أظهرت دراسة علمية حديثة أن الغريزة الجنسية بين الذكور والاناث لا تختلف مطلقًا بين الجنسين، نافيةً نتائج الدراسات السابقة التي كانت تدعي بأن الرجال لديهم رغبة لممارسة الجنس وأكثر انجذابًا للمواد الإباحية من النساء الأمر الذي احدث جدلًا بين العلماء وخاصة العلماء النفسيين.

ففي أوائل الخمسينيات من القرن الماضي نشر أول اختصاصي في علم الجنس في أمريكا ألفريد كينزي، دراسة له تشير إلى أن الرجال لديهم رغبة أكبر بكثير لممارسة الجنس وأكثر انجذاباً إلى المواد الإباحية من النساء.

واستند العالم كينزي إلى نتائج استطلاع قام به والتي تؤكد أن الرجال يثارون بسهولة أكثر، وغالباً بواسطة الصور الجنسية أكثر من النساء وقد كان من المنطقي وفقاً لنظرية علماء النفس التطوريين، أن المتعة الجنسية للمرأة قد ترتبط بالأعباء المحتملة للحمل والولادة وتربية الأطفال، وبأنهم سوف يحتاجون إلى علاقة عاطفية أعمق مع شريك يشعرها بالأمان والاستقرار بشكل أكبر من الرجال.

وفي ذات الوقت فقد ذكرت إحصائيات حديثة أن الرجال لا يزالون هم المستهلكون المهيمنون للمواد الإباحية على الإنترنت وكذلك أن الرجال أكثر عرضة لفرط النشاط الجنسي، في حين أن الافتقار إلى الرغبة وفقدان الشهوة الجنسية أكثر انتشاراً بين النساء لذلك كان من المفاجئ إلى حد ما عندما نشرت صحيفة في المجلة المرموقة  "P.N.A.S"التي ذكرت في يوليو أن ما يحدث في أدمغة الإناث المشاركات في الدراسة عندما ينظرون إلى الصور الجنسية يشبه إلى حد كبير ما يحدث في أدمغة نظرائهم الذكور.

فالباحثون، بقيادة الباحث حامد نوري من معهد ماكس بلانك لعلم التحكم البيولوجي في ألمانيا لم يهتموا في البداية باستكشاف السلوك الجنسي حيث كانوا يحاولون إيجاد طرق لتوحيد التجارب التي تستخدم التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (F.M.R.I) لمراقبة كيفية استجابة الدماغ للمنبهات البصرية ومن أجل القيام بذلك، احتاجوا إلى مقارنة الدراسات السابقة التي استخدمت طرقاً متشابهة ولكنها أعطت نتائج متنوعة ومختلفة عن بعضها البعض.

لقد صادفوا ضمن اختياراتهم الدراسات التي نظر فيها المتطوعون من الذكور والإناث على الصور الجنسية، لأن القيام بذلك يميل إلى توليد إشارات قوية في الدماغ، مما يسهل تحليل النتائج ورصدها، ولأن هذا النوع من الأبحاث أنتج منذ فترة طويلة، فقد وجد الباحثون أن نتائجه غير متسقة ومتناقضة وهذا قد يساعد الباحثين في تحديد أسباب هذه التناقضات في تصميم تجارب أفضل.

وقد استند بحث حامد نوري إلى 61 دراسة على الرجال و النساء البالغين الأصحاء ذوي الميول الجنسية المختلفة، بما في ذلك المخنثين والمتحولين جنسياً، الذين قاموا بتقييم الصور المثيرة من حيث مدى إثارتهم ثم تم وضع هؤلاء المشاركين في جهاز المسح بالرنين الصوتي (F.M.R.I)، الذي يكتشف التغيرات في تدفق الدم المرتبط بالنشاط العصبي، وقد تم عرض الصور الأكثر إثارة وكذلك الصور المحايدة وغير المؤهلة عليهم، أثناء وجودهم في الجهاز حيث وجد فريق نوري أن نوع المادة المرئية المعروضة سواءٌ كانت صورةً أم مقطع فيديو، كان أقوى مؤشر على الاختلافات في أجزاء من الدماغ التي تشكلت بعد مشاهدتها.

بشكلٍ غير متوقع، كان أضعف مؤشر هو الجنس البيولوجي (النوع الاجتماعي) للمشاركين في الدراسة وبعبارةٍ أخرى، عندما ينظر الرجال والنساء إلى الصور الإباحية، كانت الطريقة التي استجابت بها أدمغتهم، بشكل عام هي نفسها إلى حد كبير.

أسفر هذا الاستنتاج عن الكثير من الأسئلة الاستفزازية والمناهضة للفكرة عن عنوان الورقة: "الركائز العصبية للإثارة الجنسية لا تعتمد على الجنس (النوع الاجتماعي)"، إلى جانب الجدل في علم الأعصاب الإدراكي بين علماء الأعصاب وعلم النفس والمختصين الجنسيين أيضاً.

حيث اعترض الباحثون الذين أظهر عملهم فروقاً بين أدمغة الرجال والنساء الذين ينظرون إلى المنبهات الجنسية على هذه الدراسة وهذا الاستنتاج الذي اعتبروه غير منطقياً.

لكن الغرض من التحليل الإحصائي للعديد من الدراسات معاً، وهي عملية تسمى التحليل التلوي، هو الكشف عن الأنماط العالمية التي لا تستطيع الدراسات الأصغر إجراؤها أو القيام بها.

إن علم الجنس متناقض بطبيعته فلعدة قرون، أدانت وصمة العار الاجتماعية والذكورية وكره النساء باعتبار المتعة الجنسية عيباً وعملاً شاذاً لا يصح النقاش فيه، الشيء الذي تغير في زمننا هذا وأصبحنا ندرك صحية دراسة السلوك الجنسي وعلومه ومع ذلك، على الرغم من الإدراك المتنامي لكيفية تشكيل وجهات النظر الخارجية حتى لسلوكنا الأكثر خصوصية، لا يزال بإمكاننا تجربة آليات رغبتنا الخاصة، بغض النظر عن الآخرين، باعتبارها لغزاً أساسياً لكل إنسان.

يحاول فريق نوري تسليط الضوء على جزء كبير من هذا اللغز العالق، فإذا كانت أدمغة الرجال والنساء تستجيب بالمثل للمحفزات الجنسية، فما الذي يفسر الاختلافات الواضحة في طريقة تعاملهم مع الممارسات الجنسية؟

الإجابة على هذا السؤال تعني ربط النقاط بما يحفز الخلايا العصبية المحددة إلى كيفية تحفيز تلك الغرائز للأفكار والمشاعر الكثيرة التي لدينا حول الجنس بالإجراءات التي نتخذها رداً عليها وتلبيةً لها.

إن معرفة ما يجب أن يبدو عليه كل هذا من الناحية العصبية يمكن أن يمنح الأطباء طرقًا أكثر لعلاج 43 % من النساء و 31 % من الرجال، الذين يبلغون عن مشاكل في تجربتهم أثناء ممارسة الجنس وفقاً لعيادة كليفلاند.

جوستين جارسيا مدير معهد كينزي في جامعة إنديانا يقول: "ترتبط قضايا السلوك الجنسي والممارسة الجنسية ارتباطاً وثيقًا بالصحة العقلية والرضا عن الحياة، وحتى بالصحة الفسيولوجية للشخص، وهذا يجعل من الضروري معرفة ماهية الأجزاء المكونة والمحفزة للجنس والرغبة الجنسية".

في الواقع، ما زال من الصعب للغاية تفسير معنى النشاط في منطقة معينة من الدماغ فعند مناقشة موضوع الرعشة الجنسية أو الشبق الجنسي، تواجه النساء في كثير من الأحيان، وغالباً أكثر من الرجال، انفصامًا واضحاً بين الإثارة الفسيولوجية لديهم، المقاسة بدرجة حرارة الأعضاء التناسلية والرطوبة والتورم، وما يصفونه بالشعور الناجم عن الوصول لذروة الشهوة الجنسية المسماة بالشبق الجنسي أو الرعشة.

فقد يعني هذا أنهم لا يدركون أو لا يرغبون في الكشف عن أن الصورة تثيرهم حقاً، أو أنهم يعتقدون أن الصورة لا تثيرهم، من الناحية الفسيولوجية وهذا التنافر يثير مجموعة من التعقيدات في فهم السلوك الجنسي وسيكولوجيته في النساء.