خيم حزن كبير على لبنان فور الإعلان عن وفاة المخرج اللبناني سيمون أسمر عن عمر ناهز 76 عاماً، بعد صراع طويل مع مرض الكلى الذي تحداه، وكان يعبر عن تحديه لأي انتكاسة مرضية بكلماته المعهودة "مبلش من جديد"، و"ما رح إزعل" وبعدها يستأنف نشاطه من جديد ويعود أقوى من الأول.

ومع رحيل صانع النجوم سيمون أسمر، مساء الأربعاء الماضي، يطوي لبنان صفحة مبدع صنع جيلا بأكمله من الفنانين، لكن بصمته ستبقى موجودة في عالم الفنّ والشاشة الصغيرة.

ومن أبرز الفنانين الذين ظهروا على يده "ماجدة الرومي، ومنى مرعشلي، ووليد توفيق، وعبد الكريم الشعار، ونهاد فتوح، ونوال الزغبي، ووائل كفوري، وعاصي الحلاني، وراغب علامة، وآخرون.

ويرحل سيمون الحاصل على لقب صانع النجوم، تاركا خلفه إرثا من الصفحات المشرقة التي تستقر في وجدان أجيال تبحث عن مثل حرفيته، لاسيما أنه تمكن من تخريج دفعة من أهم الفنانين في لبنان.

وحصل سيمون الأسمر على أكثر من 20 جائزة في لبنان والعالم، منها أفضل مبدع تلفزيوني عام 1994، وجائزة مفتاح سيدني في أستراليا في العام نفسه، كما قدمت له موسوعة جائزة العام الدولية في العام 1997.

ومن أشهر البرامج التي فتّحت العيون عليه برنامج "استوديو الفن" الذي عُرض أولاً على قناة (7)، ليتوقّف بعدها بسبب اندلاع الحرب الأهلية، إذ أراد أن يرتاح من المرور على الحواجز يومياً تحت القصف للوصول إلى "تلفزيون لبنان".

ويعتبر برنامج "استديو الفن" الذي كان يعرض على قناة  7 من أبرز البرامج التي ظهر فيها سيمون اسمر، لكنه توقف عن عرضه في القناة بسبب الحرب اللبنانية، لاسيما أنه كان يعاني من الحواجز اليومية، والوصل إلى مقر تلفزيون لبنان.

وترك سيمون اسمر بصمة كبيرة في البرنامج، واستطاع أن يحقق البرنامج بوجود سيمون تفاعلاً غير مألوف لدى الجمهور اللبناني، خصوصاً بعد تخريجه دفعة من أهم الفنانين في لبنان، أمثال ماجدة الرومي ومنى مرعشلي ووليد توفيق وعبدالكريم الشعار ونهاد فتوح وغيرهم، فجاء العرض من المؤسسة اللبنانية للارسال "LBC" لإعادة ضخّ هذا الكم من المواهب والفنانين بعرض البرنامج عينه على شاشتها.

العرض من المؤسسة اللبنانية للارسال "LBC"قوبل بالمواقف من اسمر، لا سيّما أنه كان قريباً من منزله، لتكرّ سبحة تخريج فنانين وإعلاميين باتوا في الصف الأول لبنانياً وعربياً، محققين النجومية والشهرة أمثال: نوال الزغبي، وائل كفوري، عاصي الحلاني، راغب علامة، عبد الغني طليس، معين شريف، إليسا، مايا دياب، ميريام فارس، نيشان، جيزيل خوري، زياد برجي، مايا نصري، فارس كرم.

"بيضل اسمي سيمون أسمر، وما بيتغيّر شي"،

ونجح المخرج اللبناني الكبير سيمون أسمر في تحقيق رسالته الكامنة في نقل مركز الثقل الفني من مصر إلى لبنان، والمحطات التلفزيونية شاهدة على اختيارها لبنان مركزاً لتصوير أهم البرامج التي تعنى بالمواهب والفن والفنانين.

ويعتبر أسمر رائد المؤسسة الفنية اللبنانية فعد أن كان يفتقر إليها اللبنانيون خصوصاً بعد الحرب الأهلية، فجاءت مرفّهة تحمل لهم نفساً فنياً عرّفنا على فناني الزمن الجميل.

حروب الفن

اندلعت حروب فنية بين اسمر وبعض الفنانين خصوصاً بعد إنشاء مكتب "استدويو الفن" الذي دفع ببعض الفنانين إلى الانتفاض على أسمر.

واتهموا الأسمر بأنّ العقد الفنّي الموقّع معهم كان "يخنق" الفنان ويلزمه تسليم مستقبله للأسمر لأمد طويل، لكن أسمر ردَّ على تلك المزاعم قائلاً "لدي نظرة أكثر دراية في ما يتعلق بمفهوم النجومية... ساعدت الجميع وكنت أسعى خلفهم لكي ينجحوا".

دراسته

يشار إلى ان سيمون اسمر درس تخصص "صناعة النجوم" في فرنسا على مدى أربعة أعوام تضمّنت كل ما له علاقة بالفنون والالكترونيات وهندسة الصوت وإعداد الفنانين قبل أن يتم "اصطياده" من جانب "تلفزيون لبنان" حينها، وكانت لتلك الدراسة الاثر الكبير في حياته، وهو ما أهله ليكون صانع النجوم بحق.

ويعتبر سميون من الذين أيقظوا بعض الاهتمام بالتفاصيل التي تشمل الثياب وطريقة المشي والتصرّف أمام الكاميرا والكلام وتسريحة الشعر ونوعية الأغنية وطريقة الإعلان والإعلام عنها، وعن المغني، وصولاً إلى اسم الفنان الذي عمد إلى تغييره واستبداله باسم فنّي طنّان.

ولقد أهل دراسة سيمون صناعة النجوم في فرنسا للتربع على عرش الإخراج التلفزيوني لأنّه كان يرى أنّ "الاخراج ليس مجرد "تكبيس أزرار"، بل هو إحساس عالٍ بكل ما نراه من خلال عدسة الكاميرا".

 

أسمر والعائلة

وتعتبر الحياة الزوجية والاجتماعية لسيمون اسمر حياة مستقرة جداً، إذ تزوّج من ندى كريدي في العام 1977 ورزقا ثلاثة أولاد هم وسيم، كريم، وبشير. لطالما كان يعتبر أنّ أفضل الأوقات التي يمكن أن يمضيها كانت مع ندى وأولاده الثلاثة.

وبنى سيمون اسمر لأبنائه "بيوتاً قريبة ومتصلة ببيتي، ليظلوا الى جانبنا، نستطيع رؤيتهم "اذا مش كل يوم"، مرة في الاسبوع على الاقل".

وكانت تربط سيمون علاقة صداقة مع اولاده الثلاثة، الذين أشار في أكثر من لقاء معه أنه كان يعاملهم كاصدقاء وليس مجرد ابناء.

سيمون أسمر الإنسان

تمتع سيمون اسمر بشخصية انسانية راقية، إذ كان يتعامل بلطف مع الجميع ولديه ميزة التواضع التي جعلته يقتحم قلوب كل من يعرفه، ويكشف سيمون عن أنه كان يمسح الغبار خلال فترة عمله في تلفزيون لبنان، معبّراً عن فخره بماضيه، وقال في حلقة "المكتب الثاني" على "أم تي في": "طفران ومكسور بس روحي الإيجابية محافظ عليها... وما رح ازعل ولا انتحر".

انتكاسة مادية وسجن وتهمة بالقتل

تعرض المخرج سيمون اسمر لعدة انتكاسات مالية، كانت اقساها في العام 2013 عندما اوقفته دورية في قوى الأمن الداخلي تنفيذاً لمذكرة توقيف صدرت في حقه من قاضي التحقيق في جبل لبنان بجرم إصدار شيكات من دون رصيد بمبلغ كبير وصل الى 500 ألف دولار أميركي.

لم تكن الانتكاسة المالية هي الانتكاسة الوحيدة التي احزنت قلب سيمون، بل عملت السلطات اللبنانية على التحقيق معه للاشتباه في ضلوعه بجريمة قتل، لتُصدر حينها عائلته بياناً تؤكد براءته.

واشارت عائلة سيمون اسمر في حينها الى أنّها "لن تَدخُل في أيِّ سجالٍ من أيّ نوع كان مع أحد بالردّ على الاتهامات العشوائية، لأنّ التشهير ليس عملاً شجاعاً بل عمل الجبناء".

وعلى صعيد الانتكاسات الفنية، وبعد أن أمضى أسمر 10 أشهر في السجن، استراح فترة وجيزة وعاد إلى نشاطه الذي لم يلقَ ترحيباً هذه المرة من كثير من النقاد، خصوصاً بعد تجربته في "ديو المشاهير" التي اعتبرت بمثابة توقيع على نهايته المهنية.

جوائز عدّة

تمكن سيمون أسمر من حصد العديد من الجوائز العربية والدولية، إذ حصل على حوالي 20 جائزة محلية وعربية ودولية، منها "أفضل مبدع تلفزيوني" عام 1994 وجائزة "مفتاح سيدني" في أوستراليا في العام عينه. وقدّمت له موسوعة جائزة العام الدولية في العام 1997 وفي عام 2003 ولمناسبة مرور 44 عاماً على خدماته في مجال الفنّ كرّمته لجنتا تخليد عمالقة الشرق و"أصدقاء سيمون أسمر".

نذر أسمر حياته لأجل

على الرغم من الانتكاسات الصحية والمالية والقضائية التي مرَّ بها إلا انه كان يتمسك بهدفه، وهو الخروج بإبداعات وأفكار جديدة لبرامج لم يُكتب لها النجاح لو لم تحمل اسمه، إضافة إلى تخرج فنانين جدد يعلون من شأن الفن.

وعندما كان يمر سيمون بأي ازمة "كأني بعدني مبلّش، أعمل كأنه نهاري الأول، وطالما الصحة جيدة، الحماسة موجودة، خصوصاً أنّ التلفزيون هو بحد ذاته تجدّد دائم".

الانتكاسة التي لم تمرّ على خير

وعن تجربة المرض، قال: "علّمتني أن أعيش حياتي من دون النظر الى الوراء، علمتني إرادة العيش والحياة... وألا أنتظر شيئاً من أحد... "ما حدا مجبور بحدا"، ليردّد بعد كل انتكاسة: "قطوع ومرق"، غير أنّ هذه المرة "ما مرق".