يبدو الحديث عن الظلم في لبنان غريبا بعض الشيء. إذْ إن اللبنانيين، بحسب بعض المظاهر، شعب سعيد وفخور جدا بأداء ساسته القدامى والجدد في الحكم (كونه يعيد انتخابهم بحماس)، وبحياته وكثرة أسفاره وأعماله وهجرته ونجاحه في دنيا ملحمة الإغتراب (غربا وشرقا) وتدفق ماله على عياله وأهله وأقاربه في الوطن، وبصيته الحسن بأنه شعب مضياف، وطيّب القلب، وسخيّ اليد، وذكيّ وخلاق، يعرف كيف يعيش، في حالتَيْ ألسلم والحرب، أي يحبّ حياة السهر والطرب والبذخ والترف وتبذير المال على كل شيء مُسَلٍّ و"فخم" (طائرات ويخوت وسيارات وبيوت وخدم وحراس ومطاعم وملبس ومأكل ومشرب وأعراس ومآتم وحفلات تكريم، إلخ...)، وسعيد وفخور بالأسماء الجميلة المعطاة للبنان كوطن الحضارة والحرف والأبجدية، ووطن الأرز الأخضر ووادي القديسين "قاديشا"، ووطن الشعراء والمفكرين والكتاب والعقلاء والفلاسفة والفنانين، ووطن الرسالة الإنسانية ومثال المحبة والسلام والحق والعدل، ووطن الجبال الشاهقة والثلوج الدائمة والوديان العميقة والسهول الخصيبة والينابيع والأنهار والغابات والطيور والبحر والشمس والسماء الزرقاء والأربعة فصول.

               (قبل أن نتابع، لا بدّ من التوقف قليلا، هنا، لتوضيح  ما نعنيه بالشعب اللبناني، في المقدّمة، تفاديا للتعميم، وتوخّيا للموضوعية، قدر الإمكان. في الحقيقة، إنهم فئة قليلة، متكاثرة بوتيرة سريعة، من الميسورين والساسة القدامى والجدد، و/أو فئة لا بأس بها من مدّعي الثراء ومحبّي الظهور والتباهي في المحلات العامة، وفئة أخرى من الأتباع تحاول إيهام نفسها والآخرين، حبّا بزعمائها وتستيرا على عيوبهم وفشلهم في الحكم وفي إدارة شؤون الشعب اللبناني بأسره، بأن كل شيء على ما يُرام وعلى تحسّن ملموس، وأنه علينا أن نتفاءل بوجود هؤلاء الزعماء في الحكم. هذه الفئة تشكل الأكثرية التي تأتي بزعمائها إلى الدولة وتعطيعهم أحجامهم وأوزانهم و"حيثياتهم"، ولكنها، في الواقع، أقلّ من نصف الشعب اللبناني الذي رفض المشاركة في الإنتخابات الأخيرة، قَرَفا وتحدّيا، بالمقاطعة أو بالأوراق البيضاء).

               أجل، في وطن  يملك ميزات فريدة بهذا الجمال النادر بأرضه وشعبه وساسته، هل من المعقول أن يتكلم الإنسان عن ظلم؟

               في الحقيقة، إن وراء أكمة الأوهام والمظاهر البراقة، الخادعة، في لبنان، ما وراءها من ظلم، وظلم عظيم جدا، منذ الإستقلال حتى اليوم. إنه ظلم قد تنامى باستمرار، في ظلّ كل العهود، وانفجر في "حوادث 1958" بصدام أخذ الطابع الطائفي وانتهى بشعار "لا غالب ولا مغلوب" مع شعارات أخرى لم تصمد طويلا في المراحل اللاحقة، ثم انفجر إنفجارا أفظع وأطول في حرب أهلية مريرة (1975-1990)، وبلغ ذروته في حالات السلم (المزيَّف) مع وبعد "إتفاق الطائف" سنة 1990، الذي زاد الطين، أي طين الظلم، بلّة، وما زال أبناء الشعب اللبناني البسطاء والودعاء والمساكين بالروح والنقية قلوبهم والفقراء (لا الساسة الأثرياء والمتكبرون وحلفاء المال والدين) يعانون منه حتى الساعة. 

               إن ساسة الطوائف الأثرياء، قديمي وحديثي النعمة في عالم السياسة والمال، المتسلطين والأبديين في الحكم، هم الظالمون، بطبعهم المتكبر والأناني، وبتعاملهم الدائم مع أوصياء الخارج لصالحهم الشخصي و/أو الطائفي من أجل الحفاظ على عروشهم وعظمتهم، لا لصالح الوطن بكل طوائفه. الشعب هو المظلوم، وهو، في آن معا، الظالم لنفسه، لأنه لا يقدر، أو لا يريد أن يقاوم لا ظلم ساسة طوائفه القدامى (أبا عن جدّ) ولا المستحدَثين من إفرازات الطائف وسياسة التسويات والمحاصصة والإستئثار بالحكم والباطنية وتجدّد إزدهار التوريث السياسي التقليدي، المقدَّس، لفرط تعلّقه الشديد، غير الطبيعي، بروابط الزعيم والعائلة والمذهب والدين والمصلحة الشخصية والمال.

               لو لم يكن في لبنان ما بعد "الطائف"، كما كان من قبله،  ظلمٌ، لما وُلِدَتْ (ولو متأخرة)، منذ أربع سنوات (آب 2015)، ثورة متنامية وجامعة للشعب اللبناني (أو بعضه)، قد سُمِّيَتْ ب"الحراك المدني"، وجمعت في الشارع مواطنين من جميع طوائف لبنان ضدّ هذا الظلم (فساد الدولة والنظام الطائفي، نفايات، تلوث، فقر، بطالة، غلاء معيشة، إرهاب، أمراض، إلخ...). كانت ثورة سلمية رغم استعمال العنف من قبل أباطرة الحكم وإراقة بعض الدماء الحمراء، ردًّا، بحسب رأيهم في ذلك الوقت، على استفزازات بعض المتظاهرين المتحمّسين. أمّا الحقيقة فكانت أن بعض المندسّين الخبثاء بين صفوف المتظاهرين، بإيعاز من بعض أباطرة الحكم، كما تبيّن فيما بعد، قد تحدّوا القوى الأمنية بغية إفساد روح الثورة. حتى تلك الثورة السلمية، في حينها، قد قيل عنها، على لسان بعض الساسة وإعلامييهم وأتبعاهم، من باب الحسد والإحتقار والتجنّي، بأنها، ككل حركة سياسية في لبنان ضدّ التعصب الديني والفساد والظلم، مموّلة من خارج "خليجي" وآخر غربي، لغايات تخدم مصالح هذا الخارج لا مصالح الشعب اللبناني، وقد سُمِّيَ هذا الخارج بإسمه.

               نتوقف، هنا، قليلا، عند واقع غريب، صادم، وغير خفيّ على أحد في لبنان لشدّة ما هو فاقع، فاحش، وشبه عادي، وغير مُستَغرَب، بالنسبة للجميع، وهو أن السياسة والمال يُفسِدان كل شيء فيه، من أخلاق الأغلبية الساحقة من الساسة والشعب، إلى تطبيق الدستور والقوانين، إلى المشاريع العمرانية المعطَّلة، أو المشوِّهة والمفسِدة والملوِّثة لطبيعة لبنان الرائعة الجمال بجبالها ووديانها وأشجارها ومياه ينابيعها وأنهارها وبحرها وهوائها وسمائها، إلى تلويث الغذاء والدواء. والأشدّ غرابة وعجبا من كل ذلك هو أن الساسة، العِتاق والجُدُد، السعداء وحدهم في هذا الوطن التعيس، الذليل، الحاكمين بأمر الله إلى ما شاء الله، والمتحكِّمين برِقاب الشعب، لا يفعلون أي شيء لحلّ أية مشكلة، سوى زيادة الضرائب على الشعب الفقير (دون مساهمتهم بدفع الضرائب، ودون المسّ برواتبهم ومخصصاتهم وتعويضاتهم الضخمة جدا)، وتمريرهذه الضرائب بأسلوب سَلِسٍ وخبيث (مع تسمية جديدة جميلة ذات نكهة طيبة وسهلة القبول: ضرائب ورسوم مباشِرة وغير مباشِرة)، من أِجل تخفيض عجز الخزينة ونسبة الدين العام (بحسب تسمياتهم البليغة) في دراستهم للموازنة (دون المسّ بأيّ من بنود الهدر الفظيع فيها)، ومن أجل استحقاق شهادة حسن سلوك والثقة من مراكز المال للمزيد من الإستدانة على ظهر الشعب، وسوى التفوّه بالكلام الكاذب، المتفذلك، المتملِّق، لتطمين الشعب المحترق والمكتوي بنار العوز والفقر والقهر والقلق والخوف والألم والمرض، بأن مستقبله زاهر، كون وضع الليرة اللبنانية جيد جدا، وصحّي وسليم (في المصرف المركزي وسائر المصارف، طبعا، وفي جيوب الساسة وحلفائهم الأثرياء وخزناتهم السرّية المصفّحة، لا في جيوب الشعب المهترئة، الفارغة، الشعب الذي لا يملك الليرة، ولا صحّة جيدة كصحة الليرة). وفوق ذلك كله، لا يريدون الشعب الموجوع، المُحتَقَر، المظلوم، أن يئنّ ويصرخ ويعترض وينتقد ويتظاهر ويطالب بحقوقه الإنسانية المهدورة، وبكرامته المُداسة بنعالهم، وبلا إحساس إنساني أو وطنيّ وبلا ضمير حيّ، بل يطلبون منه أن يضحّي ويتحمل ويصبر ويتفاءل بالخير فيجده. إنهم ساسة يظنّون أنفسهم، حين يتكلمون ويتصرّفون، أنهم من نسل الآلهة، محصّنون بعصمة إلهية، لا يخطأون، وفوق الإنتقاد والملامة والمحاسبة.

               إذاً، كان عندنا بداية ثورة سلمية، واعدة. من جهة، كان ثمّة شعب يتحرّك ويثور على الحكم في الشارع، ويتجمع حول المؤسسات الحكومية محاولا خرقها للحوار مع أهل الحكم، ويريد حلولا تخلِّصه، على الأقل، من كارثة النفايات، ويطالب باستقالة وزير البيئة المسؤول عن عدم إيجاد حلّ للتخلّص من النفايات، ووزير الداخلية المسؤول عن العنف الذي تعرّض له بعض المتظاهرين، وكان الشعب يطالب، أيضا، باستقالة رئيس الوزراء، وبإجراء انتخابات نيابية جديدة على أسس جديدة، وبتغيير النظام الطائفي، غير أن التوقيت من أجل الإلحاح بكل هذه المطالب وبحثها ومناقشتها دفعة واحدة، ربما لم يكن ممكنا ومناسبا بسبب المخاطر الكبرى على الوجود اللبناني. على كل حال، هذه هي حجة الساسة، منذ الإستقلال حتى اليوم، لخوفهم من بدء حوار مع الشعب، ولتخويف الشعب وتهدئته، وللتهرّب من مسؤولياتهم، ومن تحمّل تبعات فشلهم، وللإستمرار في الحكم برأس مرفوع، وكبرياء تطال السماء، وكرامة محفوظة، وضمير مرتاح. 

               وكان ثمّة، من جهة أخرى، ساسة وأقطاب في الحكم، ومعظمهم متكبرون، مغرورون، متسلطون، خبثاء، بالوراثة والتمرّس الشديد بمهنتهم، لا يتزحزحون من مراكزهم ولا يتنازلون للحوار مع الشعب، يدّعون الطرش، ويفتعلون الخلافات، ويتفقون فيما بينهم، فقط، على زيادة رواتبهم وتمديد ولاية حكمهم وتضييق الخناق على الشعب بزيادة الضرائب والرسوم عليه وحده (أما هم فمَعفَيّون منها)، وهدر ماله على أمور لا يجني الشعب منها شيئا، ويستعملون العنف ضدّه على يد الجيش والقوى الأمنية، لقمعه وإسكاته، ومن أجل البقاء على عروش العظمة والمال. وكبرياؤهم التي بلا حدود، لا تسمح لهم أبدا بالإعتراف بالفشل في مهماتهم، وبالتفكير بالإستقالة التي يعتبرونها (وهنا المضحك المبكي المقرِف) تهرّبا لا يليق بمقامهم الرفيع من المسؤولية (وهم في حال هروب دائم منها)، وإهانة شخصية لهم، ولا بالإعتذار من الشعب اللبناني على فشلهم في الحكم، ولا بالإنتحار لفرط شعورهم بالذنب والخجل والعار، حتى لو انتحر الشعب اللبناني بأسره وأطبقت السماء على الأرض، وبقوا وحدهم في هذه الأرض الموبوءة بأنفاسهم ليحكموها، مع ما تبقى من أبناء وبنات آوى وثعالب وضباع وذئاب وغربان وكلاب وقطط وأفاع وحيات وعقارب وزحافات وحشرات.

               في الحقيقة، ثمّة اعتقاد دائم عند الساسة العتاق والجدد في لبنان، المتعاقبين على الحكم، إعتقاد متأصّل في دمائهم وعظامهم ولحمهم وعقولهم وأخلاقهم وكيانهم، وهو أنهم معصومون عن الخطأ، وأن الشعب اللبناني الذي انتخبهم، هو شعب مروَّض ومُخَدَّر بالجهل والتعصّب الديني والولاء الأعمى لهم، ولم يُخِيفُهُمْ يوما، وهو لا يحقّ له، في كل الأحوال، أن يحاسب أسياده بالإنتقاد والملامة، أو أن يتمادى ويستفزّهم بالتظاهر والصراخ ضدّهم، وإلا يلقى العقاب المناسب. هو لم يجرؤ أبدا على فعل ذلك من قبل. فكيف يجرؤ على فعله اليوم، وعلى التفكير بإعادة فعله في المستقبل؟ 

               والمتظاهرون، إن تظاهروا، هم، دائما، برأي رجال الحكم، أقلية عددية لا تمثل كل الشعب، والشعب، بنظرهم، وبأغلبيته الساحقة، سعيد جدا، وراض عن أدائهم في الحكم. كل زعيم يستثني أتباعة من الإشتراك بأي تظاهر أو تمرّد ضدّ سلطته، والشكّ بقدرته على القيادة. مع العلم (كما ألمحنا في المقدّمة) بأن الشعب الذي شارك في انتخاب ساسة الحكم في الإنتخابات الأخيرة، كان أقل من نصف الشعب اللبناني، وأن الأوراق البيضاء كانت أكثر من أربعين ألف ورقة.

               وثمّة عقلية متأصّلة في معظم أبناء الشعب اللبناني (من الأتباع)، وهي أنهم يثقون ثقة عمياء بساستهم، ولا لزوم لتوجيه أية ملاحظة أو أي انتقاد لهم، أو الثورة عليهم، كون الشعب يدين بالولاء لطوائفه ولا يريد أن يزعج خاطر زعماء هذه الطوائف ويعرِّض "كرامة" الطائفة للخطر. لم يعترِضْ، يوما، هذا الشعب، على أداء حكوماته وزعمائه إلا بالكلام، ولم يتظاهر يوما في الشارع بإلحاح وتصميم وعناد، لتحقيق (إلى جانب التخلّص من مشكلة النفايات) مطالب حيوية مصيرية مهمّة معروفة. والمشكلة هي أن الشعب "السموح" ينفذ صبره، من وقت إلى آخر، ويطفح كيله ب"نقطة" النفايات، ثم ب"نقطة" غلاء المعيشة المتفاقم، ثم ب"نقطة" زيادة الضرائب، ثم ب"نقطة" الفساد الإداري في الدولة وهدر وسرقة المال العام، وهو يتطلّب حلولا سحرية سريعة في اللحظة الحاضرة، لكل شيء. ثم يسكت، وينسى، ولا يعود يُسمِعُ صوتَهُ، إلى أن يحين وقت الإدلاء بصوته الخافت في صندوق الإقتراع لصالح الزعيم أو السياسي الفاشل، الجلاد، من أجل تجديد التعاسة لنفسه ولعياله. وأما المتحرّرون القلائل من قيود الزعيم والطائفة والمال، الذين يختارون مرشحين مستقلين في الإنتخابات النيابية، فإنهم لا ينجحون، في هذا الجوّ الفاسد، بإلإتيان بمرشحيهم المفضَّلين، من أجل إصلاح ما ومَنْ فَسُدَ.

               ينسى الشعب، أو يتناسى، بأن كل مشاكله تراكمت جراء فشل كل الحكومات السابقة منذ فرضت دول الفتنة والوصاية إتفاق الطائف فرضا على اللبنانيين، بعد إشعال هذه الدول للحرب بينهم لمدة 15 سنة، بسبب روح الإستئثار بالحكم والتسلّط والطمع وحبّ المال والنكايات والكيدية والتكبر الساكنة في نفوس الساسة وبدعم ماديّ ومعنويّ من الخارج. وما نتج عن هذه الروح كان تعطيل أية بادرة خير يأخذها من لا يرضى عنه أوصياء الخارج، وتضارب سياسة المصالح الأنانية التي يمارسها الزعماء، بشكل دائم، ضدّ بعضهم البعض، وضدّ مصلحة الشعب بالذات، وضدّ "شيء" يتغنّون به، كذبا، إسمه "وطن"، وتناتش حصص الحكم والصفقات، والمزيد من سياسة الولاءات المتضاربة لخارج يلعب دائما، وفي الوقت ذاته، دور المفتن والمصلح بين الزعماء والأفرقاء اللبنانيين، وينفِق، بسخاء، الأموال الطائلة لتوجيه السياسة اللبنانية كما يريد ويشتهي، ولتأمين أكثرية تدين بالولاء له، في كل مراحل هذه السياسة من نيابية وحكومية ورئاسية، خدمة لمصالحه ولمصالح المتعاملين معه في الداخل. هؤلاء المتعاونون يلعبون دور أحصنة طروادة لأكثر من "أثينا" في الغرب والمشرق. إنها أحصنة مُدَرَّبَة ومطيعة، ومجهَّزة أتمّ التجهيز للعب دورها كاملا ضدّ من هم أحرار، مقابل الحصول على "علف" وفير. وأما الشعب المكبوت بمعظمه، الذي يريد الثورة والتغيير في باطنه، والذي يعبِّر عن صحوة مؤقتة من وقت إلى آخر، بالإنتقاد والصراخ، فهو كان دائما غائبا عن كل ألاعيب ساسته وفشلهم في خدمته وارتهانهم لسياسة الخارج الخبيثة، ولا يريد أن يجابه الأوضاع الشاذة ومسببيها، ويضع حدا لها.

               نودّ أن نتوقف قليلا، هنا، لنلاحظ ما يلي:

               لبنان هو الدولة الوحيدة في العالم التي يسمح فيه أكثرية زعمائه وساسته بتدخل الخارج بكل شؤون الشعب مقابل الدعم المالي والمعنوي للإمساك بالحكم، وإضعاف أو إلغاء المنافسين أو من لا يخضع للخارج. بكلام آخر، خيانة الشعب في لبنان مزدهرة على الدوام، ولا مثيل لها في التاريخ. والخيانة تشمل أيضا سرقة ماله وهدره (والشعب أصبح على علم بكل طرق الهدر والسرقة وبأسماء المرتكبين المحميّين من رؤساء طوائفهم ومن أزلامهم وبعض دول الخارج) واحتقاره وإفقاره وإهمال تلبية حقوقه الإنسانية. ولا أحد يحاسب أحدا على هذه الخيانات، لا الشعب المسيّس، ولا الشعب الساكت، ولا الدولة المسيّسة، ولا القضاء المسيّس ولا المحكمة الدولية المسيَّسَة هي أيضا والخاضعة لنفوذ الدول "العظمى". صارت "الخيانة العظمى" التي يمارسها معظم الساسة في وطن الأرز، خيانة الذات والشعب والوطن والمبادىء الأخلاقية، وجهة نظر قابلة للتأويل والفهم، ومقبولة بحسب المصلحة الشخصية أو الطائفية (لا الوطنية) والمزاج السياسي (لا مبادىء الأخلاق السليمة والعقل السليم). صارت تسمية "الخيانة العظمى" مقتصرة، معنى ومحاسبة وعقابا، فقط على بعض أبناء الشعب الذين كانوا ضحية لجنون الساسة في زمن الحرب الدموية الأهلية المؤلمة، وألعوبة بين أيديهم وبين أيدي الأوصياء والعدوّ الصهيوني، زارعي الفتن، في حروبهم على أرض لبنان واستعمال اللبنانيين كوقود لها، ضدّ بعضهم البعض. 

               نعود إلى مشاكل الشعب. 

               فلنأخذ، على سبيل المثال لا الحصر، مشكلة النفايات. الشعب ما زال يتساءل، منذ بداية المشكلة: 

               -لماذا لم تجد الدولة، حتى اليوم، حلًّا واحدا، مدروسا، للتخلص بشكل سليم لا يضرّ بصحّة اللبنانيين، ولا يسبب لهم الإختناق وأمراض السرطان، ولا يفسد ويلوِّث ويشوّه البيئة، من كل نفايات لبنان؟ 

               -لماذا التأجيل والمماطلة وأنصاف الحلول (غير السليمة) في بعض المناطق؟ هل السبب تضارب مصالح أصحاب الصفقات من ساسة وزعماء طوائف وسماسرة، واطماعهم، كما ذكرت إحدى الشركات الإيطالية التي صرحت بأن بعض المسؤولين اللبنانيين قد طلبوا مبالغ خيالية لأنفسهم كي يسلموها مشروع التخلّص من النفايات، فاضطرَّت للإنسحاب؟ 

               -لماذا لم يتمّ، حتى اليوم، التحقيق في الموضوع، وفضح هؤلاء المسؤولين أمام الرأي العام اللبناني، ومعرفة أسمائهم فردا فردا، وسوقهم إلى المحاكمة؟

               وما ينطبق على النفايات ينطبق على مشكلة التربية والتعليم والكهرباء والمياه والتلوث وغلاء المعيشة والأجور المتدنية، وفرض الضرائب، والدين العالم، وإفلاس الخزينة، واستخراج النفط والغاز وترسيم الحدود مع العدو الصهيوني (دون خسارة المزيد من الأراضي والموارد الطبيعية وماء الوجه)، والبطالة والهجرة، وضمان الشيخوخة، إلخ... كلها مشاكل لها عنوان واحد: مشاكل بلا حلول. ولها عنوان آخر: الشعب هو دائما، وحده، لا الساسة، الخاسر الأكبر. ودراسة الموازنة أكبر برهان على ظلم الشعب ونتف ريشه وسلخ جلده بفرض مزيد من الضرائب عليه، وهم لم يكفوا حتى هذه اللحظة عن هدر ماله. 

               إن الشعب قد فقد ثقته بدولته وبساسته. وهو أيضا قد أعلن عجزه عن تغيير عقلية وأخلاق الساسة. لا الكلام اللطيف أو العنيف ينفع معهم، ولا التظاهر السلميّ أو العنفيّ، كما يبدو.

               يبقى بصيص من الأمل في نهاية النفق المظلم، في صندوق الإقتراع، بقانون جديد يجذب وينصف الشعب بكل فئاته الصارخة والصامتة وغير المهتمّة، ويحترم حرية اختياره، ولا يكون فخّا له كالقانون الإنتخابي الأخير، الهجين بنسبيته الطائفية الإستنسابية وبتحالفاته العجيبة بين زعماء الطوائف والأثرياء الطامعين بالحصول على مراكز في عالم السياسة والحكم، في لوائحَ مغلقة لا يجوز خَرقُها، وصوته التفضيلي وحاصله الإنتخابيّ اللذَيْن فرّقا بين الحلفاء، وبانعدام حرية "التشطيب" والإختيار. إن هذا الفخّ الإنتخابي قد نصبه بعض "دهاة" الحكم، لتأمين نجاحم فقط، ولمنع نجاح المستقلين من أصحاب الكفاءة. هذا القانون كان مدعاة فخر واعتزاز للذين طبخوه بالسرّ، وفرضوه فرضا على الشعب اللبناني، وللساسة الذين أعجبهم مذاق الطبخة، غير أنه أصبح، فيما بعد، مدعاة خلاف حادّ ومضحك بينهم على حقيقة ومعنى وفلسفة العدد والأوزان والأحجام وحصص الحكم، بعد اقتراع أقلّ من نصف الشعب اللبناني، ومدعاة لعدم القدرة أو عدم الإرادة على تأليف حكومة بتحالفات جديدة وبحصص غير متساوية، ومن ثم مدعاة لعدم وجود إنسجام كامل بين أعضاء الحكومة كونها تعكس وتجسّد تناقضات المصالح والصراع من أجل النفوذ بين زعماء الطوائف. وهم دائما بانتظار تطورات خارجية بناءًا على مشيئة بعض دول الوصايات الدائمة التي تدير "لعبة الأمم"، وكأن كل شيء يجري في الحكم هو مجرد تمثيليات سمجة، متتالية، على الشعب اللبناني، بإشراف تلك الدول.

               ولكنْ، من واجب أبناء الشعب الأحرار، المتمرّدين على حكم الظلم والكبرياء والكيدية والضرائب العشوائية والأجور المتدنية، حتى لو كانوا أقلية (بوجود أكثرية صامتة قد تملّكها القرف، لا تريد الإنخراط بأي عمل سياسي)، أن يحافظوا على شعلة الحرية والثورة السلمية في نفوسهم، التي بدأوها منذ سنوات قليلة. وإن اضطروا أن ينقلوا ثورتهم إلى الشارع، فعليهم ألّا يعطوا أباطرة الساسة والمال، أو أيَّ مُندَسٍّ خبيثٍ في صفوفهم، أي مجال وفرصة لتعكيرها وتحويلها عن مسارّها السليم، ولا أيَّ عذر للدولة لاستعمال عصاها الغليظة المعهودة لتحويل ثورتهم إلى ثورة دموية، فيقعوا في فخ حتميّة إجهاض روح الثورة، ويخسروا قضيتهم. 

               وعلى أبناء الشعب اللبناني الذين يراقبون بصمت وخوف ما يجري، أن ينضموا، بكل تواضع وسرور ومحبة وشجاعة، إلى سائر أبناء الشعب في حراكهم الثوريّ السلميّ، المشروع، ليتابعوا معا الضغط على الحكم من أجل احترام وجود الشعب، وكرامته، وصوته، إن حكى وصرخ وتذمر وانتقد واعترض في الإعلام، و"تحرّك" في الشارع وقرب حصون وقلاع عروش الحكام، والكفّ عن تهديده وتخويفه بالتشهير والإعتقال والإذلال  والمحاكمة والسجن، ومن أجل التعجيل بإيجاد الحلول لكل المشاكل الملحّة المعروفة من الجميع بحسب أولوياتها التي لا تتفق مع أولويات أرباب الدولة الحاكمة. إن لأرباب الدولة الحاكمة أولوياتهم الخاصة بهم وحدهم. هذه الأولويات تعني الإجتهاد في إرضاء أوصياء الخارج وفي تحقيق تسويات وإجماع وتوازنات دقيقة بينهم في تقاسم حصص الحكم والمراكز والسلطة والمشاريع العمرانية الحيوية من ماء ونفط وكهرباء ونفايات وغيرها. هذه الأولويات لا تشمل ثقة الشعب ومصلحته وازدهاره. ما يجعل الحكم متماسكا ويمنعه من السقوط، ليس رضى الشعب وتأييده الكاسح، إنما المال، فهو وحده القاسم المشترك الجامع الموحِّد بين أرباب الحكم، مهما اختلفوا أو افتعلوا الخلافات.

               يمكننا أن نتساءل، الآن:

               إلى أين نحن ذاهبون من هنا؟ 
         
               ماذا عن ثورة الشعب السلمية في الشارع، التي هَمَدَتْ، مع مرور الوقت، بسبب دهاء الساسة، ومماطلاتهم ووعودهم الكاذبة، وتهديداتهم، واستعمال القوة لقمعها، والتي لم تؤتِ بثمارها المرجوّة؟

               هل يتنازل أهل الحكم من عليائهم وهل يتحرّرون، أولا، من شهواتهم الجامحة للسلطة والمال، ثم من وصاية أولياء أمرهم في الخارج؟

               هل يصالحون الشعب، الناقم عليهم، بالإهتمام الصادق بصالحه وحلّ مشاكله وخلق سعادته، دائما، لا مؤقتا في زمن الإنتخابات فقط، وهذا واجبهم تجاهه لا مِنّة منهم عليه؟

               هل يصل الشعب، يوما، بكل فئاته المظلومة، إلى ذروة انعدام صبره وقدرته على التحمّل، ويتّحِد وينفجر بثورة عنيفة ضدّ الزعماء الفاسدين الفاشلين، حين تفشل (وسوف تظل تفشل بوجود ساسة متكبرين) كل وسائل الحوار والإقناع، وكل صرخات الشعب وأوجاعه وأحزانه في الإعلام وفي تظاهرات الشارع السلمية، بتغيير قلوب وعقول الساسة المتحجرة، وأخلاقهم السيئة، وسلوكهم الأنانيّ، المتعالي، تجاه مصدر سلطاتهم، وهي عملية تغيير طويلة جدا، ربما دامت عقودا أو قرونا؟

               إن مسألة التنازل والتواضع من قبل الساسة، تبدو، في الوقت الحاضر، وإلى أمد بعيد، غير منظور، مستحيلة. إقتناعهم الأكيد بأن الشعب الذي انتخبهم يؤيدهم بثبات، يطمئنهم ولا يجعلهم يقلقون على شيء. وهم سعداء بأن فريقا كبيرا من اللبنانيين أصابه القرف ولا  يريد إزعاج نفسه ليزعجهم. 

               إن أي حوار بين الساسة والشعب سيكون مُفتَعَلًا، وغيرَ صادق، وناقصا، ومبتورا، كالمعتاد، ولن يعطيَ ثمارا جيدة، لأن سياسة "فن الممكن"، وفي هذه الظروف العصيبة (التي كانت دائما عصيبة منذ الإستقلال حتى اليوم)، سوف تتحوّل إلى سياسة "فن الخداع" من قبل أباطرة وثعالب الحكم المتكبرين، كون القرارات السياسية والإقتصادية والعسكرية المهمّة، كما هو معروف، ليست، ولم تكن يوما، بكل بساطة، وكليًّا، بيدهم (مهما ادعوا وافتعلوا العظمة والقوة والإستقلالية) ولأنهم، في الحقيقة، يحبّون استمرار هذا الواقع الباطني الشاذّ، المُفْتَعَل من قبلهم، واقع الرقص "الرصين" على الحبال، وممارسة سياسة حافة الهاوية مع افتعال عبوس الإهتمام الدائم والتفكير العميق، لأنه يخدم مصالحهم الشخصية (مال وسلطة وقوة)، ويجعلهم يشعرون دائما بأنهم محور انتباه العالم الخارجي بساسته، وإعلامه، ومصارفه (لكثرة مالهم)، وأنهم مهمّون وعظماء ومستهابون بنظره، وبنظر أتباعهم وخصومهم في الداخل.

               في هذا الجوّ المحموم من الأخطار والتوتّر والغضب والقهر وصعوبة العيش وقلة الأمان والقلق على المصير الذي يعيشه الشعب وحده، لا الزعماء والساسة وحلفاء الدين والمال والأعمال وأصحاب المصارف، على النخب الشعبية الجيدة (الموجودة ولكنها مبعثرة) أن تتواضع وتتحاور فيما بينها، وتتوحّد (دون الخلاف والتنافس على رئاسة حركتهم)، وتحقّق، قدر الإمكان، شيئا من الوحدة بين أبناء الشعب غير الموحَّدين حتى الآن، لا في وعيهم للواقع وفهمهم له، ولا في الأهداف ورؤية المستقبل، ولا في أسلوب العمل من أجل تحقيق وقيادة الثورة السلمية المتطهّرة من الحقد. لا أمل آخر للشعب، لأن الدولة غارقة في أوحال أمزجة ومصالح متناقضة، ومحكومة من أقطاب الداخل المستقوين برجالهم وسلاحهم ومالهم، والمحكومين، بدورهم، من أقطاب دول الخارج المستقوية بسلاحها وجيوشها ومالها.

               إن خلاص الشعب من جوّ القهر والحزن يكمن في يد نخب الشعب الجيدة والمتواضعة التي لا يهمها تصدّر المجالس وإلقاء التحيات في المحلات العامة. ينبغي على النُّخَبِ الجيدة أخذ المبادرة في بدء حوارات بنّاءة، مثمرة، فيما بينها، وعلى مسمع ومرأى من الشعب الضائع، القرفان، وبمشاركته، وتوحيد قواها لنجدته وتوحيده وتوعيته على حقوقه وواجباته وعلى طاقاته المكبوتة، والتشديد من عزيمته، وعدم قطع الأمل من إحياء الأمل فيه بغد أفضل. وينبغي أن تستمرّ هذه الحوارات في كل الأوقات، وتجمع كل اللبنانيين من ذوي الإرادات الحسنة، شعبا وساسة.

               إن عقلية الحكم المتكبرة والفاسدة، والأوضاع السيئة المتوارَثَة التي يعاني منها الشعب اللبناني، منذ الإستقلال حتى اليوم، لن تتبخّر بسحر ساحر بين ليلة وضحاها. لا بدّ من جهاد فكريّ وروحيّ طويل من أجل اجتثات الشرّ المستحكم بالنفوس، من جذوره.

               فلتبدأ، الآن، ولتستمرّ، الثورة السلمية، ثورة الوعي، بقيادة النُّخَب الجيدة، في الإعلام كل يوم، وفي صندوق الإقتراع، كل أربع سنوات. لعلّها تكون بداية تحرّر الشعب اللبناني بأسره، مهما طال الزمن، شيئا فشيئا، من تحكّم كل الوصايات الداخلية والخارجية، به. وسوف تتبعها، حتما، وينبغي أن تتبعها، في جوّ ثورة الوعي المتنامية، كلّ أربع سنوات، ثورة متجدِّدة مماثلة، يوم الإنتخاب.

               وليكن الشعب اللبناني الموحَّد مستعدا دائما لثورة الشارع بروح سلميّة، ضدّ طَرَشِ وعنادِ وتصلّبِ وكبرياءِ ممثليه في الحكم، حين يحين الوقت الضروري والملائم لها، أي بعد فشل كل محاولات التفاهم والحوار مع الدولة، حول مطالب الشعب وحقوقه.

               إن روح الثورة الشعبية الدائمة، بقيادة النُّخَبِ الجيدة، الواعية، على الذات الكسولة، الخاملة، المهمِلة، المستلشقة، الخائفة، وعلى السّاسة العديمي الكفاءة والأخلاق والوفاء والصدق والفائدة، والسعداء جدا وحدهم، بعيدا عن الشعب، في عيشهم الرغيد في دولة مزارع الأبقار الحلوب، لا ينبغي أن تفترَ لحظةً واحدةً. إن الفتور يعني، حتما، الكسل المؤدي إلى النزاع البطيء، ثم إلى الموت.

               إن التحدّي أمام الشعب ونخبه عظيم جدا. ينبغي على النخب الجيدة، الواعية، الصادقة، أن تقبل التحدي بشجاعة وإقدام، وتراهن، بأمل كبير، على وعيِ الشعب. وسوف تربح النخب، وسوف يربح الشعب، في نهاية الصراع الطويل، الرهان. الرهان على عدل السماء ورحمتها رهان جميل كمصدر إلهام ووحي ورجاء صالح، ولكنه لا ينفع، وحده، دون الرهان أيضا، وقبل كل شيء، على فعل الإرادة الإنسانية القوية، المؤمنة بذاتها وبالسماء، وعلى الوعي النيّر. 

               لا ننتظرنّ حلول الروح القدس على الساسة وجميع حلفائهم في معبد آلهة المال، فيتحوّلوا فجأة، إلى رسل أطهار تحرّكهم روح التواضع والمحبة والرحمة والعدل والتقشف والزهد والخدمة، ويسارعون إلى توزيع ثرواتهم، المخبَّأة في عتمات خزنات المصارف وخزنات أقبية قصورهم وقلاعهم، على الفقراء، وتخليص الشعب اللبناني من كل آفاته وعلاته ومصائبه ومشاكله وأحزانه، وتحويل لبنان إلى جنات محمِيّة من شرّ الأبالسة، تجري من تحتها الأنهار، وتغرّد في سمائها وعلى أشجارها الاطيار، وتسكنها ملائكة السلام والسعادة إلى الأبد. 

              إنه حلم جميل (ومستحيل) جدا، إن أتى (لن يأتي أبدا) هذا اليوم السعيد الذي يستطيع فيه الشعب الساكن في جنات نعيم الوطن (إنه وهم رائع)، أن يقول للساسة وحلفائهم الظالمين، والمرتدين (لن يرتدوا)، بعد حلول الروح القدس عليهم (لن يفعلها)، عن عبادة أصنام الذات والمال والذهب إلى عبادة إله المحبة والرحمة والحكمة والقوة: عفا الله عمّا مضى.  

 

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه