إن عدم وجود تعارض بين الفلسفة والدين، والإيمان بسرمدية الكون، وعالم الأرواح والجدليات حولها خاصة تلك القابلة للفناء؛ فمع نمو عقل الإنسان وتشرّبه للعلوم والمعارف وقبل أن يتخصص في أي نوع من العلوم، يبدأ بالأسئلة، يقابل ذلك الغوص في البحث عن الأجوبة، قد نتفق معها وقد نختلف، لكن العمل وأخلاق العمل، تجعلنا نحترم أي إكتشاف وأي علم وأي نظرية وافقناها أم عارضناها، فمن يكرّس الحكمة ويفعّل المنطق، ويحتكم بالعقل، نستطيع وصفه بفيلسوف زمانه وكل الأزمنة.
قال الفيلسوف الإسلامي إبن رشد: "البحث عن الحقيقة أشرف المهن، والمعرفة هي عبادة للخالق".
إن قصد الفلاسفة معرفة الحق، ولو لم يكن لهم إلا هذا القصد لكان كافياً لمدحهم، لكن كل فيلسوف لا يؤثر إن لم يتأثر، وإن لم نتأثر لن نبرع في ربط الماضي بالحاضر، والإبحار في أعماق حضارات ومآثر فلاسفة وكتّاب وشعراء وسلاطين وحكّام، لهو فخر وعز وأصالة لنا، أن نفرد بعض السطور والصفحات في ذكر هؤلاء العمالقة في زمن الأقزام.
سنخصص بحثنا هذا للغوص في التعاليم التي نهل منها الفيلسوف الإسلامي إبن رشد، والإرث العريق الذي تركه لنا خلال مسيرة حياته، فإبن رشد عالم عربي ولد بقرطبة في الأندلس، لأسرة عرفت بالعلم والجاه، هذا الفيلسوف كان عبارة عن ظاهرة علمية متعددة الإختصاصات، فهو فقيه مالكي، وقاضي القضاة في زمانه، وهو ذاته الطبيب الذي تفوق على أساتذته.
قال أستاذه إبن زهر فيه: "إبن رشد أعظم طبيب بعد جالينوس"

إبن رشد

لقد إهتدى الغرب بفكر وشروح الفيلسوف إبن رشد، لتكون مرجعا لبناء فلسفتهم وأسس نهضتهم عليها، إنه أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد واشتهر باسم ابن رشد الحفيد هو فيلسوف وطبيب وفقيه وقاضي وفلكي وفيزيائي عربي مسلم أندلسي. نشأ في أسرة من أكثر الأسر وجاهة في الأندلس والتي عرفت بالمذهب المالكي، حفظ موطأ الإمام مالك، وديوان المتنبي، المولود سنة 1126 ميلادي في قرطبة الأندلسية، والمتوفى سنة 1198 ميلادي في مراكش بالمغرب.
إبن رشد، عالم موسوعي، لم يترك باب من أبواب العلم إلا وخاض به، وكان له الكثير من المساهمات المهمة في عدة مجالات في الفكر الإنساني، فلقد نشأ في بيئة مثقفة وملتزمة ومؤمنة وتلقى علومه الأولى على يدي أبيه الفقيه، فدرس الفقه والأصول والأدب وعلم الكلام، ثم بعد ذلك تلقى علوم الرياضيات والطب والحكمة والفلسفة، فكان من المعروف عنه أنه متقد الذكاء وكثير القراءة، فكما قال هو عن نفسه، لم يتوقف عن القراءة إلا مرتين، في وفاة والده ويوم زواجه فقط.

إبن رشد والفلسفة

دافع إبن رشد عن الفلسفة باعتبارها أم العلوم وصحح لعلماء وفلاسفة سابقين له كابن سينا والفارابي والكندي، في فهم نظريات أفلاطون وأسطو وأضاف إليها نوافذ معرفية جديدة وأبوابا فكرية في فهم أسرار الفكر الإنساني المشترك والمتنوع، ولقد رأى ابن رشد أنه لا بد من إعمال العقل في تقديم النص الديني باعتباره وسيلة لإقناع الناس، خاصة وأننا نحتاج في هذا الوقت إلى منهج ابن رشد في الدفع والتصدي للفكر الإلحادي، الذي لا يمكن التصدي له الا بأدوات الإقناع الفكري والعلمي الرصين وبمنحنى استنباطي واستقرائي في فهم النصوص القرآنية التي تدعو إلى التدبر.
فإن كان ذلك الأمر في ذاك العصر، فماذا نقول عن عصرنا الحالي ومعاناته مع كل الأفكار الإلحادية ليس الدين أولها ولا التطرف أو العقائد الأخرى، فاليوم يتم تغليب آلة القتل على المنطق والعقل، ويتم التعامل مع لناس على أنها آلية تلقّن وتنفّذ لا يحق لها الإعتراض ولا النقد، وإن حدث وشذ أحدهم يتذرعون بعدم حضاريته، لذلك ربطي لشخصيات معينة من الفلاسفة والعلماء ما هي إلا إسقاط وتقريب لواقع أمسهم مع يومنا، الفارق أنهم علموا وصنعوا وبذلوا الجهد ومدوا الحضارات بعلمهم وتعاليمهم، ومذاك العصر إلى اليوم، هل خرج فيلسوف جديد يضحد نظرية ما أو يطرح مشروع ما أو حتى درس علوم هؤلاء الفلاسفة؟
وللفيلسوف ابن رشد العديد من المؤلفات في الفلسفة، والطب، والفقه، والأدب اللغوي، إلى جانب تخصصه بشرح التراث الأرسطي، مثل كاتب تهافت التهافت وجوامع سياسة أفلاطون وبداية المجتهد ونهاية المقتصد والكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، وغيرها الكثير.

