بهدوء...وكما كَشَف ترامب سياسات أميركا الإستعمارية ووضوح نشازها ومعها تبعيَّة حلفائها في الشرق الأوسط والخليج وبعض العرب، فقد إنْكشف الغطاء كاملاً عن الطبقة السياسية في لبنان وفَضَحَ رِهان أغْلب الزعماء السياسيين كأدوات وسماسرة ومنفِّذين لسياسة المستعمر الغربي بأدواتهم الجديدة ونقصد بها الأداة الأشد تأثيراً في العقوبات الإقتصادية، والتي تُساهم بعض النُّخب السياسية اللبنانية فيها بطريقة التذاكي والتلطِّي خلف تصريحات بيلغنسكي المندوب المالي السَّامي الأميركي الذي زار لبنان مؤخراً وقرأ بلاغاً وأعطى الأوامر المباشرة للسَّير على الخط الأميركي وتسهيل سيل العقوبات الأميركية الآتي، فإرتعد السياسيون خوفاً وصمَّ الحاكم المالي للبنك المركزي آذانه وإنتشر السماسرة في البلد ومعهم مافيات النفط وتجمُّعاتها ومستورديها في لحظة تخلٍّ واحدة باعوا البلد بناسه وأهله وصيغته الوطنية وعيشه المشترك وإن كان كاذباً، وتناسوا أنَّهم نهموا من خيراته وغرفوا الأموال الوفيرة من مزاريب الهدر والفساد التي بناها السياسيون بمنهجية مُحْكَمة الإغلاق والتفنُّن.
لا يوجد في لبنان من يُصدِّق بأنَّ هناك أزمة، في لبنان طبقة سياسية فاسدة لم يَعدْ يهضِمها حتى فساد الرأسمال الإحتكاري العالمي ويبلعها،لأنَّها فاقت بأنموذجها القبيح كلَّ موبِقات الإستعمار القديم والحديث ولم يعُدْ لها مكان في هذا العالم، وإلاَّ ما معنى أنْ تتفشَّى أزمة شحِّ الدولار وتتوسَّع في مضارباتها وتصبح السَّرقة من قبل سماسرة السوق والصرافين علانية من دون أن نعرف الأسباب ومن وراءها...كيف تتظهَّر أزمة الوقود وتُحدِث هذه البلبلة الكبيرة والمخيفة ويُعلن أصحاب المحطات والمستوردين الإضرابات من دون أن نعرف السَّبب الحقيقي وراء ذلك،سوى تجرُّؤ هذه المافيات على تحدِّي الدولة في كلِّ مرة ضاربين بعرض الحائط الإستقرار العام وفي النهاية يعترف بعضهم بأنَّه تسرَّع في الإعلان عن الإضراب وشلِّ البلد...من يحاسب ومن المسؤول ومن يشرح للناس أسباب ما يجري..؟؟؟ كلُّهم متآمرون على البلد والناس وفقرائه...لذلك نعتبر اليوم أنَّ طروحات المقاومة بمكافحة الفساد في لبنان قد فشلت لأنَّ منظومة هذا الفساد متجذِّرة عميقاً وإقتلاعها بات أصعب من إزالة الكيان الصهيوني من أرض فلسطين والأرض العربية، لأنَّ هدفهما واحد: إضعاف الدولة وتنميتها والعمالة للخارج الأجنبي والمستعمر...    
فلقد إنتهى النظام النقدي والمالي الذي حكم لبنان منذ أيام الحريرية السياسية عام 1992 الى اليوم بعد أن أعلن المصرف المركزي تمويل السلع الإستراتيجية بالدولار كالقمح والدواء وغيرها،وإنتقلنا من سعر الصرف الثابت الى سعر الصرف الثنائي والثلاثي ليتم ترك أسواق أخرى موازية تحدِّد سعر صرف آخر للدولار، نتيجة عجز البنك المركزي في الدفاع عن السعر الرسمي لعملته، سواء فعلياً أو بالتواطؤ مع الخارج وهو الأرجح، فحاكم مصرف لبنان يؤكِّد أنَّ الدولار متوفِّر والعملة الصعبة تكفي لتلبية طلب السوق والمشكلة الحاصلة هي بين الصرافين والتجار، ولو كان هذا الكلام صحيحاً ومنعاً للإهتزاز الداخلي والإستقرار المالي والإجتماعي كان على الحكم المركزي أقلَّه ضخّ كميات كبيرة من الدولارات في السوق والقضاء على المضاربين كما كان يفعل منذ إنتهاء الحرب والدخول في مرحلة السِّلم الأهلي.
سيبقى سعر صرف الدولار الثابت عند 1507 ليرات ومخصص فقط لإستيراد ثلاث سلع أساسية تعتبر إستراتيجية، لكن المطلوب خارجياً من هذه الطبقة السياسية ومعها الحاكم المركزي لمصرف لبنان تخفيض سعر صرف الليرة اللبنانية وإطلاق موجة تضخُّم مخيفة تعوِّض من خلالها مالية الدولة وهي مؤامرة يشترك فيها مصرف لبنان وبموافقة أغلبية السُّلطة السياسية لتخفيض الرواتب في القطاع العام ويتم إمتصاص سلسلة الرتب والرواتب للموظَّفين بطريقة غير مباشرة وتفقد قيمتها الشرائية، دون اللُّجوء الى فرض وتوسيع دائرة الضرائب المباشرة وغير المباشرة والتي تقع على عاتق الطبقات الشعبية الفقيرة..
إنَّها طبقة سياسية مُفْعمة بالفساد والتلوث والتآمر على أبناء جلدتها، فعلاً أنَّه لا دخل لفخامة رئيس الجمهورية بالأمر وبكلِّ ما حدث وحصل، لكن صار ضرورة وواجب قومي ووطني وديني وشرعي تنحِّي هذه الطبقة السياسي وإزالتها نهائياً حتى يحصل المخاض الحقيقي بولادة لبنان الجديد المقاومة النهضوي الحر وغير المرتهن....

                                       د.رائد المصري/أستاذ في العلوم السياسية والعلاقات الدولية

المصدر: صحيفة البناء
المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه