نجح مجموعة من العلماء في تحديد الخلايا العصبية التي تساعد الدماغ على النسيان.

وقالت صحيفة نيويورك تايمز، إن صحفي ظهر  بمشكلة غير عادية وهي عدم قدرته على نسيان شئ على الإطلاق.

كما شرع الدكتور ألكساندر لوريا، العالم النفسي والعصبي، في اختبار الصحفي، الذي أصبح يعرف لاحقًا باسم موضوع الاختبار "S"، من خلال إخباره سلاسل طويلة من الأرقام والكلمات، والقصائد الأجنبية والصيغ العلمية، التي كررها "S" جميعاً دون فشل أو نسيان، و بعد مرور عقود، لا يزال "S" يتذكر قوائم الأرقام تماماً عندما قام د. لوريا بإعادة اختباره.

ولفتت الصحيفة إلى أن قدرة S"" الخارقة على التذكر كانت أيضاً عائقًا في حياته اليومية، حيث كان لديه صعوبة في فهم المفاهيم المجردة أو اللغة المجازية، وكان فظيعاً في التعرف على الوجوه لأنه حفظها في وقت محدد، مع تعبيرات وخصائص محددة للوجه، لقد أصبحت القدرة على النسيان، كما أدرك العلماء في النهاية، مهمة بنفس قدر القدرة على التذكر للإنسان.

وقال رونالد ديفيس، عالم الأحياء العصبي بمعهد سكريبس للأبحاث بفلوريدا: "نحن غارقون في الكثير من المعلومات كل يوم، ويتحول جزء كبير من هذه المعلومات إلى ذكريات في الدماغ".

كما قال باحثون مثل الدكتور ديفيس بإن النسيان هو آلية فعالة يستخدمها الدماغ لتطهير أجزاء غير ضرورية من المعلومات حتى نتمكن من الاحتفاظ بأخرى جديدة، بينما ذهب آخرون نحو خطوةٍ أبعد من ذلك، مما يشير إلى أن النسيان هو مطلوب للمرونة العقلية الكامنة في التفكير الإبداعي والخيال أيضاً.

وأشارت ورقة جديدة نشرت يوم الخميس في مجلة "Science" العلمية إلى أن مجموعة من الخلايا العصبية في الدماغ قد تكون مسؤولة عن مساعدة الدماغ على النسيان، فقد تعثر أكيهيرو ياماناكا، عالم الأعصاب بجامعة ناغويا في اليابان، وفريقه عبر تلك الخلايا، المعروفة باسم هرمون تركيز الميلانين أو الخلايا العصبية، أثناء دراسة تنظيم النوم في الفئران.

ووفقاً لدراسة، على عكس معظم الخلايا العصبية في الدماغ، والتي تنشط عندما تكون الحيوانات مستيقظة، تبدأ الخلايا العصبية في منطقة ما تحت المهاد في إطلاق الإشارات الكهربائية بشكل أكثر نشاطاً عندما يكون الحيوان النائم في مرحلة تسمى "R.E.M"، حيث تتميز هذه المرحلة من النوم بحركة العين السريعة ونبض مرتفع وموجات دماغية فريدة وأحلام حية لدى البشر،

ووجد الباحثون عندما تتبعوا تلك الإشارات لدى الفئران، أن الخلايا كانت تقمع الخلايا العصبية في الحصين، وهي منطقة في الدماغ معروفة أنها تلعب دوراَ في التحكم وتحفيز الذاكرة.

كما استخدم الباحثون أدوات وراثية لتحويل الخلايا العصبية وخارجها في الفئران قبل إجراء بعض اختبارات الذاكرة على البشر.
أولاً: قدم الباحثون للفئران موزةً بلاستيكية صغيرة ولعبة خشبية للاستكشاف جنباً إلى جنب، وبعد تفاعل كل فأر من هذين المحفزين، قام الباحثون بتفعيل أو كبح جماح تلك الخلايا العصبية، ثم أعادوا كل فأر مرة أخرى إلى قفص الاختبار، حيث تم تبديل إحدى الألعاب للحصول على عنصر جديد 
مما أدى إلى مفاجأة العلماء، فتحفيز وتشغيل تلك الخلايا خلال فترة الاحتفاظ أدى إلى سوء الذاكرة، حيث لم تتذكر الفئران الألعاب التي رأوها ورائحتها بالفعل، بل اقتربوا من اللعبة خشبية أو البلاستيكية المألوفة مع نفس التردد وكأنها جديدة عليهم، لكن الفئران التي تم قمع وكبح الخلايا العصبية لديها بشكل مصطنع كانت أكثر عرضة للعب مع العنصر الجديد، مما يشير إلى أنها شكلت ذكريات أقوى للعناصر الأولية ولم تكن بحاجة لاستكشافها مرةً أخرى.

وقال الدكتور ياماناكا: "هذه النتائج تشير إلى أن ما تحت المهاد وأن الخلايا العصبية تساعد الدماغ على نسيان المعلومات الجديدة التي يعتبرها ليست ذات أهمية بشكلٍ فعال، ولأن الخلايا العصبية هي الأكثر نشاطا خلال النوم، وقد تفسر تلك الخلايا لماذا لا يتذكر البشر عادة أحلامهم عندما يستيقظون، وربما تقوم الخلايا العصبية بتصفية موارد الذاكرة لليوم التالي وتجهيزها لاستقبال المعلومات الجديدة ".

وأضاف الدكتور ديفيس: " كما نتعلم، وكما تتعلم الحيوانات الأخرى على مدار اليوم، فإن آليات النسيان المختلفة قد تؤدي دائماً إلى تآكل الذاكرة ببطء ".

وبحسب الدراسة، لقد ثبت أن التغييرات في نمط إطلاق الخلايا العصبية، وضعف المشابك العصبية وتوليد خلايا عصبية جديدة في الدماغ تسهم جميعها في مستوى ما من فقدان الذاكرة.

وأشارت الدراسات التي أجراها الدكتور ديفيس على ذباب الفاكهة إلى أن الناقل العصبي الدوبامين متورط في تكوين الذكريات ونسيانها، ونظريته هي أنه بعد تكوين الذاكرة، يؤدي الإطلاق البطيء والمتواصل للدوبامين الإضافي إلى سلسلة من التفاعلات الكيميائية الحيوية في الخلايا العصبية التي تخزن الذاكرة في الدماغ، وأن هذا يزيل الذاكرة في نهاية المطاف ما لم ترى آلية أخرى في الدماغ أنها مهمة وتتدخل لتحتفظ بها.

وتابع الدكتور ديفيس: "إذا كانت الذاكرة مهمةٌ حقاً للكائن الحي، أو بالنسبة لنا كبشر، فإن الاهتمام العاطفي سوف يتصرف كقاضي وحكم على الذكريات، ليخبر الدماغ حافظ على هذا واحفظه أو إنسي هذا واحذفه".

وأوضح الدكتور ديفيس أنه من المنطقي أن تكون المناطق والآليات التي تشارك في تكوين الذاكرة في الدماغ مرتبطةً أيضاً بإزالة الذكريات الغير مرغوب فيها، وإذا كنت ترغب في إجراء تغييرات على منزلك من خلال طلاء غرفة، على سبيل المثال، وبعد بضعة أشهر أو سنوات قررت تبني لون جديد عصري، فستعود أولاً لتخليص جدران الغرفة من الطلاء القديم.