تأثر الغرب بفلسفة إبن رشد

لقد أثر ابن رشد بفلسفته وفكره في أوروبا بعدما احتوت مخطوطاته وكتبه واستفادوا منها، وجعلوها نقطة البداية نحو الحضارة الحديثة، بعدما أحرقت كتبه بقرار سياسي وتحت ذريعة دينية ﻹرضاء الغوغائيين والتي بدورها سلاح بيد النخبة المتلونة والتي يسهل توجيهها لتحقيق أهداف سياسية ضيقة، فابن رشد بالأصل لم يكن معارضًا للدولة الموحدية -مع ماخلقوا من إشكاليات وأكاذيب لتأصيل حكمهم، وتوافقه المنهجي مع الدولة في اتباع الأصول يؤكد عدم معارضته لهم.
إن الفيلسوف الأندلسي ابن رشد سبق عصره، بل سبق العصور اللاحقة كافة وقدم للعلم مجموعة من الأفكار التي قامت عليها النهضة الحديثة.
لكن من نهل من هذه العلوم وإعتز ببناء نهضته، للأسف هو الغرب الذي يحاربنا من خلال قراءتنا ودراستنا وفهمنا وفهم مكامن ونقاط ضعفنا، ونحن كنا الأداة والوكيل، كنا التابع لا الأصيل، إن في داخل كل واحد منا أرسطو وإبن رشد، وإبن سينا والفارابي، والغزالي وعشرات الآلاف من العلماء، فلماذا هذه الكبوة ولماذا لا نجد من يعتمد مبدأ الصحوة لنخرج من كبوتنا هذه ونكون مؤثرين لا متأثرين، معطائين لا آخذين، عطوفين لا قُساة.

إبن رشد والغزالي

واجه الفيلسوف إبن رشد ثلاثة من كبار العلماء، الغزالي وإبن سينا وإبن طفيل، حيث كان الغزالي شخصاً مُتصوِّفاً، لديه عداء مع الفلسفة، والعِلم، ظهرت شجاعة ابن رشد الفكريّة، ومقدرته على انتقاد أبي حامد الغزالي الذي يعود إلى السُّلطة المرجعيّة الخاصّة بالدولة المُوحِّدية، خصوصا حول نظرة الغزالي الكلامية للعالم، حيث كانت نظرته تتلخَّص في مَنْع العقل، والطبيعة من فعل أيّ أمر، مع عدم تصديقه لوجود أيّة مبادئ سببيّة، أو ذاتيّة، وهذه النظريّة قد تتسبَّب بإلغاء المقدرة الخاصّة بعِلم الوجود بشكل عام؛ حيث قال الغزالي إنّه ليس من الضروري استخدام العلوم الموضعيّة في العالم الإسلاميّ، مع تقليص استخدامها في عدد من المواضع البسيطة التي تخدم المُعاملة، والعبادة.
فعلى الرغم أن إبن رشد لم يكن على زمن أبو حامد الغزالي ولم يتجادلا، كل ما في الأمر أنه في كتابه الأشهر تهافت التهافت رد مباشرة على كتاب الغزالي تهافت الفلاسفة، وعلى الأرجح بعد نحو ثلاثة أرباع القرن من ظهور هذا الكتاب الأخير الذي كان ولا يزال يعتبر أكبر هجوم شنه على الكلام على الفكر العقلاني الفلسفي في تاريخ الحضارة الإسلامية. والحال أن كتاب الغزالي كان من الشهرة والحضور والتأثير في البيئة الفكرية الإسلامية، حيث أن الأمر استدعى من ابن رشد ذلك الرد العنيف والدقيق الذي أورده في تهافت التهافت.
هذا الأمر مردّه أن إبن رشد كما قيل عنه كان نهما منكبا على القراءة وكان مفكرا يحاول الحصول على أجوبة فرده على كتاب بكتاب آخر، نقدا موضوعيا قد يرى فيه البعض أنه على صواب وقد يخالفه آخرون، من أنصار ومحبي أبو حامد الغزالي، فما أريد إيصاله، أن هذه الطريقة الناجحة في إثبات وجهة نظر بين مفكرين من حقبتين مختلفتين ما جمعهما الاهتمام بالعلم وترك الموروث الغني لمن يرغب، فإلن رشد أخد وترجم عن أرسطو وقرأ لجالينوس وتعلم ونهل ولم ينكر على عكس الغرب كديكارت العالم الفرنسي الذي اخذ عن الغزالي ولم يعترف أحد بذلك، لكن وبشهادة هذا العلم إن قوام النهضة الأوروبية موروثة عن التعاليم التي خطها العلماء العرب والمسلمين وهذه حقيقة حفظها التاريخ في مكتبات لا تستطيع النيران أكلها أو حتى إخفاء تفاصيلها، فكم من عالم اليوم حورب لمجرد أنه خالف الحاكم أو الحزب أو المذهب، ولنقل تم سجنه أو حرق مؤلفاته كما حدث مع إبن رشد الذي نهلت منه البشرية ليكافئ بحرق كل إرثه أو معظمه لمجرد طرحه ما لم يعجب 
لقد أكلت النيران عصارة فكر ابن رشد إثر سخط اتهام الفيلسوف وزيغه عن دروب الحق والهداية سلطانه آنذاك. لكن ترك لنا ما ترك وسيبقى خالدا فينا.

جامع العلوم

على المقلب الآخر من هذا الفيلسوف العبقري، وعلى الرغم من ارتباط اسمه الوثيق بالفلسفة، باعتباره أحد أبرز الفلاسفة المسلمين في التاريخ، إلا إن المطلع على سيرته يرصد اطلاعا واسعا منه على شتى العلوم منها الفلك والفيزياء والطب والفقه، ولم يكن اطلاعا فحسب إنما بلغ في الفلك مثلا إلى حد تطوير نظريات مثل "اتحاد الكون النموذجي" ورفض نظريات لعلماء غربيين بارزين مثل بطليموس، وقدم أوصافا دقيقة للقمر والبقع الشمسية، كما كان له باع في الطب، ومؤلفات بارزة فيه منها "شرح أرجوزة ابن سينا"، إلا أن الفلسفة كانت المضمار الأبرز الذي أودع فيه ابن رشد حصادا ثريا في التاريخ.
صحح ابن رشد لعلماء وفلاسفة سابقين له كابن سينا والفارابي فهمهم لبعض نظريات أفلاطون وأرسطو، وأقبل على تفسير آثار أرسطو، وكان دائم التمسك بعدم وجود تعارض بين الدين والفلسفة، عُرٍف ابن رشد في الغرب بتعليقاته وشروحه لفلسفة وكتابات أرسطو والتي لم تكن متاحة لأوروبا اللاتينية في العصور الوسطى المبكرة، وقد أسهمت شروح ابن رشد على ازدياد تأثير أرسطو في الغرب في العصور الوسطى، وكانت له مكانة رفيعة في الغرب، فلقد أثرت مدرسة ابن رشد في أوروبا وتحديدا في العصور الوسطى في الفلسفة، وهي المعروفة باسم "الرشدية" التي كان لها تأثير قوي على الفلاسفة وعلى الرغم من ردود الفعل السلبية من رجال الدين اليهودي والمسيحي إلا أن كتابات ابن رشد كانت تدرس في جامعة باريس وجامعات العصور الوسطى الأخرى، وظلت المدرسة الرشدية هي الفكر المهيمن في أوروبا حتى القرن الـ16 الميلادي.
اعتلى ابن رشد منصب القضاء في إشبيلية، إلى جانب عكوفه على تفسيراته في الفلسفة وآثار أرسطو، وعُرف في نهاية حياته تعرضه لاتهامات بالكفر والإلحاد من جانب عدد من علماء الأندلس والمعارضون له آنذاك، انتهت بانصياع الخليفة الموحدي أبي يعقوب يوسف لتلك الاتهامات، فأصدر قرارا بنفيه إلى مراكش، وسجل التاريخ أن المنصور حرق جميع مؤلفاته الفلسفية وحظر وقتها الاشتغال بالفلسفة والعلوم ما عدا الطب والفلك والرياضيات.

ما بين اليوم والأمس "الجهل واحد"

إن معارضة إبن رشد لفهم ما ورثه أبناء عصره ومغالطتهم في محاولة منه لإثبات الوقائع رغم كل ما قدمه من علم وعلوم، مع الأسف كانت الكلمة الأقوى للجهل والجهلاء، فحرق جميع مؤلفاته دليل على طمس كل ما يفيد البشرية تماما كما يحدث اليوم من تلك الحروب العبثية التي تتعمد حرق وتدمير كل الأوابد العربية والمسلمة لطمس التاريخ والحضارة كالعراق وسوريا وكما يفعل اليوم الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة.
فشئنا ام أبينا، هناك إرتباط وثيق بيننا وبين فلاسفة الزمان الماضي، وإن كان من بيننا من يجد في نفسه أنه صاحب حجة ومنطق وبرهان، لهو وريث نسب هؤلاء بالتقادم، فهم اجدادنا ونخوتنا العربية التي نمتلكها هي إرث أخذناه منهم وشربناه في جيناتنا الداخلية، فلنفعّل ما في داخلنا ولنخرج ما في جعبتنا، نأخذ ونكتب ونقرأ ونحاول وحتى لو فشلنا، فالإستمرارية هي أول عتبات النجاح، فكن أنت حكيم زمانك وحكيم أسرتك، ونفسك وأولادك وأحفادك، 

*كاتب وحقوقي كويتي.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه