الثمار الجيدة.

                              -أن تنبّه الشعب وقادته دائما بأن يقلعوا عن عادة إهمالهم المزمن لحماية حقل البذار الجيدة والزرع الجيّد من تعدّيات الأشرار، ببناء سياج واحد عال، منيع، بسواعد قوية موحَّدة، يحمي الشعب اللبناني من تدخلات حكومات الخارج وزرعها للفتن بين أبناء الوطن الواحد، وبثها لسموم الفساد الفكري والأخلاقي والروحي في نفوسهم.

               -أن تدعو الساسة بإلحاح لترك القضاء وشأنه، ليقوم بواجبه بحسب الحق والقانون والعدل، دون تدخلاتهم، وأن تدعو القضاء إلى الإنتفاضة ضدّ تسلط وسطوة الساسة ومالهم والتحرر منهم نهائيا، وإلى ممارسة رسالته على أكمل وجه، لأن القضاء العادل النزيه هو، في الحقيقة، المخلّص الوحيد للشعب اللبناني من الفساد والفوضى والظلم.

               -أن تعمل من أجل حثّ الساسة وأثرياء لبنان على بناء جيش وطنيّ قويّ جدا بعديده وسلاحه المتطوّر، يقدر على حماية الوطن ضد شرور الإرهاب، دون تحايل وحجج واهية يرددها بعض الساسة وبعض الطامحين إلى عروشها، لإرضاء حكومات القرار في الغرب والعدوّ الصهيوني، محميتها العسكرية في فلسطين.

               -أن تعمل، أخيرا وليس آخرا، برصانة وجدّية وصدق، لتدعم المقاومة في لبنان وفلسطين، ولتصبح إعلاما مقاوما في هذا العالم الفاسد، لا إعلاما ضدّ المقاومة، أو إعلاما حياديّاً، باهتا، يلهث وراء فتات المصالح والمال وحياة الرخاء والذلّ. إن الصراع الفكري والروحي والأخلاقي والحضاري والإقتصادي والعسكري ضدّ العدوّ الصهيوني العنصري وحلفائه الكثر، سوف يطول، ولا مفرّ منه. على الإعلام أن يكون مستعدا لخوض هذا الصراع.

                              إننا نعي تمام الوعي بأننا نحلم بتحقيق أشياء تلامس حدود المستحيل. الواقع يصفعنا كل يوم بنواقصه وشروره ومآسيه. إننا، في لبنان، ولنقلها دون خوف ومواربة وبكل صراحة وصدق، ولو أغاظ ذلك المتكبرين، نعاني، شعبا وساسة، من نقص هائل في التربية الأخلاقية والفكرية والروحية الصحيحة. لقد  تراكم هذا النقص وتنامى عبر السنين، بسبب إهمال الأهل والمعلمين والمرشدين الروحيين والإعلاميين والدولة لواجباتهم، في عالم تنامت وثقلت فيه الهموم المعيشيّة على الشعب الفقير فقط، وغزوات التكنولوجيا وأفكار التحرّر الديني، والفلتان الأخلاقي والامني، والإلحاد، وعبادة المادّة والشيطان، والحروب، ينشرها، بقوة إغراء الإعلام الفاسد والمال والتهديد بالسلاح، تيار "عولمة" عاصف، جارف، شرس، فجّرته حكومات الغرب (بوحي ودعم من "القوة الخفية" التلمودية وحلفائها ممّن يُسَمَّون ب"الدولة العميقة"، مالكي الإعلام والمصارف والشركات ومناجم الذهب والماس ومعامل الأسلحة والأدوية والغذاء وغيرها...) في وجه كل شعوب الأرض.

                              إننا، دون أي شك، قد تأثرنا جدا، خاصة شبابنا، بشكل سيّء بهذا التيار، نفسيا وأخلاقيا وفكريا وسياسيا واقتصاديا، نحن الوطن "المضياف"، المشرّع الأبواب، جسر العبور الدائم الحركة بين شرق وغرب وشمال وجنوب، ومقرا وممرا لكل أنواع "الإستعمار" (بعكس ما نصّت عليه وثيقة الإستقلال)، الوطن المشرذم، الضعيف. وقد عانى الشعب اللبناني المتلهّف والمتلقف دائما لكل جديد تحت الشمس، وما زال، حتى الآن، يعاني، وحده، الكثير من سلبيات للغزوات المتتالية لتيار العولمة هذا، الغزوات الأخلاقية والسياسية والعسكرية والإقتصادية والإعلامية الوقحة، وفرض مشيئته، بقوة وسحر المال والتهديدات والعقوبات الإقتصادية (يسمون ذلك ب"الضغوط") على ساستنا وإعلاميينا، ونُخَبِنا في كل المجالات، وبالعنف أحيانا (بواسطة الكيان العنصري في فلسطين وإرهابييه) على المقاومة والجيش والوطن بأسره.

                              ولكن، رغم كل شيء، علينا (وهنا يكمن دور الإعلاميين الكبير، وأيضا أساتذة الجامعات والمفكرين ورجال الدين، بتوعية الشعب والساسة) أن نعي فداحة الأخطار المحيطة بنا، وألّا نستسلم أمام التحدّيات الكبيرة والتي تفوق طاقاتنا على التحمّل، إن بقينا غير موحَّدين. علينا ان نعي صعوبة تربية شعب بكامله، تربية صالحة دائمة. فلنبدأ بالتركيز، على الأقل، عملا بالقول المأثور "العلم في الصغر كالنقش في الحجر"، على تربية أطفالنا وشبابنا (في البيت والمدرسة والجامعة) على حبّ الله والقريب والوطن والنظام والقانون. ولا نقطعنّ الأمل أبدا بجدوى أن نوَجِّه، باستمرار، نداءات التنبيه وصرخات التوعية إلى معظم ساستنا وإعلاميينا ونُخَبِنا الغارقين في أجواء تطفح بنشوة السعادة والعظمة، وعبادة الذات والمال وآلهة المال والممتلكات، وامتلاكهم لمناعة رهيبة ضدّ تغيير أنفسهم نحو الأفضل، وضدّ التفكير بالشعب الفقير المعذَّب، وندعوهم بإلحاح وقوة أن يهبّوا هبّة واحدة لنجدته وإغاثته.

                              علينا، إن كنّا من أبناء الحياة المقدّسة والنور الإلهيّ الصافي المشعّ، أن نحلم على الدوام بالسلام والمحبة والوحدة. وعلينا، إلى جانب حلمنا هذا، أن نسعى، معا، السعيَ الحثيث، الدؤوب، المحبّ، الصَّبور، بالفكر والقول والعمل، من أجل تحقيق ولو جزء يسير من هذا الحلم لنا، ولأولادنا وأحفادنا من بعدنا. هكذا نحيا بكرامة، ونبقى أقوياء وسعداء وأحرارا بمعرفة الحق وبنور الوعي، ونطرد ظلمات الجهل والباطل والخوف والقنوط والخنوع والحقد والكيدية والحسد والإنتقام من نفوسنا، ونبدأ نحن، لا الغرباء كما درجَتْ العادة، بصنع تاريخنا، خطوة خطوة، فتكون لنا، معا، بداية تاريخ جديد نظيف، شريف، حرّ، سعيد، ومجيد، في أرض مقدسة، خصيبة، وفي ظلال بركة سماء معطاء.

                              فلنحلم، إذًا، معا، بصدق وثبات وقوّة، وسط عوالم الكوابيس والشرّ الكثيرة من حولنا التي تريد خنق حلمنا، بعالم مثاليّ أفضل، ولنعمل، معا، بواقعية وصدق وثبات وقوة، على تحقيق هذا الحلم. ساعتها، يكون لنا أمل كبير بتحقيق، بقوتنا الذاتية، معجزة ولادة جديدة لوطننا لبنان الموحّد، القويّ، بشعبه المقاوم وجيشه، وكل نُخَبِه وساسته وإعلامييه.

                              إنها ولادة لا يريدها للبنان إسخريوطيو الداخل، أعداء أنفسهم والوطن، وعبّاد المال والسلطة والمجد الباطل، ولا يريدها له أعداؤه الكثر المعروفون، في الخارج، من حفدة الكتبة والفريسيين وأباطرة الشر والعظمة والغرور. إنها، في الحقيقة، قيامة مجيدة للوطن من قبر نزاعه البطيء، الطويل، ومن موته "السريريّ" الأبدي، وهو محاط ومحروس، ليلا نهارا، ب"عناية" الأبالسة الفائقة لمنعه من الشفاء والقيامة. إنها سوف تكون قيامة يرعاها أبناء لبنان المقاومون الأبرار لأبالسة الشرّ، بسيوف الحق النارية والنورانية.

المصدر: النهضة نيوز
المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه